(اغتالوه لإسكاته، فصار دمًا ووعيًا).
اغتيل الدكتور/ فتحي الشقاقي في مالطا عام 1995. لقد أراد الصهاينة بذلك إسكات صوته وفعله المقاوم، غير أن خطابه تحوّل من نصٍّ إلى دم، ومن دم إلى وعي.
هذا ما يقدمه لنا هيثم أبو الغزلان في كتابه «فتحي الشقاقي… خطاب التأسيس والتحولات»، الصادر مؤخرًا عن مركز الحضارة العربية بالقاهرة، في قراءة يكشف من خلالها كيف ربط الشقاقي في خطابه الجهاد بالقيمة، والشهادة بالمستقبل، وجعل من “المشترك الأكبر” (فلسطين) عنوانًا لجهاد لا يقبل الانقسام.
بيروت… لحظة الانطلاق
في نيسان/ أبريل 1992، وقف الدكتور/ فتحي الشقاقي في قاعة قريبة من مخيم برج البراجنة ببيروت، كانت القاعة ممتلئة، والمناسبة كانت تأبين ثلاثة شبان شهداء.
قبل أيام من ذلك، نفذت المقاومة “عملية حوال”، تسلل مقاتلون من حركة الجهاد الإسلامي إلى بلدة حوال في جنوب لبنان، حُدد الهدف: اغتيال الجنرال إسحاق مردخاي، قائد المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال الصهيوني، لم تسر الأمور كما خُطط لها؛ فقد غادر مردخاي المنطقة قبل الموعد المحدد للتنفيذ، أفضى الأمر إلى اشتباك، استشهد ثلاثة من الفدائيين: خالد محمد حسن حسن، من مخيم الوحدات في الأردن، ونزار محمود مهودر خصاف، من مدينة الشعلة في البصرة – العراق، وعادل كامل ظاهر، من مخيم عين الحلوة في لبنان، قتلوا وأصابوا عددًا من ضباط وجنود الاحتلال.
بهذه اللحظة يستهل المؤلف والباحث هيثم أبو الغزلان كتابه، فهو لا ينطلق من نظرية، بل من مشهد الدم؛ لأن خطاب الشقاقي أساسًا لم ينفصل يومًا عن الفعل.
ويرى المؤلف أن هذه العملية (عملية حوال)، بما حفلت به من دلالات سياسية وتنظيمية، شكلت محطة مهمة في مسار تشكل الوعي المقاوم داخل حركة الجهاد الإسلامي، كما أسهمت في إبراز الدور الذي أداه خطاب الشقاقي في تعزيز هذا الوعي وتوجيهه.
لذلك، يرى أبو الغزلان أن هذه اللحظة كشفت شيئًا جوهريًا في خطاب الشقاقي: كيف كان هذا الخطاب يصنع الوعي، وكيف كان يحول الفعل الميداني إلى معنى، ويحول المعنى إلى فعل جديد.
بعد ثلاث سنوات فقط، وتحديدًا في 26 تشرين الأول/ أكتوبر 1995، اغتيل الشقاقي في مالطا، ظن الجناة الذين اغتالوه أنهم أغلقوا صفحته الجهادية، لكن الذي حدث هو العكس، تحول خطاب الشقاقي من “نص يُقال” إلى “دم يُستعاد في الوعي الجمعي”.
خطاب غير ظرفي:
وإذ يستعرض المؤلف مرتكزات خطاب الشقاقي، ممثلة في التأصيل الديني للقضية الفلسطينية، ورفض أي تسوية مع الاحتلال، وإعطاء الأولوية للجهاد بالسلاح، والتشديد على ضرورة الوحدة الجهادية في المستوى العربي والإسلامي والثوري العالمي، والاستقلالية التنظيمية والسياسية…، يصل المؤلف إلى خلاصة حاسمة مفادها أن “خطاب الدكتور فتحي الشقاقي لا يمكن قراءته بوصفه مجرد نتاج فكري مرتبط بمرحلة تاريخية بعينها، ولا بوصفه خطابًا تعبويًا ظرفيًا فرضته شروط الصراع”.
