كانت التغيرات الكبيرة لافتة، التي حدثت في وحدات الجيش السوري مؤخرًا؛ إذ أقصي بموجبها قادة أقوياء لبعض الفرق العسكرية، التي تشكلت من الفصائل المسلحة، التي تكوّن منها الجيش السوري الجديد بعد التغيير الدراماتيكي، الذي حصل في القيادة السورية أواخر العام 2024، وكانوا يشكلون أركانًا أساسية في السلطة الجديدة.
شملت التغييرات عزل قادة ثلاثة فرق عسكرية (فصائل مسلحة) وعدد من الضباط في مواقع ميدانية، وتوزيع ودمج عدة فرق، بحيث تنهي عنها صفة الفصيل المسلح، وحالة الارتباط والولاء المباشر لقائد الفصيل، وليس لقيادة الجيش.
عملية التغيير لم تكن سلسة أو سهلة، وإنما جرت وفق خطة مدروسة، تعمدت تضليل القادة الذين جرى تغييرهم، ثم وضعهم أمام الأمر الواقع بعد إنجاز عملية التغيير بنقلهم إلى مناصب إدارية، أو مواجهة القيادة السورية.
الملاحظ أن هذه التغيرات ترافقت مع أجواء داخلية وإقليمية حساسة لا يمكن فصلها عنها، وأبرزها:
- إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر من مرة عن دور للجيش السوري في لبنان، يتعلق بالمقاومة اللبنانية.
- قرب انتهاء المهلة الممنوحة للسلطة السورية؛ لعزل القادة الموجودين على القوائم الأمريكية والأممية للتنظيمات والشخصيات “الإرهابية”، وعزل المقاتلين الأجانب، المنضمين للفصائل المسلحة، التي يتشكل منها الجيش السوري.
- الاتفاق السوري الروسي، المتعلق بتنظيم عمل قاعدتيها الجوية في مطار حميميم، والبحرية في طرطوس على الساحل السوري.
- توقيع اتفاق مكة الثلاثي بين المملكة العربية السعودية وتركيا والباكستان.
- عودة التوترات العسكرية بين اليمن والسعودية على خلفية استمرار الحصار البحري والجوي الذي تفرضه السعودية على اليمن.
- محاولة الحكومة العراقية الجديدة حل الحشد الشعبي وفصائل المقاومة.
وسط هذه الظروف، حملت هذه التغييرات دلائل ومؤشرات داخلية وخارجية متعددة.
على الصعيد الداخلي، تشير هذه التغييرات إلى أن السلطة السورية تعمل على إنهاء حالة الفصائل ونزع القوة العسكرية والاقتصادية والامتداد الاجتماعي، التي كونها قادتها على مدى أربعة عشر عامًا، التي جعلتهم يعيشون أمراء حرب، وزعماء مناطق أكثر من ولائهم لمفهوم الدولة.
كما تتعلق بتطبيق الاتفاق بين السلطة السورية وقيادة قوات سورية الديمقراطية (قسد) التي تسيطر على مناطق واسعة من شمال شرق سورية، وتطالب بتغيير عدد من القادة العسكريين، في مقدمتهم الأسماء التي طالها التغيير.
كما تؤكد أن سلطات دمشق تستجيب للمطالب الأمريكية والأممية؛ للتخلص من الشخصيات والأسماء الموجودة في قوائم التنظيمات “الإرهابية”، لا سيما المتهمين بالمشاركة في المجازر التي حصلت في الساحل السوري، والسويداء، وريف دمشق.
خارجيًا، ما يجري داخل الجيش السوري والسلطة السورية – عمومًا – متعلق مباشرة بموضوع الصراع مع العدو الإسرائيلي، والحديث الجاري عن قرب التوصل إلى اتفاق أمني بين الجانبين، وهو ما سيؤدي إلى تحديد مهمة الجيش السوري ودوره بموجب هذا الاتفاق، على غرار ما حصل مع مصر في اتفاقيات كامب ديفيد، ولهذه الأسباب يراقب الكيان الصهيوني باهتمام ما يجري داخل المؤسسة العسكرية السورية بوصفه واحدة من أهم الملفات التي تحدد هوية الدولة السورية؛ إذ يريد الكيان أن يبقى الجيش السوري بتسليح ضعيف، وتحت السيطرة، وعاجزًا عن القيام بأي عمل خارج سورية.
