مثَّل اعتراف الكيان الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025 نقطة تحول نوعية في النزاع الممتد بين الحكومة الفيدرالية الصومالية وإدارة “هرجيسا”، فلم يكن القرار مجرد إضافة دبلوماسية إلى حملة «أرض الصومال» من أجل الاعتراف الدولي، بل نقل القضية من إطارها الصومالي والإفريقي التقليدي إلى قلب التنافس الجيوسياسي على البحر الأحمر وخليج عدن، وبذلك أصبحت المسألة الصومالية الشمالية مرتبطة أكثر – من أي وقت مضى – بموازين القوى في باب المندب واليمن والقرن الإفريقي.
تكمن أهمية التطور في أنه جمع داخل أزمة واحدة أربعة ملفات شديدة الحساسية: وحدة الدولة الصومالية وحدودها المعترف بها دوليًا، طموح «أرض الصومال» إلى الحصول على اعتراف دولي، موقف المجتمع الصومالي من الكيان الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، الصراع على الموانئ والقواعد والممرات البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن، ومن هنا، فإن قراءة المواقف الصومالية لا ينبغي أن تنحصر في ثنائية «مقديشو ضد هرجيسا»، بل يجب أن تشمل الأحزاب، والبرلمانات، والسلطات المحلية، والعلماء، والنخب الفكرية، والمجتمعات الموجودة في “أودل” و”سول” و”سناغ” و”عين”، فضلًا عن تأثير الحسابات القبلية والمناطقية.
أولًا: الموقف الرسمي الصومالي — الاعتراف بوصفه اعتداءً على السيادة
رفضت الحكومة الفيدرالية الصومالية الاعتراف رفضًا قاطعًا، ووصفته بأنه اعتداء متعمد على سيادة الصومال ووحدة أراضيه، ولا يستند موقف مقديشو إلى الاعتراض على الكيان الإسرائيلي وحده، وإنما إلى مبدأ أوسع مفاده أن مستقبل أي إقليم صومالي لا يجوز أن يُحسم بإعلان صادر عن دولة أجنبية، فمن منظور الحكومة يتجاوز الاعتراف العلاقة الثنائية بين “إسرائيل” و”هرجيسا”؛ لأنه يمس الحدود الدولية للصومال ووضعه القانوني بوصفه عضوًا في الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وأيضًا:
- تعبئة المواقف العربية والإسلامية والإفريقية الرافضة للاعتراف.
- إثارة القضية داخل مجلس الأمن والمحافل الدولية.
- ربط الاعتراف بمخاطر عدم الاستقرار في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
- التحذير من أي وجود عسكري أو استخباري أجنبي يُنشأ دون موافقة الحكومة الفيدرالية.
يعكس هذا الموقف إدراكًا أن قبول الاعتراف دون رد قوي قد يؤدي إلى تطبيع فكرة الاعتراف المنفرد، ثم تشجيع دول أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة، لكن المعضلة التي تواجه “مقديشو” هي أن الشرعية القانونية الدولية وحدها لا تكفي لإدارة نزاع سياسي ممتد، فالحكومة الصومالية تمتلك الاعتراف الدولي، لكنها لم تستطع خلال العقود الماضية إنتاج تسوية سياسية مقبولة مع “هرجيسا”، أو بناء صيغة جديدة للوحدة تُقنع قطاعًا واسعًا من سكان المناطق الشمالية؛ لذلك يظل موقف مقديشو قويًا نسبيًا على المستوى القانوني والديبلوماسي، لكنه يحتاج إلى مشروع سياسي داخلي يعالج أسباب الانفصال والمظالم التاريخية، ويحدد شكل الدولة وتوزيع السلطة والموارد والضمانات الدستورية.
ثانيًا: الاتحاد الإفريقي والمجتمع الدولي — الخوف من سابقة إعادة رسم الحدود
اتخذ الاتحاد الإفريقي موقفًا شديد الوضوح؛ إذ أعاد التأكيد على احترام سيادة الصومال ووحدته وسلامة أراضيه، ولا يعود هذا الموقف فقط إلى دعم الحكومة الصومالية، بل يرتبط بأحد المبادئ المؤسسة للنظام الإفريقي بعد الاستقلال: الحفاظ على الحدود الموروثة عن الاستعمار، تجنبًا لفتح عشرات النزاعات الانفصالية والقومية والحدودية في القارة، ومع أن أنصار استقلال «أرض الصومال» يقدمون حجتهم بوصفها «استعادة استقلال» لا انفصالًا تقليديًا، فإن الاتحاد الإفريقي لم يقبل هذه الحجة بوصفها أساسًا كافيًا للاعتراف الأحادي.
