احتلالٌ مفكك: لماذا يخشى الإسرائيليون أنفسهم أكثر من أى شئ آخر؟

احتلالٌ مفكك: لماذا يخشى الإسرائيليون أنفسهم أكثر من أي شيء آخر؟

احتلالٌ مفكك: لماذا يخشى الإسرائيليون أنفسهم أكثر من أى شئ آخر؟

احتلالٌ مفكك: لماذا يخشى الإسرائيليون أنفسهم أكثر من أي شيء آخر؟
Picture of عبدالرحمن محمد

عبدالرحمن محمد

باحث فى العلاقات الدولية

نشر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، التابع لجامعة تل أبيب، مؤشراً بحثياً بعنوان “مؤشر تصورات التهديد لدى الجمهور الإسرائيلي”؛ غطت الدراسة أربعة عشر سيناريو تهديد تواجه الكيان المحتل، واعتمدت على عينتين احداهما من عموم الإسرائيليين وأخرى لمجموعة من الخبراء؛ طُلب من المشاركين اختيار أكثر ثلاثة سيناريوهات تهديداً برأيهم خلال السنوات الخمس المقبلة؛ جاءت آراء الجمهور كالتالى: الصراع العنيف بين فئات المجتمع، وحصول إيران على السلاح النووي، وهجوم صاروخي واسع النطاق على الجبهة الداخلية، على التوالى؛ فيما كان رأى الخبراء أن تقويض الطابع الديمقراطي لـ”الدولة” يليه الصراع العنيف بين فئات المجتمع هما الأكثر تهديدا بين السيناريوهات؛ وكان لافتاً فى ظل الجبهات العسكرية المفتوحة و الحروب المتعددة أن تبرز التهديدات الداخلية كالأكثر تهديدا بالنسبة للإسرائيليين.1

المجتمع الإسرائيلي: انقسام على الذات

لايتوقف خوف الإسرائليين على الوجود المجرد لهذه السيناريوهات كتهديد، وانما يرى أغلبهم أن احتمالية حدوثها عالية وقدرة حكومتهم على التعامل معها محدودة؛ حيث اعتبر ٥٤٪ أن احتمال حدوث الصراع العنيف بين فئات المجتمع خلال الخمس سنوات القادمة عالي أو عالى جدا، وتوقع 69% منهم حدوث أضرار جسيمة أو جسيمة جدًا في حال وقوعه، أما الأشد خطراً فهو تقييم 64% من عينة الجمهور استعداد الكيان لمواجهه ذلك بأنه منخفض أو منخفض جداً.

أما عن السيناريو الأكثر تهديداً بالنسبة للخبراء (تقويض الطابع الديمقراطى للدولة) فقد اعتبر ٦٣٪ منهم احتمالية حدوثه خلال الخمس سنوات القادمة عالية/عالية جداً، وتوقع ٩١٪ منهم حدوث ضرر مرتفع أو شديد الارتفاع حال وقوعه، وقيم ٥٥٪ منهم استعداد الاحتلال لمواجهة ذلك بالمنخفض أو المنخفض جداً.

يشير تصدّر هذه السيناريوهات إلى إحساس عميق لدى الإسرائيليين بالخوف من تفكك كيان منقسم أصلاً على نفسه؛ فالحريديم المتشددون والعرب واليهود العلمانيون ثلاثية تزداد تباعداً يوماً بعد يوم. ولا يتعلق الأمر هنا بخلافات سياسية عابرة أو أحداث جزئية، وإنما بقضايا مصيرية تتعلق -من منظورهم- بالهوية والمواطنة والمساواة داخل المجتمع؛ وإن كان عرب الداخل مهضومي الحقوق منذ عقود على كل حال، فإن قضايا أخرى عمّقت الشروخ بين اليهود أنفسهم، كان أبرزها محاولة حكومة الاحتلال السيطرة على النظام القضائي، وإعفاء الحريديم من التجنيد الإلزامي.

