ترامب عالق في مستنقع منطقة الشرق الأوسط

ترامب عالق في مستنقع منطقة الشرق الأوسط

ترامب عالق في مستنقع منطقة الشرق الأوسط

ترامب عالق في مستنقع منطقة الشرق الأوسط
Picture of توفيق المديني

توفيق المديني

كاتب وباحث تونسي

إلى حدٍّ بعيد، لا تزال المعادلة التي أوقفت الحرب في 7 نيسان/أبريل 2026 قائمةً. خرجت الولايات المتحدة وإيران منهكتين من الحرب، ولم تستعيدا عافيتهما النفسية والعسكرية.

في تقييم المحللين والخبراء العرب والغربيين – لا سيما الأمريكيين منهم – تُعَدُّ الحرب الأمريكية-الصهيونية على إيران كارثةً كبرى، حين شنَّتْ الولايات المتحدة و”إسرائيل” حربًا عدوانيةً منتهكةً القانون الدولي، وأودت بحياة ما لا يقل عن 1700 مدني إيراني، وتسبَّبتْ في أضرارٍ واسعةِ النطاقِ للبنية التحتية المدنية، وعمقتْ الاضطرابات الإقليمية، كما أسفر الرَدُّ الإيراني عن مقتل 18 جنديًا أمريكيًا وإصابة أكثر من 600 آخرين، ولا يزال الناس في أنحاء العالم يعانون من ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن إغلاق مضيق هرمز.

فضلًا عن ذلك، يئسَ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تحقيقِ نصرٍ عسكريٍ من خلال إطالةِ الحربِ، وعلى رغم امتلاك الولايات المتحدة القوة الجوية والبحرية والعقوبات والقدرة على استهداف البنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية، فإنَّ كل أداة ضغطٍ أصبحت مرتبطةً بكلفةٍ أخرى، فاستمرار الحرب يقود إلى ارتفاع خطر اضطراب أسواق الطاقة، وإبقاء مضيق هرمز مغلقًا أو مقيَّدًا ينجم عنه ارتفاع الضغط على أسعار النفط وحركة التجارة العالمية، كما يزيد الضغوط الاقتصادية على الإدارة الأمريكية مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية.

في الوقت عينه، انخفض مخزون الترسانة الأمريكية من الصواريخ الهجومية والدفاعية، بينما ستحتاج الصناعة المحلية إلى وقت طويل لملء النقص، وتعاني أمريكا أيضًا من انخفاض حجم احتياطاتها البترولية الاستراتيجية.

ويرى محللون أنَّ رسائل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التحريضية ضد حلفائه، عقب فشله في تحقيق الانتصار العسكري في الحرب التي شنها ضد إيران، تعكس حالة متزايدة من الإحباط؛ إذ لا يبدو أنَّ الرئيس ترامب يرى مخرجًا من الحرب التي بدأها بنفسه.

فبعد مرور نحو ستة أشهر على شنِّ العدوان على إيران بالتعاون مع الكيان الصهيوني، وقبل 70 يومًا من الانتخابات التي ستحدد ما إذا كان حزبه سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس، يجد ترامب نفسه عالقًا في صراع مفتوح النهاية، وهو النوع من الصراعات الذي كان قد ادعى سابقًا أنَّه سينهيه، ويواجه ترامب تحديات تشمل استنزاف مخزون الأسلحة، ونظامًا إيرانيًا مصممًا على إلحاق الضرر بالولايات المتحدة، وحكومة إسرائيلية تسعى إلى تحقيق أهدافها، وناخبين أمريكيين يعانون من وطأة ارتفاع الأسعار الناجمة عن الحرب.

ومع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر 2026، تتزايد باطرادٍ التكلفة السياسية لهذه الاضطرابات على ترامب والحزب الجمهوري.

ونظرًا لعجزه عن إجبار طهران على الاستسلام وإعلان النصر الذي كان يسعى إليه، بات ترامب يصب جام غضبه بشكل متزايد على الحلفاء، كما يبدو قلقًا من احتمال إبرام اتفاق جانبي بين إيران ودول أخرى في الخليج من شأنه أن يؤدي إلى فتح المضيق.

وقال أندرو ليبر، الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي”: “إنَّه في مأزق لا يستطيع الخروج منه”، وأضاف: “هذه مشكلة لا يمكن حلُّها بالقوة العسكرية ولا بالتهديدات الجوفاء”.

استراتيجية الخنق الاقتصادي لإيران

لقد أسقط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خيار الدبلوماسية للخروج من المستنقع الإيراني الذي وقع فيه قبل ستة أشهر، وها هو يحاول إقناع قادة العالم بالاستراتيجية الأمريكية المناهضة لإيران، من خلال إنشاء جبهة مشتركة تضم بلدان الخليج ومصر والأردن، والدول الأوروبية والكيان الصهيوني؛ لتعزيز الضغوط الدولية وفرض عقوبات قاسية على إيران.

وفي هذا السياق تعمل الولايات المتحدة على تحقيق إجماع دولي يقر بفرض عقوبات على إيران؛ بهدف ممارسة ضغوط “هي الأقسى” لدفع النظام الإيراني إلى الانهيار، بينما حذرت إيران دول المنطقة في حال شاركت في الجهود الأمريكية لعزل طهران.

ووصف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الحزمة الجديدة من العقوبات بأنها من بين “أشد العقوبات في التاريخ”، متوقعًا أن تقود إلى “انهيار النظام الإيراني”.

ولم يسقط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العودة إلى الخيار العسكري، إذا لم تؤدِ الحرب الاقتصادية غرضها في فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية والعودة إلى المفاوضات للتوصل إلى اتفاق على البرنامج النووي الإيراني، الذي كان في الأصل السبب الرئيس لشن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية.