وقد كان مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي الأداة المؤسسية الأبرز في بلورة هذا الموقف، ففي اجتماعه رقم 1324، المنعقد على المستوى الوزاري في 6 يناير/كانون الثاني 2026، ناقش المجلس القضية من زاوية الحفاظ على سيادة الصومال ووحدته وسلامة أراضيه واستقراره، لا من زاوية الخلاف الثنائي بين “مقديشو” و”هرجيسا” فحسب، وأدان المجلس الاعتراف الإسرائيلي الأحادي، ودعا إلى سحبه فورًا، واعتبر أن أي محاولة لتغيير الحدود أو المساس بالتكوين الإقليمي لدولة عضو في الاتحاد الإفريقي من دون أساس قانوني تمثل خرقًا للقانون التأسيسي للاتحاد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وتهدد السلم والأمن في القرن الإفريقي والقارة عمومًا.
وتجاوز دور المجلس إصدار الإدانة إلى تثبيت مرجعية سياسية وقانونية أوسع؛ إذ دعا الدول الأعضاء والشركاء الدوليين إلى تأكيد دعمهم وحدة الصومال، ورفض أي إجراءات تمنح الاعتراف للكيانات الانفصالية خارج تسوية وطنية، كما شدد على أن الحوار الداخلي بين الصوماليين هو المسار المقبول لحل الخلافات السياسية، وحثّ مفوضية الاتحاد الإفريقي على التنسيق مع الهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد» ومجموعة شرق إفريقيا؛ لدعم حوار شامل يعالج جذور الأزمة، وبذلك لم يكن موقف مجلس السلم والأمن مجرد تضامن مع “مقديشو”، بل دفاعًا عن قاعدة إفريقية راسخة تمنع تحويل الاعترافات الأحادية إلى سوابق قد تُستخدم في نزاعات انفصالية أخرى داخل القارة.
أما الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي الأوسع، فيمكن وصف موقفهما بأنه اعتراف بالواقع الإداري دون الاعتراف بالسيادة القانونية، فهناك إدراك أن “هرجيسا” بنت مؤسسات وسلطات فعلية منذ عام 1991، لكن لا توجد رغبة دولية واسعة في الاعتراف باستقلالها خارج تسوية تفاوضية، كما تخشى الدول من أن يصبح الاعتراف سببًا في صراع جديد داخل المناطق المتنازع عليها، ولذلك يظل موقف الاتحاد الإفريقي مرجعًا مهمًا للدول الغربية في التعامل مع القضية.
أما جامعة الدول العربية فقد اكتفت بدعوة من الحكومة الفيدرالية الصومالية إلى عقد مجلس الجامعة على مستوى المندوبين الدائمين دورة غير عادية في القاهرة، أدانت فيها الاعتراف الإسرائيلي واعتبرته إجراءً غير قانوني وباطلًا ولا يترتب عليه أثر، مشيرًا إلى ما قد ينتج عن هذا الاعتراف من احتمال استغلال موانئ شمال الصومال لأغراض عسكرية أو في مخططات تتعلق بتهجير الفلسطينيين.
ثالثًا: الأحزاب والقوى السياسية في الصومال الفيدرالي
أحدثت الخطوة تقاربًا نسبيًا بين أطراف سياسية صومالية متنافسة؛ إذ يصعب على أي حزب أو شخصية سياسية في مقديشو أن تقبل علنًا بتغيير حدود البلاد باعتراف خارجي منفرد، ومع ذلك، لا يعني هذا أن المواقف كانت متطابقة؛ فهناك اتجاه سيادي يرى في الخطوة اعتداءً على وحدة الدولة، واتجاه معارض للحكومة يرفض الاعتراف لكنه يحمّل السلطات المتعاقبة مسؤولية الإخفاق في إدارة ملف هرجيسا، واتجاه تفاوضي براغماتي يحذر من الاكتفاء ببيانات الإدانة، واتجاه تعبوي يوظف القضية في الصراع الداخلي حول الشرعية والدستور والانتخابات.
يكشف هذا التعدد عن أن الإجماع ضد الاعتراف لا يساوي إجماعًا على طريق معالجة الأزمة، فبعض القوى ترى أن الرد يجب أن يكون دبلوماسيًا وقانونيًا، بينما يرى آخرون أن الأزمة لا تُحل إلا بإطلاق مسار سياسي يطرح الأسئلة المؤجلة: هل المطلوب وحدة مركزية، أم فيدرالية موسعة، أم صيغة كونفدرالية، أم استفتاء متوافق عليه؟ ومن دون هذه الأسئلة يبقى رفض التطبيع قويًا في الشارع والخطاب، لكنه عاجز عن إنتاج بديل استراتيجي.