الحريديم: المحرك الأول لسيناريو الصراع العنيف

لا يظهر الحريديم كطيف “ديني” ضمن المجتمع بقدر ما يبدون كمجتمع داخل المجتمع؛ إذ يبلغ عددهم وفق التقرير الإحصائي السنوي لمعهد الديمقراطية الإسرائيلي (IDI) نحو 1.45 مليون نسمة، أي ما يقارب خُمس السكان اليهود؛2 يعيشون في أحياء مستقلة، ويرفضون التجنيد، ويعتبرون أن مرجعية الحاخام أعلى من قوانين “الدولة”.

يشكل الحريديم قوة انتخابية متزايدة باطراد، إذ يتناسلون أكثر من أي فئة أخرى في “إسرائيل”؛ حيث يبلغ معدل الخصوبة لديهم 6.5 طفل لكل امرأة ، وهو من الأعلى عالمياً، فيما تبلغ نسبة من هم دون التاسعة عشرة بينهم 57%، أي إنه من أصغر المجتمعات سناً في العالم. ومع ذلك، لا يساهم الحريديم في اقتصاد دولة الإحتلال إلا بقدر ضئيل: تبلغ نسبة توظيف رجالهم 53% فقط مقابل نحو 87% بين الرجال اليهود غير الحريديم -أي أقل بمقدار الثلث تقريباً- وبينما وظيفة الرجل الرئيسية هي التفرغ لدراسة التوراة؛ يقع عبء إعالة الأسرة عملياً على النساء اللواتي تبلغ نسبة توظيفهن 81%.3

ولا يكتفي الحريديم بمحدودية مساهمتهم الاقتصادية، بل يطالبون أيضاً بزيادة الإعانات الحكومية التي يحصلون عليها أصلاً دون عموم الشعب؛ وحين يُضاف إلى ذلك رفضهم التجنيد في ظل حالة حرب، تتشكل معادلة يراها كثير من الإسرائيليين غير عادلة بالمرة. ورغم ذلك مرّر الكنيست في 14 يوليو 2026 بأغلبية ضئيلة (58 مقابل 54 صوتاً) قانوناً يجمّد ملاحقة واعتقال طلاب المعاهد الدينية المتخلفين عن التجنيد4، في مشهد يكشف الفجوة بين الائتلاف الحاكم ومزاج الشارع؛ فقد سجّل استطلاع INSS في يوليو٢٠٢٦ أن ٦٣% من الجمهور يعارضون أي تشريع يعفي غالبية الحريديم من الخدمة العسكرية. بهذا القانون، يبدو أن الكنيست قد وزّع الأدوار عملياً بين شباب إسرائيل: بعضهم يدرس التوراة، والآخرون يموتون في الحرب.5

اللافت بشأن الحريديم أنهم منظّمون، ولديهم قيادة، وأنشطة دورية، ومحافل جماعية، وتمويل منتظم؛ وحين يُضاف إلى ذلك التشدد والشعور بالتفوق، يصبح هذا المزيج خطراً حقيقياً على تماسك أي مجتمع. ظهر ذلك مراراً خلال الاحتجاجات الضخمة التي نظّموها اعتراضاً على التجنيد، كما دأبوا على إرغام المحال على الإغلاق يوم السبت حتى لو كان أصحابها علمانيين، في استعراض للقوة خارج الأطر الرسمية للكيان الاسرائيلي. والأخطر أن الحريديم لا يبدون مرونة تُذكر بشأن القضايا الخلافية؛ فالأمر بالنسبة لهم “عقيدة” (توجيهات الحاخام التي هي توجيهات الرب) حتى إن التعليم، الذي من المفترض أن يرسّخ الهوية القومية الجامعة، لا تشارك فيه إلا نساؤهم، بينما يتلقى الرجال تعليماً دينياً مخصصاً دون العلوم الأساسية.