وتستهدف الحرب الأمريكية-الإسرائيلية منع إيران من التحول إلى قوة نووية في المستقبل – بحسب وجهة النظر الأمريكية – ومن ثَمَّ أعطى الرئيس ترامب الضوء الأخضر للتحالف العسكري الأمريكي-الأطلسي-الصهيوني لتهديد إيران.

الموقف الإيراني

انتقدت وزارة الخارجية الإيرانية حزمة العقوبات الجديدة والشاملة التي فرضتها الإدارة الأمريكية على إيران، معتبرةً أنَّها تمثل امتدادًا لـ”عداء واشنطن للشعب الإيراني المستمر منذ 73 عامًا”، ووصفت العقوبات الاقتصادية والتجارية الشاملة بأنها “إرهاب اقتصادي وجريمة ضد الإنسانية”.

وقال رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف: “إن التنمية الاقتصادية والأمن يرتبطان ارتباطًا وثيقًا”، واتهم الولايات المتحدة و”إسرائيل” بشن حرب اقتصادية و”معرفية” بعدما خلصتا إلى أنهما لا تستطيعان الانتصار في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران.

ودعا قاليباف إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية بين بغداد وطهران، وتقليل الاعتماد على الدولار، مؤكدًا أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لضمان استمرار البلاد، وأن النمو الاقتصادي والإنتاج الوطني عنصران أساسيان لمواجهة العقوبات.

وربما يندرج سماح إيران بمرور عدد من ناقلات النفط العراقية من مضيق هرمز ضمن الإشارات الإيجابية الرامية إلى تفادي الانزلاق نحو منحدر لا عودة عنه، وتنسجم هذه الخطوة مع تصريح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي أكد أن “الأفضل” لإيران إنهاء الحرب وهي “في موقع القوة”.

وبخلاف مرونة بزشكيان وقاليباف، تعهد رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني محسن رضائي بإجهاض الحرب الاقتصادية الأمريكية، محذرًا من أن طهران ستعد أي دولة تشارك فيها “عدوًا لها”، ومهددًا بعدم السماح بمرور النفط من الخليج في حال استمرار المشاركة، وفي تلميح إلى أن إيران قد تعيد النظر في عقيدتها النووية، قال: إن “ترامب دفع العالم – بالعدوان على إيران – نحو التفكير في امتلاك القنبلة النووية”.

الصين عقبة رئيسة في وجه استراتيجية ترامب لخنق إيران

تتجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إعادة صياغة سياستها تجاه إيران من خلال الضغط الاقتصادي وعزل النظام عن محيطه الدولي، بعدما لم تُفضِ المواجهات العسكرية ومحاولات التفاوض إلى اتفاق شامل، لكن هذه الاستراتيجية تضع واشنطن أمام اختبار رئيس يتمثل في مدى استعدادها لمواجهة الصين، التي تُعَدُّ أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، إضافة إلى مدى واقعية الرهان على العقوبات لتحقيق أهداف تتجاوز إضعاف الاقتصاد الإيراني.

فالصين تشتري ما يصل إلى 90 بالمئة من النفط الإيراني، وهي أكبر شريك تجاري لإيران؛ إذ تستحوذ على أكثر من ربع تجارتها الخارجية، ويجعل هذا الحجم من التبادل بكين في مقدمة الدول التي قد تتأثر بأي مساعٍ أمريكية لتشديد العقوبات على المتعاملين مع إيران.

وفي هذا السياق، نشرت صحيفة “واشنطن بوست” افتتاحية رأت أن تهديدات وزير الخزانة سكوت بيسنت ضد إيران ستكون جوفاء إذا تجاهلت الصين الولايات المتحدة الصين واستمرت في التعامل مع النظام في طهران، مشيرةً إلى أن العقوبات لم تكن دائمًا الحل لتحقيق أهداف السياسة الأمريكية.

ويأتي هذا التوجه بعد ستة أشهر من القصف المتقطع على إيران، تخللته محاولات فاشلة للتفاوض على اتفاق شامل مع النظام، ومع عودة ترامب إلى استراتيجية الاحتواء الاقتصادي، تتراجع المراهنة على تحقيق اختراق عسكري، وبدلًا من ذلك قررت الإدارة الأمريكية الضغط على النظام الإيراني عن طريق عزله عن العالم.

وفي إطار هذا التوجه، أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت في 24 أغسطس/آب 2026 ما وصفه بأنَّه “هجوم اقتصادي”، مهددًا بفرض عقوبات ثانوية على الأفراد والشركات والمؤسسات المالية الأجنبية التي تواصل التعامل مع طهران، ومتعهدًا باتباع نهج “منع التسريبات”.

وتظل هذه الاستراتيجية مرتبطة بموقف الصين، التي تُعد أكبر مشترٍ للنفط الإيراني؛ الأمر الذي يتطلب مواجهة حادة معها، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان ترامب مستعدًا لتنفيذ ذلك، خصوصًا أن العقوبات الأمريكية ركزت حتى الآن على مصافي التكرير المستقلة والوسطاء.

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر مع استعداد الرئيس الصيني شي جين بينغ لزيارة واشنطن الشهر المقبل لحضور قمة، وحتى في حال نجاح الإدارة الأمريكية في فرض قيود صارمة على الصادرات الإيرانية، يتعين على ترامب أن يكون واقعيًا بشأن ما يمكن تحقيقه من خلال هذه الإجراءات، فقد عزز الصراع موقف المتشددين في الحرس الثوري الإسلامي، ويبدو من المستبعد جدًا أن يؤدي تصعيد الضغط إلى إجبار الجيش على الاستسلام.