من المعروف – يقينًا – أن القضية الفلسطينية محورية في منظومة الأمن القومي الإيراني، كما ينبغي أن تكون وأكثر في منظومة الأمن القومي العربي، وعلى رغم أن كيان الاحتلال الصهيوني قد نجح في تدجين وإخضاع أغلب الأنظمة العربية، فإن هذه القضية ما تزال حجر الزاوية وبوصلة السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية، وهذا ما يتجلى في الضغوط التي تواجهها إيران والتضحيات والأثمان الباهظة التي تقدمها في سبيل موقفها هذا، كما يتجلى في حرصها على علاقات إيجابية وقوية مع فصائل وحركات المقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة المقاومة الإسلامية حماس.
عن موضوع علاقة الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية، صدر عن مركز الجزيرة للدراسات (بالاشتراك مع الدار العربية للعلوم) كتاب «إيران وحماس… من مرج الزهور إلى طوفان الأقصى – ما لم يُروَ من القصة».
ولقد تمكنت الباحثة فاطمة الصمادي، مؤلفة الكتاب الذي جاء في 383 صفحة، من تقديم رؤية واضحة لواقع العلاقة بين الجمهورية الإسلامية وحركة حماس، وهي الصورة التي يمكن للقارئ بواسطتها استنباط صورة ما ينبغي أن تكون عليه هذه العلاقة.
وتنطلق المؤلفة في تناولها لموضوع الكتاب، من الحديث عن مكانة فلسطين في السياسة الخارجية الإيرانية من نهاية العهد القاجاري، مرورًا بالعهد البهلوي (الأول والثاني)، وصولًا إلى عهد الجمهورية الإسلامية، إطارًا نظريًا لتحديد طبيعة علاقة وموقف إيران الثورة الإسلامية من حركة حماس بوصفها أبرز فصائل وحركات المقاومة الفلسطينية وأكثرها تأثيرًا وجماهيرية.
وتشير إلى أن القضية الفلسطينية بقيت حاضرة بمستويات مختلفة في السياسة الخارجية الإيرانية منذ مراحل سابقة قبل انتصار الثورة ونشأة الجمهورية الإسلامية، وإن تأثرت كثيرًا «بمنظومة علاقات إيران الخارجية، وموقعها، والدور المرسوم لها في منظومة المصالح الغربية، فضلًا عن نفوذها الإقليمي وما حَكَم علاقاتها مع العرب».
ووفقًا للسياسي الإيراني المرموق، علي أكبر ولايتي، فإن علاقة إيران بفلسطين في العصر الحديث تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، وهي المدة التي عاشت خلالها إيران في ظل حكم استبدادي وراثي، وتخلف سياسي واقتصادي أثار الكثير من الاحتجاجات بلغت ذروتها في ثورة العام 1905 الدستورية، إلا أن الإمبريالية كانت آنذاك تبلغ أعلى مراحلها؛ إذ سرعان ما تمزقت الإمبراطورية العثمانية، لتصبح تركتها نهبًا للقوى الاستعمارية الغربية، ومن تلك التركة كان مصاب فلسطين هو الأعظم بعد أن استولت عليها بريطانيا”، لا سيما مع اشتداد عود الحركة الصهيونية في أوروبا والدعم الذي وجدته من الإمبريالية، ثم جاء وعد من لا يملك لمن لا يستحق، وعد بلفور (1917) الذي مكَّن المشروع الصهيوني من إقامة دولة على أرض فلسطين، ما زالت قائمة إلى اليوم، وإن كان طوفان الأقصى قد هز أركانها”.
في بداية تلك المرحلة ذاتها (أواخر القرن التاسع عشر) كان عدد كبير من التجار الإيرانيين قد هاجروا إلى فلسطين؛ الأمر الذي دفع الحكومة الإيرانية آنذاك إلى فتح ممثلية لها في فلسطين (1897)، وكانت فلسطين تحت سلطة الدولة العثمانية، إلى جانب رعاية المصالح الاقتصادية للتجار الإيرانيين، فقد وسعت تلك الممثلية نشاطها ليشمل تنظيم قوافل الزوار الإيرانيين إلى فلسطين، وإعداد تقارير بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية، وكذا القيام بأنشطة ثقافية.
ولقد كان للملك ناصر الدين شاه (حكم إيران خلال المدة 1848-1896، واغتيل على يد أحد تلاميذ جمال الدين الأفغاني) دور في تعزيز نفوذ اليهود الإيرانيين، وهو ما تكشفه مراسلاته مع عدد من قيادات «الأليانس» (الرابطة اليهودية العالمية) الذين تمكنوا من إقناعه بافتتاح مدارس تابعة للرابطة في عدد من المدن الإيرانية.