ويبرز في هذا السياق موقف الرئيس الأسبق شيخ شريف شيخ أحمد، زعيم حزب «هِمِلو قرن»، الذي لم يتعامل مع الاعتراف الإسرائيلي بوصفه خلافًا عابرًا بين الحكومة والمعارضة، بل بوصفه ملفًا سياديًا يستدعي موقفًا وطنيًا موحدًا؛ فقد جاءت اتصالات الرئيس “حسن شيخ محمود” به، وبقوى معارضة أخرى، في إطار السعي إلى بناء جبهة سياسية داخلية ضد الاعتراف، وتخفيف التوترات بين الحكومة والمعارضة، ويكشف هذا التطور أن قضية «أرض الصومال» قادرة – عند لحظات الخطر الخارجي – على إعادة ترتيب أولويات الطبقة السياسية الصومالية، بحيث تتقدم وحدة الدولة على الخلافات الانتخابية والدستورية.
كما عكس موقف «منتدى الإنقاذ الصومالي» وقوى المعارضة القريبة منه رفضًا واضحًا للاعتراف، مع انتقاد متزامن لأداء الحكومة في إدارة الملف؛ فقد نظر هذا الاتجاه إلى الخطوة الإسرائيلية بوصفها انتهاكًا لسيادة الصومال ووحدة أراضيه، لكنه رأى في الوقت نفسه أن الانقسامات الداخلية، وتعثر الحوار الوطني، وضعف التنسيق بين القوى السياسية، عوامل أضعفت الموقف الصومالي، وأتاحت لقوى خارجية استثمار الفراغ، ولهذا طالب بعض رموز المعارضة بعقد مؤتمر وطني عاجل لتوحيد الصف السياسي ووضع استراتيجية دبلوماسية وقانونية مشتركة.
أما مواقف الأحزاب والشخصيات الأخرى – ومنها قوى مرتبطة بالرؤساء السابقين والكتل البرلمانية وبعض النخب القومية – فقد اتفقت في جوهرها على رفض الاعتراف، لكنها اختلفت في تفسير أسبابه وطريقة الرد عليه؛ فهناك من ركز على البعد القانوني والدبلوماسي، وهناك من رأى أن الاعتراف نتيجة مباشرة لفشل الدولة في بناء توافق داخلي حول شكل الحكم والعلاقة مع “هرجيسا”، وهناك من حذّر من أن يتحول الملف إلى أداة للمزايدة السياسية بدلًا من أن يكون مدخلًا لبناء إجماع وطني، بهذا المعنى، لم يكن موقف الأحزاب مجرد رفض للكيان الإسرائيلي، بل تعبيرًا عن صراع أعمق حول معنى الدولة الصومالية نفسها.
ويُضاف إلى ذلك موقف التيار المرتبط بالرئيس السابق “محمد عبد الله فرماجو”، الذي اتخذ موقفًا قريبًا من الاتجاه السيادي الصارم؛ فقد أدان “فرماجو” الاعتراف “الإسرائيلي” وعدّه خرقًا واضحًا للقانون الدولي ولسيادة الصومال ووحدة أراضيه، مؤكدًا أن «أرض الصومال» جزء لا يتجزأ من الجمهورية الفيدرالية الصومالية، وأن الشعب الصومالي موحّد في الدفاع عن سيادته، وتنبع أهمية هذا الموقف من أن هذا التيار ما يزال أحد أكثر التيارات حضورًا في الذاكرة السياسية الحديثة، وأن انضمامه إلى مسار الرفض عزز صورة الإجماع العابر للحكومة والمعارضة ضد الاعتراف الأحادي.
وتلتقي مواقف تيار حزب «هِمِلو قرن»، وحزب «ودجر»، ومنتدى الإنقاذ، والكتل البرلمانية المختلفة، عند نقطة مركزية هي رفض المساس بوحدة الصومال بقرار خارجي منفرد، غير أن هذه القوى تختلف في زاوية القراءة؛ فتيار “فرماجو” يقدّم الملف غالبًا من زاوية السيادة والقانون الدولي، بينما يركز تيار شيخ شريف والمعارضة الأوسع على ضرورة تحويل الأزمة إلى فرصة لبناء موقف وطني جامع، أما القوى البرلمانية والسياسية الأخرى، فتتوزع بين خطاب تعبوي يرفض التطبيع من منطلق وطني وديني، وخطاب إصلاحي يرى أن الرد الحقيقي يبدأ بإعادة فتح حوار جاد مع “هرجيسا” ومع المجتمعات المتنازع على تمثيلها.