أيضًا ترتبط بعلاقات سورية، وموقعها الجيوسياسي، ودورها الإقليمي والدولي، والمهمة الأكثر حساسية هي التي أعلن عنها الرئيس ترامب أكثر من مرة، بأنه طلب من السلطات السورية الدخول إلى لبنان لضرب حزب الله، بدلًا عن “إسرائيل”، وأن على دمشق أن تؤدي دورًا مهمًا في “نزع سلاح” المقاومة اللبنانية، لكن هذه المهمة ليست بالسهولة التي تصورها فوضى تصريحات ترامب؛ إذ تحاول السلطات السورية التهرب من هذه المهمة من خلال طلب تفويض من جامعة الدول العربية، ومجلس الأمن الدولي، لأي عمل سوري في لبنان.
كما أن هذه المهمة تلاقي رفضًا من معظم القوى الإقليمية الفاعلة والمؤثرة في السلطات السورية، وفي مقدمتها تركيا؛ لأسباب متعددة، أهمها ما يتعلق بصراع الإرادات والنفوذ مع الكيان في سورية والمنطقة.
لكن هذا لا يعني أن دمشق لا يمكن أن تقوم بعمل ما في لبنان، لا سيما في حال تعثر المفاوضات الجارية بين السلطة اللبنانية والكيان الصهيوني برعاية أمريكية، لكن هذا الأمر مرتبط بتطورات المواجهة في لبنان، وبمسار العدوان على إيران، وربما يتم الأمر بأساليب غير عسكرية.
أيضا جرى الحديث عن مهمة قد يقوم بها الجيش السوري الجديد في العراق، يتعلق بضرب فصائل المقاومة العراقية، لا سيما أن فصائل متعددة تتمركز في المناطق الحدودية بين البلدين، وتشهد الحدود السورية مع لبنان والعراق استنفارات متبادلة، أكدت أن الكلام عن هذا الدور لم يأت من فراغ.
تعمل – من خلال الاتفاق مع روسيا لتنظيم عمل قاعدتيها الجوية والبحرية، التي تتمركز في مناطق في الساحل السوري، تسيطر عليها فصائل تابعة لبعض القادة الذين شملهم التغيير – دمشق على إنجاز مهمة ليست سهلة، باعتبار أن روسيا متهمة عند السلطات الجديدة بأنها ساعدت نظام الرئيس بشار الأسد، وأسهمت في ضرب الفصائل، التي أصبحت اليوم في الحكم، لكنها بحاجة إلى روسيا، باعتبار أن معظم تسليح الجيش السوري منها، وليس لها مصلحة باستعداء دولة عضو دائم في مجلس الأمن الدولي، ولتحقيق نوع من التوازن في علاقاتها الخارجية.
أما علاقة ما يجري لهيكلة الجيش السوري مع اتفاق مكة بين السعودية وتركيا والباكستان، فدمشق ليست بعيدة عن الاتفاق، وإن كانت غير مشاركة فيه؛ إذ لا يمكن أن تكون بعيدة عن أي ترتيبات إقليمية في المنطقة، كما أن سورية بحاجة لاستيراد وتمويل حاجتها من الأسلحة، وتدريب الجيش الجديد، وهو ما يمكن أن تساعد فيه الدول الثلاث.
كما تحدثت معلومات عن إمكانية مشاركة وحدات من الجيش السوري إلى جانب السعودية في الأعمال القتالية في اليمن ضد أنصار الله، وحديث عن إمكانية إرسال المقاتلين الأجانب إلى هذه المهمة، كأحد الوسائل للتخلص منهم.
ما جرى من تغيير عميق في قيادة وبنيوية الجيش السوري ليس سوى خطوة من عدة خطوات عسكرية وسياسية متوقعة؛ لتحديد هوية سورية الجديدة، التي تتشكل مترافقة مع مخاض صعب، ولتحديد موقعها ودورها الجيوسياسي، بوصفها مفتاح منطقة شرق المتوسط وغرب آسيا، التي تشكل قلب العالم، والمؤشر على صعود وهبوط الإمبراطوريات والدول العظمى، بصرف النظر عمن يجلس على كرسي السلطة في دمشق.
ويتوقع أن يكون كل ذلك مرتبطًا بالشكل الذي ستنتهي فيه الجبهات المفتوحة في فلسطين المحتلة ولبنان والخليج، واليمن، وصولًا إلى أوكرانيا، والصراع الأمريكي الصيني، على قيادة السياسات والاقتصاديات العالمية.