أما رئيس وزرائه ووزير الحرب حسين خان قزويني، فقد اتفق مع قيادات الرابطة اليهودية على افتتاح فروع للرابطة في إيران، وهو الاتفاق الذي وجد حيزًا للتنفيذ في عهد الملك مظفر الدين شاه، ثم تتالى إنشاء المنظمات اليهودية في إيران، وكان ذلك هو العامل الأول والأهم في إثارة موضوع الهجرة إلى «أرض الميعاد» (فلسطين)، في أوساط اليهود الإيرانيين؛ لتتشكل في العام 1915 لجنة أطلق عليها “لجنة مهاجري القدس والشام”، تولت رعاية المهاجرين اليهود إلى فلسطين.
ولقد جاء وعد بلفور ليشجع على إنشاء «الجمعية الصهيونية» في إيران (1919)، وأقاموا لها فروعًا في عدة مدن إيرانية.
وإذ كان الكثير من اليهود الإيرانيين قد رفضوا الانخراط في أنشطة المنظمات والجمعيات المرتبطة بالحركة الصهيونية، خصوصًا ما يتعلق بالهجرة إلى فلسطين، فإن «وثائق رسمية إيرانية تتحدث عن أيادٍ كانت تعمل – بعد صدور وعد بلفور- على خلق أجواء مضطربة وغير آمنة ضد الأقلية اليهودية في إيران، لإجبارها على الهجرة إلى فلسطين».
وفي العام 1921، زار وزير المستعمرات البريطانية – رئيس الحكومة، ونستون تشرشل، فلسطين المحتلة، وفي مدينة يافا ألقى خطابًا حماسيًا مؤيدًا لليهود، وهو ما أدى إلى اندلاع مواجهات واشتباكات بين قوات «الانتداب» البريطاني والفلسطينيين، وعلى إثر ذلك أوفدت الحكومة الإيرانية «عين الملك» (ميرزا حبيب الله خان آل رضا) بهدف تقييم الأوضاع؛ ليتسنى لها وضع سياسة إقليمية تحمي مصالح مواطنيها، وفي مراسلاته مع حكومته استخدم «عين الملك» مصطلح «الصهيونية»، أول مرة يظهر هذا المصطلح في الوثائق الرسمية الإيرانية، وقد جاء في إحدى رسائله: «أعتقد أن عدد اليهود الإيرانيين في فلسطين كبير، فقد أخذوا يهاجرون بعد الحرب من إيران إلى فلسطين فوجًا بعد آخر، والله يعلم كم بلغ عددهم اليوم، فلا توجد إحصائية دقيقة، ولا شك في أن جميع اليهود الإيرانيين ضاعوا كالقطرة في بحر الصهيونية».
وأثناء زيارة تشرشل – المشار إليها آنفًا – ترأس بمشاركة أربعين سياسيًا وإداريًا وعسكريًا بريطانيًا “مؤتمر القاهرة” (1921) الذي حدد مستقبل العرب في عدد من الدول (العراق، شرق الأردن، وفلسطين)، إلا أن المسؤولين الإيرانيين كانوا غير مهتمين، ولم تعترض حكومة ضياء الدين طباطبائي على نتائج المؤتمر.
وعلى رغم أن الأمر لم يستتب لطباطبائي كثيرًا، فقد أجبره وزير الحرب في حكومته، رضا خان، على الاستقالة ومغادرة البلاد، إلا أن المسؤولين الإيرانيين بشكل عام، في تلك المدة، “أخفقوا في رسم سياسة واضحة إزاء القضية الفلسطينية”.
وخلال النصف الأول من عشرينيات القرن الماضي، شهدت إيران “أحداثًا مفتعلة ضد اليهود لإجبارهم على الهجرة (إلى فلسطين)، وتوجيه الرأي العام العالمي لصالح الصهيونية”.
واتخذت السفارات الغربية من تلك الأحداث ذريعة للدفع أكثر نحو تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين، وتعهدت الحكومة البريطانية بتقديم ما يلزم لهذا الأمر، حتى تحولت إيران إلى محطة عبور “ترانزيت” لنقل اليهود القادمين من شتى أنحاء العالم إلى فلسطين.
الموقف الإيراني في العهد البهلوي
في العام 1925 قاد رضا خان انقلابًا على آخر ملوك العهد القاجاري، أحمد شاه قاجار؛ ليعلن نفسه “رضا شاه”، مفتتحًا العهد البهلوي، الذي عُرف أنه العهد الذهبي للنشاطات الصهيونية في إيران، خصوصًا بعد سقوط رضا شاه إبان الحرب العالمية الثانية.