الإنقسام الكلاسيكي: السفارديم/الأشكيناز

الانقسام في إسرائيل ليس ظاهرة حديثة على أي حال؛ فلم يكن المجتمع اليهودي يوماً كتلة متجانسة، بل هو تراكم انقسامات متعددة الطبقات تتقاطع فيها الأصول العرقية مع درجة التديّن، وتنعكس على السياسة والاقتصاد والهوية الوطنية. فمنذ نشأة “إسرائيل”، ألقت ثنائية الأشكناز/السفارديم بظلالها على دولة الاحتلال؛ إذ سيطر الأشكناز (يهود أوروبا) على المناصب السياسية والقضائية منذ تأسيس الكيان، بينما عانى السفارديم (اليهود الشرقيون) لأجيال من التهميش، وفق مركز بيو للأبحاث الذي وجد أن 32% من السفارديم/المزراحيم يشعرون بوجود تمييز واسع ضدهم، مقابل 9% فقط بين الأشكناز؛6 هذا الفارق يعكس تبايناً عميقاً في تجربة الاندماج، امتد إلى فوارق في التعليم والرفاهية استمرت حتى الجيل الثالث؛ كما كان مثيراً أن يعاني السفارديم، بعد طوفان الأقصى، من مستويات أعلى من الاكتئاب والقلق والشعور بالخطر مقارنة بالأشكناز، وفق دراسة طبية أجراها باحثون إسرائيليون قارنت استجابات المجموعتين النفسية تحت ضغط الحرب7. وللمفارقة، فبالرغم من هذا التفاوت التاريخي، يُقدَّر السفارديم/المزراحيم بنحو 48% من الكتلة اليهودية العامة مقابل 45% للأشكناز8، أي إنهم -خلافاً للصورة النمطية عن “أقلية مهمّشة”- الأغلبية العددية فعلياً.

وهمُ الديمقراطية في مهب الريح

إن كانت الديمقراطية تعني حكم الأغلبية، فهل يكون ديمقراطياً أن تحكم الأغلبية بإلغاء الديمقراطية؟، فحكومة الاحتلال المتّهمة بـ”تقويض الطابع الديمقراطي للدولة” أتت -للمفارقة- عبر صناديق الاقتراع. يُذكر هذا المسار بصعود النازية وأدولف هتلر في ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية؛ فمنذ عودة نتنياهو لرئاسة الوزراء، تبنّت حكومته خطة مثيرة للجدل لتقويض توازن السلطات الذي قام عليه الكيان الاسرائيلي منذ نشأته.

تقوم الخطة -التى بدأ تنفيذها فعليا- على إلغاء معيار “المعقولية” الذي كانت المحكمة العليا للاحتلال تستند إليه لإبطال قرارات الحكومة والوزراء “غير المعقولة”، بالإضافة إلى محاولات موازية لتمكين الكنيست من إلغاء قرارات المحكمة العليا بأغلبية بسيطة (بند التغلّب)، إضافة إلى تعديل نظام تعيين القضاة لتصبح للحكومة اليد العليا فيه. وبهذا لا تتعلق الخطة بتعديلات إجرائية أو إعادة توزيع صلاحيات هامشية، بل بنظام الحكم أي الأساس الذي تأسس عليه الكيان الذي لا دستور مكتوباً له؛ إذ ستؤدي الخطة المقترحة إلى إزالة معظم ضوابط الفصل بين السلطات والرقابة على أفعال الحكومة. وحين نضيف أن رئيس الحكومة الذي يسعى لتقويض القضاء مطلوب أصلاً للمحاكمة بتهم فساد، لا يعود الأمر مجرد تضارب مصالح، وانما انقلابٌ كامل على القضاء للإفلات من العقاب.