ويمكن إضافة موقف حزب «ودجر» وقوى مدنية وبرلمانية أخرى إلى هذه الخريطة؛ إذ انطلقت هذه القوى من رفض مبدئي لأي اعتراف خارجي ينتقص من وحدة الصومال، لكنها ركزت في الوقت نفسه على ضرورة عدم اختزال الرد في بيانات الإدانة، فخطاب هذه القوى يميل إلى الجمع بين الدفاع عن السيادة والدعوة إلى مراجعة السياسات الداخلية التي جعلت ملف «أرض الصومال» مفتوحًا أمام التدخلات الخارجية، ولهذا برزت دعوات إلى بلورة موقف وطني جامع، وإلى وقف استخدام قضية الوحدة في المزايدات الحزبية، وإلى إعادة بناء الثقة مع سكان الشمال عن طريق مشروع سياسي قابل للتفاوض لا عن طريق الخطاب الرمزي وحده.
رابعًا: موقف السلطة والأحزاب في هرجيسا
رحبت قيادة «أرض الصومال» بالاعتراف “الإسرائيلي”، ووصفته بأنه خطوة تاريخية تحقق هدفًا سعت إليه الإدارات المتعاقبة منذ إعلان الانفصال عام 1991، كما أن تأييد المؤسسات السياسية في “هرجيسا” عكس توافقًا واسعًا حول مبدأ إقامة علاقات مع الكيان الإسرائيلي مقابل اختراق العزلة الدولية، ولا يبدو أن الخلاف بين الأحزاب الرئيسة يدور حول قبول الاعتراف من حيث المبدأ، بل حول الجهة التي يُنسب إليها الإنجاز، وشروط التعاون مع “إسرائيل”، وحدود التعاون الأمني والعسكري، وأثر العلاقة في الرأي العام المحلي، وقدرة “إسرائيل” على إقناع دول أخرى بالاعتراف.
وفي داخل المشهد الحزبي في “هرجيسا” برز موقف رئيس حزب «كاه» “محمود هاشي عبدي” بوصفه مثالًا على التداخل بين تأييد الاعتراف والتحفظ على بعض مخرجات التطبيع؛ فقد أعلن الحزب – في مواقف علنية ومؤتمرات صحفية – دعمه مبدأ الاعتراف الإسرائيلي، لكنه عارض فتح بعثة أو سفارة في القدس، معتبرًا أن موقع البعثة يثير إشكالات دينية وسياسية وقانونية. ويكشف هذا الموقف أن الخلاف داخل “هرجيسا” لا يدور فقط بين مؤيدين ومعارضين للتطبيع، بل بين من يريد تحويل الاعتراف إلى اصطفاف كامل، ومن يحاول الفصل بين الاعتراف السياسي وبين الرموز الأكثر حساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
أما في «أرض الصومال» فقد شكل البيان المشترك للأحزاب الوطنية الثلاثة، «كُلْمِيّه» و«وَدّاني» و«كاه»، مؤشرًا على أن المؤسسة الحزبية في “هرجيسا” تعاملت مع الاعتراف الإسرائيلي بوصفه إنجازًا وطنيًا يتجاوز التنافس الداخلي؛ فقد رحبت هذه الأحزاب بالعلاقات مع الكيان الإسرائيلي واعتبرت الاعتراف اعترافًا بشرعية مشروع الدولة في “هرجيسا”، وبما تسميه سجلًا في الاستقرار والانتخابات والمؤسسات، غير أن هذا الإجماع الحزبي لا يلغي التباينات تحت السطح؛ فبعض الأصوات، ولا سيما داخل حزب «كاه»، أبدت تحفظات على بعض الرموز السياسية للتطبيع، مثل فتح بعثة في القدس، بما يكشف أن التأييد للاعتراف لا يعني بالضرورة قبولًا كاملًا بكل مخرجات العلاقة مع “إسرائيل”.