كان رضا شاه أضعف من أن يصمد أمام الضغوط الداخلية والخارجية، بخصوص الموقف (الرسمي) الإيراني من القضية الفلسطينية؛ ففي آذار/ مارس 1937، أوصى وزير خارجية رضا شاه، في تقرير إلى “المكتب الإمبراطوري” بتأييد ودعم إقامة “دولة يهودية” في فلسطين، متذرعًا بقائمة تهديدات محتملة يمثلها العرب ضد إيران.
وعمومًا فإن السياسة الإيرانية في عهد رضا شاه (العهد البهلوي الأول، 1925-1941) اتسمت (في الظاهر) “بالدعوة إلى الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية بوصفها جزءًا لا يتجزأ من الأراضي الإسلامية، لكن إيران – بصفتها أحد الأعضاء النشيطين في لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة – قبلت بالحكم الذاتي لليهود على أجزاء من أرض فلسطين، في إطار خطة لإنشاء نظام فيدرالي مع العرب، إلا أنها لم توافق على التقسيم حلًا نهائيًا للقضية الفلسطينية”.
و”بخلاف رجال السياسة، كانت مواقف علماء الشيعة (في إيران) داعمة للقضية الفلسطينية بوضوح” في مختلف المراحل، وقد رأوا أن “الدولة اليهودية ستكون في المستقبل مركزًا لإلحاق ضرر كبير بمسلمي المنطقة في العالم بأسره”، وقد دعا آية الله كاشاني إلى جمع التبرعات لتزويد الفلسطينيين بالسلاح لمقاومة الاحتلال، وعكست خطاباته ومراسلاته وعيًا وإدراكًا متقدمًا لخطورة الصهيونية على المسلمين وعلى العالم أجمع.
كما أسس نَوّاب الصفوي منظمة “فدائي الإسلام”، التي تقدم 5 آلاف من أتباعها بطلب رسمي جماعي إلى الحكومة الإيرانية بالسماح لهم بـ”الذهاب إلى فلسطين لمساعدة أشقائنا الفلسطينيين”، لكن النظام البهلوي رفض السماح لهم بذلك.
أما في العهد البهلوي الثاني (1941-1979) فقد وصل الأمر بالشاه محمد رضا بهلوي إلى أن يعترف بـ”إسرائيل” (1950) بعد عامين فقط من إعلان قيامها، ونتيجة لذلك لمع نجم محمد مصدق، الذي كانت شعبيته قد تصاعدت أثناء عضويته للبرلمان (1923-1928).
ارتبط اسم مصدق بقضيتين محوريتين في السياسة الإيرانية: تأميم النفط، ومعارضة الاعتراف بـ”إسرائيل”، ومن هنا جاء الضغط الشعبي الهائل الذي أجبر الشاه على السماح بعودة مصدق من المنفى (1939) ليجري انتخابه رئيسًا للحكومة (1951)، وكان مصدق قد أمم النفط لصالح الشعب الإيراني، كما سعى إلى سحب الاعتراف بـ”إسرائيل”، إلا أن التآمر الغربي (البريطاني خصوصًا) وتعاون الشاه معهم قد أطاح بحكومة مصدق بعد عامين فقط من تشكيلها، ليستعيد الشاه سيطرته وهيمنته على كامل القرار السياسي الإيراني، وليصبح هو العسكري الأميركي في المنطقة.
القضية الفلسطينية في عهد الجمهورية الإسلامية
مثل انتصار الثورة الإيرانية وقيام الجمهورية الإسلامية أحد أبرز المنعطفات الفارقة، لا في تاريخ السياسة الإيرانية فحسب، بل في تاريخ المنطقة والعالم، فقد أخرج إيران من المعسكر الغربي؛ لتتجه نحو دعم قضايا العالم الثالث، رافعة شعار مقاومة الاستعمار ومقارعة الاستكبار.
سارعت الجمهورية الإسلامية فورًا إلى سحب وإلغاء الاعتراف بـ”إسرائيل”، بوصفها غدة سرطانية يجب استئصالها، وأغلقت سفارتها ومكاتب تمثيلها الدبلوماسي في طهران وسلمتها للفلسطينيين؛ لتفتح أول سفارة فلسطينية في العالم.
