شهدت سوريا حدثاً امنياً، تتجاوز تأثيراته وتداعياته الجيوسياسية الساحة السورية، عندما أقدم مجهولون، على تفجير خط الغاز، المغذي لثلاث محطات كهربائية، وإخراجها من الخدمة لبعض الوقت بالتزامن مع اطلاق النار على حافلة لعمال شركة كهرباء في ريف حماه ومقتل 7 واصابة 4.
ما يعطي أهمية خاصة، وأبعد مدى للعملية، أنها لم تكن الوحيدة، وإنما جاءت ضمن سلسلة من الاستهدافات المتتالية، لخطوط الغاز والنفط في سوريا، والعاملين فيها
البيانات الرسمية لم تحدد الجهة التي تقف وراء التفجير الأخير والأخطر، لكن تقارير ومعلومات وجهت أصابع الاتهام إلى تنظيم داعش، فيما رأت آراء أخرى، وقوف جهات دولية وراء العملية، حتى لو كان تنظيم داعش هو من قام بها.
وذكرت وسائل إعلام محلية، أن الانفجار سبقه سماع صوت طيران حربي ومسير مجهول، في الأجواء قبل ساعة من وقوعه، الأمر الذي يفتح الباب، أمام مروحة من الاحتمالات، حول أسبابه ومن قام به.
اللافت أن هذه الاستهدافات، جاءت مع الترويج لفكرة الاستفادة من الموقع الجيوسياسي الفريد لسوريا، لتكون ممراً رئيسيا لخطوط انتاج ونقل الطاقة، من الخليج والعراق، باتجاه الأسواق الأوروبية والعالمية، وكمركز عالمي لمشاريع الرقمنة والتحول الرقمي العالمي، والمقرر الانطلاق به في العام 2030، إضافة إلى الاستفادة من الإنتاج المتوقع، من النفط والغاز في شرق المتوسط، وأهم ما فيه، أن طرقه إلى كل الأسواق الأوروبية والعالمية، لا تمر عبر مضائق وبحار ضيقة، أو غير آمنة، مثل هرمز وباب المندب، وإنما مفتوحة بشكل مباشر على هذه الأسواق، وهذه المشاريع لم تعد مجرد أفكار في عقول السياسيين والاقتصاديين، في الدول النافذة والمستفيدة، وإنما بدأت بالعمل لتحوليها إلى واقع على الأرض، وفي مقدمتها مشروع أمريكي رسمي، بتحويل سوريا إلى ممر لخطوط انتاج ونقل النفط والغاز، لتكون بديلاً برياً عن مضيقي هرمز وباب المندب، وهو ما أكده المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك، بقوله “صراع عملية الغضب الملحمي، و إغلاق هرمز، واختناقات البحر الأحمر، غيرت المعادلة جذريا، فأصبح الجسر البري عبر سوريا ضرورة أمنية جيوسياسية، لا مجرد مشروع تجاري”.
كما تزامَن التفجير، مع إعلان الشركة السورية للبترول، انطلاق أعمال الجزء الثاني من المرحلة الثانية، لمشروع خطّ الغاز العربي، بطول 186 كيلومتراً، وقُطر 36 إنشاً، والذي يُفترض أن يستكمل المنظومة الممتدّة على الحدود الأردنية التركية ، مع توقيع مذكرات تفاهم، مع شركات أميركية كبرى، لاستثمار حقول النفط والغاز في ، حيث وقعت الشركة السورية للبترول، مذكرة تفاهم في فبراير/شباط 2026، مع شركة شيفرون (Chevron) الأميركية، وباور إنترناشونال هولدينج (Power International Holding) القطرية، للتنقيب عن النفط والغاز، في المياه الإقليمية السورية.
وفي الشهر نفسه، أُعلن أن شركات بايكر هيوز (Baker Hughes) وهنت إنرجي (Hunt Energy) وأرجنت أل أن جي (Argent LNG)الأميركية، إلى جانب شركة طاقة وأكوا باور السعوديتان، تتجه لتشكيل تحالف، لاستكشاف وإنتاج النفط والغاز في شمال شرق سوريا.
وفي 5 أبريل/نيسان الجاري، وقعت الشركة السورية للبترول، عقداً مع شركة “أديس” السعودية، يشمل أعمال صيانة وتطوير الآبار الحالية، وحفر آبار استكشافية جديدة.