غير أن التأييد السياسي في هرجيسا لا يعني بالضرورة إجماعًا اجتماعيًا على التطبيع الكامل؛ فهناك فارق بين الترحيب باعتراف دولة ما، وبين قبول تموضع سياسي وأمني ضمن محور إقليمي يقوده الكيان الإسرائيلي، وقد يصبح هذا الفارق أكثر وضوحًا إذا لم تنتج العلاقة مكاسب اقتصادية أو اعترافات إضافية، أو إذا تحولت بربرة والساحل الشمالي إلى جزء من صراع البحر الأحمر والتهديدات الموجهة ضد اليمن، عندها قد يتحول الاعتراف من مكسب رمزي إلى عبء داخلي وأمني.
خامسًا: مواقف المجتمعات والقبائل — بين الاعتراف والتمثيل والهوية
من الخطأ اختزال الموقف القبلي في معادلة بسيطة: قبائل تؤيد الاعتراف وأخرى ترفضه؛ فالقبيلة في السياق الصومالي ليست كتلة أيديولوجية ثابتة، بل إطارًا اجتماعيًا وسياسيًا تتداخل داخله المصالح المحلية، والتمثيل في السلطة، والذاكرة التاريخية، والموقف من “هرجيسا” أو “مقديشو”، والموقف الديني من الكيان الإسرائيلي؛ لذلك قد يؤيد سياسي أو شيخ عشيرة خطوة الاعتراف لأسباب تتعلق بموقعه داخل السلطة، بينما يرفضها أفراد من البيئة الاجتماعية نفسها لأسباب دينية أو قومية أو اقتصادية.
في “هرجيسا” و”برعو” و”غبيلي” ظهرت مظاهر احتفال بالاعتراف، بما يعكس وجود قاعدة شعبية ترى فيه كسرًا للعزلة الدولية، أما في “أودل” و”بورما”، فقد برزت اعتراضات تجمع بين رفض التطبيع مع “إسرائيل”، والتضامن مع فلسطين، والشعور بأن القرارات المصيرية تُتخذ في “هرجيسا” دون تمثيل كافٍ للأطراف، وفي “سول” و”سناغ” و”عين”، حيث تنشط كيانات رافضة لسلطة “هرجيسا” أو مرتبطة بخيار الدولة الصومالية، يُقرأ الاعتراف بوصفه تجاهلًا لإرادة سكان المناطق المتنازع عليها، ومحاولة لمنح “هرجيسا” سيادة على أراضٍ لا تملك إجماعًا داخليًا بشأنها.
سادسًا: العلماء والشخصيات العامة والنخب الثقافية
أدخل العلماء والشخصيات العامة بعدًا أخلاقيًا ودينيًا قويًا إلى الجدل، فالتيار الديني الرافض للتطبيع ينطلق من مركزية فلسطين في الوعي الإسلامي الصومالي، ويرى أن طلب الاعتراف لا يبرر التحالف مع دولة تُنظر إليها شعبيًا بوصفها قوة احتلال، أما التيار القومي الصومالي فيركز على خطر تفكيك الدولة وتحويل السواحل إلى نقاط نفوذ لقوى خارجية، وفي المقابل، يدافع تيار استقلالي براغماتي عن العلاقة من منظور المصالح، معتبرًا أن العالم العربي والإفريقي لم يمنح “هرجيسا” الاعتراف، وأن السياسة لا تُدار بالعاطفة وحدها.
وقد اتخذ هذا الرفض الديني طابعًا أكثر حدة مع توقيف عدد من العلماء والشخصيات الدينية التي عبّرت علنًا عن اعتراضها على الاعتراف والعلاقة مع إسرائيل، ومن أبرز الأسماء التي ترد في هذا السياق الشيخ محمد ولي الشيخ عبد الرشيد، الذي تحدث في المسجد عن لقاء جمعه، مع علماء آخرين برئيس إدارة “هرجيسا”؛ إذ قال: إنهم نصحوه بعدم المضي في الاتفاق، وشرحوا له الموقف الشرعي من التطبيع وما يُسمى اتفاقات “إبراهام”، وجرى توقيف الشيخ لاحقًا بعد إعلانه هذه المواقف، وهو ما جعل قضية التطبيع لا تُقرأ فقط بوصفها خلافًا دبلوماسيًا، بل أيضًا بوصفها اختبارًا لهامش التعبير الديني والسياسي داخل أرض الصومال.
كما جرى توقيف الشيخ “محمد علي كاريي” بعد منشورات رافضة للاعتراف الإسرائيلي، وإلى بروز أصوات دينية أخرى، منها الشيخ “علميس”، عبّرت علنًا عن رفضها التطبيع، ولا تكمن دلالة هذه المواقف في بعدها الفقهي وحده، بل في أنها كشفت عن فجوة بين الحسابات السياسية للسلطة، التي ترى في الاعتراف مكسبًا استراتيجيًا، وبين قطاعات دينية وشعبية ترى أن العلاقة مع هذا الكيان تمس هوية المجتمع وموقعه من القضية الفلسطينية.