فما طبيعة هذا الخطاب إذن؟
إنه، بحسب المؤلف، “بنية فكرية- خطابية متكاملة” شكلت نقطة التقاء حرجة، التقى فيها “الوعي السياسي والتأصيل الديني والتجربة الجهادية المباشرة”، هذه الثلاثية هي أساس تميّز خطاب الشهيد الشقاقي، الذي جمع قليلًا بين أمرين، وربما نادرًا ما تم الجمع بينهما: التحليل العميق لطبيعة المشروع الصهيوني، وتحويل هذا التحليل إلى لغة قادرة على التعبئة وبناء المعنى والفعل في آن واحد.
أخطر من مشروع احتلال أرض:
لعل أبرز ما تضمنه خطاب الشقاقي – كما يرصده الكتاب – أنه كسر اختزال الرؤية لمعضلة الصراع العربي – “الإسرائيلي”؛ فهو لم ينظر إلى الكيان الصهيوني بوصفه مجرد احتلال عسكري يحتل أرض فلسطين، ومن ثَمَّ يمكن التعامل معه على هذا الأساس، بل هو بؤرة أو “مركز لمشروع استعماري أوسع، يستهدف الأرض والإنسان والذاكرة معًا”، لا في فلسطين فحسب، بل في المنطقة العربية بأسرها.
من هنا جاءت خصوصية خطاب الدكتور الشقاقي؛ فتداخل فيه السياسي مع الحضاري، والآني مع الاستراتيجي. النتيجة الموضوعية لتلك الخصوصية تمثلت في أن خطاب الشقاقي شكل -أو تشكلت فيه- سردية مقاومة تحاول إعادة تعريف الصراع العربي – الصهيوني خارج الأطر التي فرضتها الخطابات السائدة.
مفاهيم مركزية في بنية الخطاب:
بعيدًا عن الشكل -كما يشير إليه المؤلف- فإن خطاب الشقاقي يتضمن عددًا من المفاهيم الأساسية التي انبنى عليها، التي نشير إلى أبرزها في الآتي:
1. الوحدة والمشترك الأكبر:
لم تكن الوحدة عند الشقاقي مجرد شعار مناسباتي، بل كانت فعلًا وممارسة، من هنا، رفض الشقاقي “حصر الجهد بجهة”، مؤكدًا أن معركة التحرير أكبر من أن تكون معركة فصيل دون غيره، ولقد انطلق الشقاقي في رؤيته هذه من “المشترك الأكبر”: فلسطين.
بناء على ذلك، يؤكد المؤلف أن الدكتور/ فتحي الشقاقي لم يكن قائدًا عسكريًا فحسب، بل كان مفكرًا يرى أن الفعل المقاوم لا يكتسب مشروعيته وفاعليته إلا إذا تأسس على رؤية فكرية واضحة وعقيدة راسخة، وانطلاقًا من ذلك، شدد على ضرورة وحدة السلاح والعقيدة، بحيث لا تُختزل المقاومة في كونها استجابة آنية أو فعلًا انفعاليًا، بل تُطرح بوصفها مشروعًا تحرريًا متكامل الأبعاد، كما أكد أهمية المواءمة بين التراث الإسلامي ومتطلبات الواقع المعاصر؛ من أجل امتلاك القدرة على مواجهة التحديات المختلفة.
2. الانتفاضة فعل استثنائي لاستعادة الذات والهوية:
في سنوات الانتفاضة الأولى، لم ينظر الشقاقي للحجارة وسيلة فعل يائس، بل بوصفها “لحظة تحوُّل ووعي جمعي”، لقد اعتبر الدكتور/ الشقاقي أن انتفاضة الحجارة عام 1987 شكلت مخرجًا للمشروع الوطني الفلسطيني بشكل كامل، ومدخلًا لصياغة وعي سياسي جديد؛ إذ كانت مناسبة ملزمة للتيارات الثلاثة (الإسلامي، القومي، الديمقراطي)؛ لتعيد النظر في مواقفها المسبقة وتصوراتها عن الآخرين، وفرضت طبيعة المعركة الشعبية المفتوحة مع العدو، والتداخل الميداني بين الجميع، وأن عليهم إقامة تحالفات وعلاقات بعيدة عن منهجية التكفير والاستثناء والنفي.