وتجري سوريا حالياً، محادثات مع شركات طاقة دولية كبرى، لمنحها تراخيص لاستكشاف النفط والغاز، في ظل تقديرات تشير إلى وجود احتياطيات غازية غير مكتشفة، قد تصل إلى تريليونات الأمتار المكعبة.
وكانت الشركة السورية للبترول، قد وقّعت نهاية العام الماضي، مذكرة تفاهم مع شركة كونوكو فيليبس (ConocoPhillips) ونوفاتيرا (Novatera) الأميركيتين، ومذكرة مماثلة مع دانة غاز (Dana Gas) الإماراتية، لإعادة تطوير وتوسعة عدد من الحقول الاستراتيجية.
بالتوازي، تواصل الشركة السورية للبترول، محادثاتها مع شركات دولية، مثل “إيني” و”بي بي”، مع استعداد دمشق، لفتح المجال أمام استثمارات روسية وصينية، لكن اللافت أيضاً، أن هذه الاستهدافات، جاءت متزامنة مع قرار قطر، وقف تمويلها لقطاع الكهرباء في سوريا.
كل هذه المعطيات، تثير التساؤلات حول من يقف وراء التفجيرات، وما هو الهدف منها، ومن هي الجهات الفاعلة على الساحة السورية، والتي تتمكن من تنفيذ مثل هذه العمليات.
الجواب على السؤال ليس سهلاً، خاصة مع كثرة التشابكات على الأرض السورية، وغياب الشفافية في المعلومات والتحقيقات، وبوجود العديد من الأطراف المتضررة من المشروع.
فالتفجيرات جاءت في وقت أعاد فيه تنظيم داعش صفوفه في سوريا والعراق من جديد، وهذا يؤكد أن التنظيم، لايزال يتلقى المعونات والخدمات اللوجستية، من جهة ما فاعلة على الأرض، وإسرائيل موجودة في الجنوب وريف دمشق، وحتى داخل دمشق، وتعمل على السيطرة على مشاريع نقل الطاقة في المنطقة، لتكون كلها عبر أراضي فلسطين المحتلة، وخاصة ميناء حيفا.
وتركيا تمتلك وجوداً عسكريا، ونفوذا في الشمال، ولها مشروعها الخاص حول نفط وغاز شرق المتوسط، إضافة إلى الوجود المباشر، للأمريكي، والبريطاني، والروسي، والفرنسي، ودول وجهات وأجهزة استخبارات أخرى عديدة، أما السلطة المركزية، فتقف وسط كل هذه الحقول من الألغام، عاجزة عن تأمين مشاريعها، وفرض سيطرة أمنية متماسكة، على كامل الجغرافيا السورية.
هذا الوضع غير المستقر، يجعل الفوضى الأمنية، هو السلاح الأخطر، الذي يتهدد سوريا، لأن وجود كل هذه الفوضى وتراكمها، هو ما يفتح الباب أمام تحكم العاملين الآخرين، وهما تنظيم داعش والتدخلات الخارجية، للعبث بالداخل السوري، وبمشاريع الاستثمار، وإعادة الإعمار، وإنتاج ونقل الطاقة، ومواصلة جرائم القتل الطائفية، والجنائية والفلتان الأمني.
وسط هذا المشهد، يبدو الكيان الصهيوني وتركيا، الجهتان الأكثر تضررا، من مشروع تحويل سوريا إلى ممر لخطوط انتاج ونقل الطاقة، وتريدان الاستحواذ عليها، وهما الأكثر قدرة على تنفيذ هذه العمليات، بحكم تواجدهما المباشر على الأرض السورية، حتى وإن كان تنظيم داعش هو من يقوم بتنفيذ هذه العمليات، وما هو مؤكد، أن هذا الغموض، سيبقى يلف هذه العمليات، كما ستبقى الساحة السورية، رهينة لهذا الوضع الأمني الهش، حتى يتم حسم صراع النفوذ التركي الإسرائيلي في سوريا، ومعرفة نتيجة الصراع الدائر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران حول مضيق هرمز، وحتى يتم تحديد الوضع في اليمن وباب المندب، وهو ما يتطلب بعض الوقت، لمعرفة المسار الذي ستستقر عليه سوريا.