وفي “مقديشو” اتخذ الرفض الديني طابعًا جماعيًا من خلال مشاركة علماء ودعاة في احتجاجات شعبية ضد الاعتراف؛ إذ شدد متحدثون دينيون على أن النزاع بين الصوماليين ينبغي أن يُحل بحوار صومالي داخلي لا عبر الاستعانة بالكيان الإسرائيلي، وبرز في هذا السياق موقف الشيخ “بشير أحمد صلاد”، رئيس هيئة علماء الصومال، الذي انتقد اللجوء إلى “إسرائيل” في معالجة الخلافات الداخلية، واعتبر أن مصالح الكيان الإسرائيلي لا يمكن أن تكون بديلًا عن المصلحة الصومالية أو عن التضامن مع الفلسطينيين، وقد أعطى هذا الموقف بعدًا وطنيًا ودينيًا للرفض؛ لأنه ربط بين وحدة الصومال، وحرمة التطبيع، ورفض تحويل القضية الصومالية إلى ورقة ضمن اتفاقات إبراهام.
في المقابل، لم يكن الخطاب الديني داخل “هرجيسا” موحدًا تمامًا؛ إذ دافع بعض المسؤولين الدينيين في الإدارة عن الاتفاق بوصفه قرارًا سياسيًا لا دينيًا، ونُقل عن وزير الشؤون الدينية في «أرض الصومال» تأكيده أن العلاقة مع “إسرائيل” لا تعني اتفاقًا على الدين، بل تفاهمًا سياسيًا لخدمة مصلحة الإدارة، ويكشف هذا التباين عن وجود صراع داخل المجال الديني نفسه بين قراءة ترى التطبيع مخالفة أخلاقية وشرعية، وهو الطبيعي، وقراءة أخرى تحاول حصره في إطار المصلحة السياسية والاعتراف الدولي.
وتبرز دلالة مواقف العلماء في ثلاثة مستويات، أولها: أنها أعادت القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش الداخلي، بعدما حاولت بعض الخطابات تقديم الاعتراف بوصفه مكسبًا دبلوماسيًا خالصًا، وثانيها: أنها كشفت حدود قبول المجتمع المحافظ بفصل السياسة الخارجية عن المرجعية الدينية، وثالثها: أنها حوّلت مسألة الاعتراف إلى اختبار للحريات العامة، خصوصًا حين تزامن التعبير الديني الرافض مع توقيفات أو تضييق على بعض الأصوات المنتقدة.
تنبع أهمية هذا الانقسام من أنه لا يدور حول الكيان الإسرائيلي وحده، بل حول تعريف المصلحة الصومالية نفسها: هل تُقاس المصلحة بانتزاع اعتراف دولي بأي ثمن، أم بحماية هوية المجتمع وموقعه الأخلاقي، أم بالحفاظ على وحدة الدولة، أم بتجنب تحويل الجغرافيا إلى أداة في صراع لا يملك الصوماليون التحكم فيه؟ تجعل هذه الأسئلة موقف الشخصيات العامة أكثر تعقيدًا من مجرد تأييد أو رفض.
سابعًا: البعد القانوني والجيوسياسي — بين الاعتراف والتطبيع
لا يمكن فصل التطبيع عن الموقع الاستراتيجي لأرض الصومال على خليج عدن، وقربها من باب المندب واليمن، فالكيان الإسرائيلي، في ظل تصاعد التهديدات في البحر الأحمر يبحث عن عمق سياسي وأمني على الضفة الإفريقية المقابلة لليمن، بينما ترى “هرجيسا” في هذا الموقع ورقة لرفع قيمتها الدولية، وهنا تنتقل القضية من سؤال الاعتراف إلى سؤال الاستخدام: هل سيكون الساحل مجالًا للاستثمار والتنمية، أم منصة مراقبة وتعاون أمني، أم جزءًا من صراع إقليمي أوسع؟
هذا البعد ما يثير حساسية خاصة لدى “مقديشو” ونخبها، وكذلك لدى مجتمعات محلية تخشى أن تُدفع أثمان أمنية واقتصادية مقابل اعتراف رمزي، فإذا ارتبطت العلاقة بإقامة حضور عسكري أو استخباري، فقد تتجاوز آثارها الخلاف الدبلوماسي إلى تهديد مباشر للاستقرار المحلي، وربما إلى استهداف المنطقة من قوى معادية لإسرائيل أو منخرطة في صراع البحر الأحمر.