أدت هذه الخطة إلى أكبر حركة احتجاجية شهدها الكيان الاسرائيلي، شارك فيها مئات الآلاف على مدى أشهر عام 2023، ترافقت مع خطوات غير مسبوقة داخل المؤسسة العسكرية؛ إذ أعلن أكثر من 1100 من احتياطي سلاح الجو، بينهم أكثر من 400 طيار، تعليق خدمتهم التطوعية احتجاجاً على الخطة، إلى جانب تهديد نحو 300 طبيب احتياطي بالانسحاب9، وصولاً إلى إضراب عام دعا إليه اتحاد نقابات العمال (الهستدروت) شلّ قطاعات الصحة والنقل والبنوك وأغلق مطار البلاد الدولي ليوم كامل. هذا يعني أن الأمر لم يكن مجرد تنافس أجندات سياسية بين أحزاب، بل شرخاً عميقاً بين الإسرائيليين لا يبدو متجهاً للالتئام.

لم يؤدِّ طوفان الأقصى إلى توحيد الإسرائيليين -كما توهّم البعض- ففى أحدث استطلاع لمعهد الأمن القومى (يوليو الماضي) اعتبر غالبية الجمهور (٥٦٪) أن القرارات التي تتخذها قيادة الاحتلال بشأن قضايا الأمن القومي تستند في المقام الأول إلى اعتبارات سياسية أو شخصية بدلاً من اعتبارات أمنية10؛ هذا الاحساس العارم بشخصنة سياسات الحكومة فى ظل حالة حرب يدلنا على أن توقف الاحتجاجات منذ طوفان الأقصى لايعدو كونه مرحلة مؤقتة؛ فانقسام المجتمع الإسرائيلى يتعمق أكثر ولن يلبث الوضع أن ينفجر قريباً.

في نهاية المطاف، تتقاطع هذه الإنقسامات مع تآكل أساس الحكم الذى بني عليه الكيان الإسرائيلي (الديمقراطية) لتفسّر لماذا صعد “الصراع العنيف بين فئات المجتمع” و”تقويض الطابع الديمقراطي” إلى قمة مؤشر التهديدات الإسرائيلي، متقدمين على مخاطر خارجية وجودية كالبرنامج النووي الإيراني. فالخوف الأعمق لدى كثير من الإسرائيليين اليوم ليس من عدو خارجي فحسب، بل من كيان يتصدع من الداخل بفعل انقسامات لم تُحل منذ تأسيسه، وتتفاقم مع كل أزمة جديدة.


  1. معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، “مؤشر تصورات التهديد لدى الجمهور الإسرائيلي، فبراير-يوليو 2026”  https://www.inss.org.il/publication/survey-threats/ ↩︎
  2. The medialine نقلاً عن معهد الديمقراطية الإسرائيلي: https://2u.pw/Mkwlij ↩︎
  3. medialine   (مرجع سابق) ↩︎
  4. Times of Israel، “Knesset passes law banning arrests of Haredi draft dodgers, legitimizing ongoing mass non-enlistment”:
    https://2u.pw/468hvk ↩︎
  5. معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، “نتائج استطلاع الأمن القومي: يوليو 2026” https://www.inss.org.il/publication/inss-survey-july-2026/ ↩︎
  6. Pew Research Center, “Israel’s Religiously Divided Society”
     https://www.pewresearch.org/religion/2016/03/08/identity/ ↩︎
  7. PubMed, “Ethnic origin of Israeli Jews and psychological responses to the extreme stress of the ongoing war with Hamas In Gaza”
    https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC11538018/ ↩︎
  8. Pew Research Center (مرجع سابق) ↩︎
  9. Times of Israel، “Over 1,100 Air Force reservists to end volunteer duty In protest of judicial overhaul”:
    https://www.timesofisrael.com/over-1100-air-force-reservists-to-end-volunteer-duty-in-protest-of-judicial-overhaul/ ↩︎
  10. معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، “نتائج استطلاع الأمن القومي: يوليو 2026”
    https://www.inss.org.il/publication/inss-survey-july-2026/ ↩︎