ولقد اكتشفت الأطراف الفلسطينية المختلفة أن ثمة نقاط التقاء تجمعها مع بعضها، وأن الإسلامي المناضل أقرب إلى اليساري أو القومي من اليساري والقومي الذي يذهب نحو التسوية والاتفاق مع العدو.
3. الجهاد منظومة قيم لا مجرد شعار:
أعاد الشقاقي تقديم مفهوم “الجهاد” ضمن إطار إيماني وأخلاقي وتربوي، وربطه بمسار “الهداية والتربية”، وانطلاقًا من هذا فقد رفض الفصل بين “الفعل المسلح” و”البعد القيمي”.
لذلك كانت شرعية المقاومة في خطابه لا تنبع من “الضرورة” وحدها، بل من الانتماء إلى منظومة فكرية واضحة.
ولقد ارتكز خطاب الدكتور/ فتحي الشقاقي – بحسب المؤلف – على منظومة فكرية إسلامية ثورية وطنية تحمل مفاهيم تثويرية، وتسعى إلى تقديم تصورات محددة إزاء الصراع مع العدو الصهيوني، ولهذا نراه في خطاباته يقر بوجود صعوبات في طريق المقاومة والجهاد، ويقارن “بين نارين: نار الذل والهوان، ونار الجهاد والمقاومة والاستشهاد، نار تقود إلى النقمة، ونار تقود إلى النعمة والرضوان، وعلينا أن نختار”.
4. الشهادة خطاب الاستمرارية:
لعل هذه النقطة تأتي في قلب الكتاب؛ إذ يكشف لنا المؤلف أن نصوص الشقاقي عن الشهادة لم تكن “خطاب نهاية أو رثاء”، بل كانت “خطاب استمرارية”.
“الدم في منظومته الخطابية ليس خاتمة للمعنى، بل إعادة إطلاق له في سياق أوسع”.
ومن ثَمَّ فإن القول إن “الشهداء لا يموتون” لم تكن جملة عزاء، بل كانت نظرية عمل.
وهنا يشير أبو الغزلان إلى أن خطاب الشقاقي قد “اكتسب بُعدًا رمزيًا إضافيًا في لحظة استشهاده؛ فتحول من خطاب يُقال إلى خطاب مؤكَّد بالفعل”.
وهذا ما منح الخطاب “قدرة لافتة على تجاوز صاحبه، والاستمرار بعد غيابه”.
لماذا نستعيد قراءة الشقاقي اليوم؟
يطرح الكتاب كذلك سؤالًا مباشرًا: ما جدوى إعادة قراءة خطاب الشقاقي اليوم ونحن في العام 2026؟
ويأتي بالجواب: “في زمن تتكاثر فيه الخطابات المتناقضة حول فلسطين، وتتعرض فيه مفاهيم المقاومة لمحاولات التفريغ أو التشويه، تبرز أهمية إعادة قراءة خطاب فتحي الشقاقي” بوصفه “خطابًا مؤسسًا”، من حيث “بنيته اللغوية، ومفاهيمه المركزية، وقدرته على إنتاج معنى متماسك للصراع”.
ولا يزعم هيثم أبو الغزلان أن كتابه هذا – الذي جاء في 168 صفحة من القطع المتوسط – قد أحاط بموضوعه إحاطة كاملة، لكنه محاولة تسعى إلى “فتح أفق تحليلي يعيد الاعتبار للخطاب المقاوم بوصفه عنصرًا فاعلًا في تشكيل الوعي”.
وفي هذا السياق، يشدد المؤلف على أن خطاب الشقاقي، بما يحمله من “وضوح فكري وتماسك قيمي”، يظل حاضرًا بوصفه مرجعًا قابلًا لإعادة القراءة والتأويل، في صراع “لم تغلق صفحاته بعد”.
هل كان هذا هو السر وراء اغتيال الشقاقي؟ ربما، ولكن بالتأكيد أن هذا هو سر بقائه واستمراره.