قانونيًا، يجب التمييز بين الاعتراف بوصفه قرارًا سياديًا تملكه الدول في الممارسة الدولية، وبين مبدأ سلامة أراضي الدول المعترف بها، ولهذا تبدو المسألة القانونية مرتبطة بالسياسة أكثر من ارتباطها بنص قانوني حاسم، فأنصار «أرض الصومال» يستندون إلى وجود مؤسسات حكم فعلية، وتاريخ الاستقلال القصير عام 1960، واستمرار الإدارة المنفصلة منذ 1991، بينما تستند “مقديشو” والاتحاد الإفريقي إلى أن الصومال دولة معترف بها دوليًا، وأن الاعتراف الأحادي يقوض وحدة دولة عضو في الأمم المتحدة.
أما سياسيًا، فيبدو الاعتراف والتطبيع جزءين من معادلة واحدة: تحتاج “هرجيسا” إلى كسر العزلة الدولية، ويحتاج الكيان الإسرائيلي إلى شريك استراتيجي على خليج عدن؛ لذلك لا يبدو التطبيع نتيجة لاحقة للاعتراف، بل عنصرًا أساسيًا في صفقة سياسية متبادلة، غير أن قيمة هذه الصفقة بالنسبة إلى “هرجيسا” ستُقاس بمؤشر مهم: هل تستطيع “هرجيسا” تجنب التحول إلى ساحة عسكرية في صراع إقليمي؟
ثامنًا: من المستفيد ومن المتضرر؟
تحقق “هرجيسا” مكاسب رمزية مهمة، في مقدمتها كسر حاجز عدم الاعتراف ورفع القيمة الاستراتيجية لبربرة، لكنها تواجه مخاطر بقاء الاعتراف معزولًا، وخسارة التعاطف لدى مجتمعات عربية وإسلامية، وتصاعد التوترات في “أودل” والمناطق الشرقية، أما “مقديشو” فقد كسبت دعمًا إفريقيا ودوليًا واسعًا وأعادت قضية الوحدة إلى مركز الخطاب الوطني، لكنها تخاطر بالاعتماد على بيانات الإدانة بدل بناء حل سياسي، ويكسب الكيان الإسرائيلي حضورًا سياسيًا قريبًا من اليمن وباب المندب، لكنه يواجه رفضًا إفريقيا وعربيًا وإسلاميًا، واحتمال أن تتحول العلاقة إلى عبء على “هرجيسا” بدل أن تكون رصيدًا لها.
تاسعًا: السيناريوهات المستقبلية
- اعتراف معزول وعلاقات محدودة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب ما دام الاتحاد الإفريقي متمسكًا برفض الاعتراف الأحادي.
- اعترافات إضافية محدودة، إذا تمكنت “هرجيسا” من استثمار العلاقة مع “إسرائيل” أو شركائها، مع بقاء العقبة الإفريقية كبيرة.
- عسكرة العلاقة، إذا تحولت “بربرة” إلى منشأة عسكرية مرتبطة بالحرب على اليمن أو الصراع في البحر الأحمر، وهو السيناريو الأخطر؛ لأنه قد ينقل الصراع إلى الأراضي الصومالية.
- تصاعد النزاعات الداخلية، خصوصًا في المناطق التي ترفض سلطة “هرجيسا” أو تعترض على تمثيلها.
- استئناف الحوار بين مقديشو و”هرجيسا” على أساس قضايا التمثيل والحدود وتقاسم الأصول والموارد والأمن وحقوق المجتمعات المحلية.
عاشرًا: ماذا كشف الاعتراف عن الأزمة الصومالية؟
ولا تعني الوحدة القانونية بالضرورة قيام وحدة سياسية متماسكة، فالصومال – على رغم تمتعه بالاعتراف الدولي بوصفه دولة واحدة – ظل منذ عام 1991 يعيش حالة من الانقسام السياسي والمجتمعي حالت دون تحول الشرعية القانونية إلى توافق داخلي كامل حول شكل الدولة ومركزها السياسي، كما أن الاستقرار الإداري النسبي الذي تمكنت “هرجيسا” من ترسيخه لا يحسم بمفرده مسألة الشرعية؛ إذ تكشف النزاعات في المناطق الشرقية والاعتراضات في “أودل” عن استمرار الخلاف حول حدود النفوذ والتمثيل السياسي ومدى وجود إجماع داخلي على مشروع الانفصال. وفي هذا السياق، تظل القبيلة عنصرًا أساسيًا في بنية الدولة والمجتمع، ليس فقط من خلال تأثيرها في توزيع المناصب وموازين القوة السياسية، وإنما أيضًا في تحديد الحدود ومصادر الشرعية والتمثيل، وفي حق المجتمعات المحلية في اختيار مركزها السياسي وشكل ارتباطها بالدولة، وإلى جانب هذه العوامل الداخلية، تمثل القضية الفلسطينية عنصرًا مؤثرًا في تشكيل المواقف والسياسات الصومالية، ولا تقتصر أهميتها على كونها خطابًا دبلوماسيًا خارجيًا، بل تتصل أيضًا بالتصورات الشعبية والسياسية تجاه قضايا السيادة والاحتلال والتدخل الخارجي، ومع تزايد الأهمية الجيوسياسية للبحر الأحمر، انتقلت قضية شمال الصومال إلى مستوى أوسع من التنافس الإقليمي والدولي، بعدما أصبحت قيمة المناطق الشمالية مرتبطة بموقعها الجغرافي المقابل للسواحل اليمنية والقريب من باب المندب، فضلًا عن الإمكانات البحرية والجوية التي يوفرها ميناء “بربرة”؛ الأمر الذي جعل الجغرافيا البحرية عاملًا متزايد الحضور في حسابات الشرعية والنفوذ ومستقبل الترتيبات السياسية في المنطقة.
خاتمة
لم يؤدِّ الاعتراف الإسرائيلي إلى إنهاء النزاع حول «أرض الصومال»، بل جعله أكثر تعقيدًا، فقد حققت “هرجيسا” اختراقًا دبلوماسيًا نسبيا، لكنها لم تحصل حتى الآن على موجة اعتراف دولي، ونجحت مقديشو في تعبئة موقف إفريقي ودولي واسع، لكنها لم تقدم بعد تسوية سياسية تستطيع معالجة جذور الانقسام، أما المواقف المجتمعية فلا يمكن اختصارها في انقسام بين قبائل مؤيدة وأخرى معارضة؛ فداخل كل منطقة تتداخل المصلحة السياسية مع الهوية الدينية، والتمثيل المحلي، والذاكرة التاريخية، والموقف من فلسطين، والخوف من عسكرة البحر الأحمر.
إن الطريق الأكثر عقلانية لا يمر بالاكتفاء بإدانة الاعتراف، ولا بالاحتفال به بوصفه نهاية للتاريخ، بل بحوار صومالي شامل يجيب عن الأسئلة التي جرى تأجيلها منذ عقود: من يمثل سكان المناطق الشمالية؟ ما الحدود التي يقبلونها؟ ما شكل العلاقة الممكنة بين “مقديشو” و”هرجيسا”؟ كيف تُحمى إرادة سكان “أودل” و”سول” و”سناغ” و”عين”؟ وكيف يُمنع استخدام الأراضي الصومالية في صراعات لا تخدم مصالح أهلها؟ فالاعتراف الإسرائيلي ليس أصل الأزمة، لكنه كشفها بصورة أكثر وضوحًا، وإذا لم يبنِ الصوماليون تسويتهم بأنفسهم، فإن الجغرافيا ستتحول إلى سلعة تفاوض، والموانئ إلى أوراق نفوذ، والانقسامات المحلية إلى بوابات مفتوحة أمام مشاريع الآخرين.
المراجع الأساسية
- وزارة الخارجية الصومالية، بيانات رفض الاعتراف الإسرائيلي والزيارة الرسمية إلى هرجيسا، ديسمبر/كانون الأول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026.
- مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، بيان بشأن سيادة الصومال ووحدته، يناير/كانون الثاني 2026.
- مفوضية الاتحاد الإفريقي، بيان بشأن القرار الإسرائيلي المتعلق بأرض الصومال، أبريل/نيسان 2026.
- الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، مواقف وإحاطات بشأن وحدة الصومال وسلامة أراضيه، ديسمبر/كانون الأول 2025.
- مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين، بيان الدورة غير العادية بشأن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، القاهرة، 28 ديسمبر/كانون الأول 2025.
- معهد الدراسات الأمنية الإفريقي ISS، The AU Has Frozen the Somaliland Debate: Political Solutions Are Needed، 2026.
- تقارير صحفية دولية بشأن بربرة والبحر الأحمر، مع التعامل مع المعطيات العسكرية غير الرسمية بوصفها ادعاءات تحتاج إلى إثبات مستقل.