واحتلت القضية الفلسطينية مكانة أساسية في المنظومة الفكرية للثورة الإيرانية، الدينية والسياسية، بل حضرت في مادتين (152 و154) من الدستور الإيراني، وكان تحرير بيت المقدس وفلسطين هو الشغل الشاغل، الفكري والسياسي، الأهم للإمام الخميني؛ إذ رأى في الصهيونية حركة سياسية عنصرية واستعمارية جشعة تتخذ من الديانة اليهودية قناعًا يصورها منقذًا لـ”الشعب اليهودي”، مؤكدًا وجوب مقاومتها وإزالتها، وذلك يستلزم نبذ كل الخلافات، المذهبية والشعوبية والسياسية بين المسلمين، باعتبار قضية فلسطين هي قضية كل العالم الإسلامية، مشيرًا إلى أن “حُكم عدد صغير من الصهاينة على أكثر من مليار مسلم في العالم وصمة عار”.
وبمجرد انتصار الثورة الإسلامية، اتجه ياسر عرفات على متن طائرة من دمشق لزيارة طهران؛ ليلقى حفاوة استقبال لم يعهدها في بلد آخر، فقبل أن تحط طائرته على أرض إيران، انطلق سرب من طائرات “فانتوم” تابعة لسلاح الجو الإيراني لاستقباله في الجو، وهو الأمر الذي علق عليه بالقول: “اعتدنا أن نرى طائرات فانتوم تقصف مخيماتنا، هذه أول مرة تحلق لحمايتنا”.
وفي الأساس، مثلت تلك الزيارة تتويجًا لسنوات من التحالف والتعاون بين المقاومة الفلسطينية والثوار الإيرانيين، في معسكرات وساحات تدريب منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وسوريا.
قدمت الجمهورية الإسلامية الكثير من الدعم السياسي والمالي لمنظمة التحرير بوصفها تمثل قيادة المقاومة الفلسطينية، غير أن حدثين بارزين أديا إلى تراجع علاقة عرفات بالجمهورية الإسلامية، وهما: أزمة الرهائن الأميركيين في طهران، والحرب العراقية – الإيرانية.
فقد رفضت طهران وساطة عرفات لحل أزمة الرهائن، وهي الوساطة التي رأى أن نجاحها سيمنحه ومنظمة التحرير دفعة معنوية وخدمة مهمة للقضية الفلسطينية.
وبخصوص الحرب العراقية الإيرانية، فقد أعلن عرفات صراحة موقفه الداعم لنظام صدام حسين، كما ظهرت علاقته بمجاهدي خلق.
مع ذلك فإن الموقف الفلسطيني من تلك الحرب، والانشغال الإيراني بها، لم يمنعا الجمهورية الإسلامية من اتخاذ عدد من الإجراءات ضد “إسرائيل”، مثل: دعم ومساندة الحركات الحكومية وغير الحكومية في مختلف أنحاء العالم، المناهضة لـ”إسرائيل”، ودعم وتقوية حركات المقاومة الفلسطينية، وتعزيز العلاقات مع سوريا ودعمها باستمرار، والعمل على إفشال عمليات التسوية التي صبت دائمًا في مصلحة الاحتلال.
إيران وحماس… واحدية تشوبها الأيديولوجيا
وعن علاقة الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الفلسطينية، تشير مؤلفة الكتاب إلى النظريات التي استند إليها الباحثون والدارسون الإيرانيون في مقاربتهم للسياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية، مرجحة أن النظرية البنائية تبدو “مناسبة لفهم العلاقة بين إيران وحركة حماس”، و”يمكن القول: إن الإطار النظري المناسب لشرح وتحليل العلاقة بين إيران وحركة حماس له مجموعة من السمات النظرية”، من أبرزها “الاعتراف بدور الهياكل الأيديولوجية والاجتماعية في عملية صناعة السياسة الخارجية”، وأن “عقلانية السياسة الخارجية لا تنحصر في العقلانية الأداتية القائمة على تحليل التكلفة الصرفة”.
وعلى رغم التباين الفكري (الطائفي) بين الجمهورية الإسلامية وحركة حماس (وهو التباين الذي يجعل علاقتهما تختلف نسبيًا عن علاقة إيران مع حزب الله)، إلا أن وحدة الجذور أو الأسس الفكرية ووحدة الموقف من الكيان الصهيوني، والالتزام بقضية فلسطين وموقعها في العالم الإسلامي، ناهيك عن حاجة كل منهما للآخر، كل ذلك استدعى تقاربًا في الأهداف والمصالح.
ويرى وزير الخارجية الإيراني السابق، أمير عبداللهيان، أن علاقة إيران بالتيارات والفصائل الفلسطينية محكومة بأمرين أساسيين:
- ضرورة تحرير القدس الشريف، أولى القبلتين وثالث الحرمين المقدسين عند جميع المسلمين.
- المؤامرة الدولية المتمثلة في الهجوم على أراضي فلسطين، السد الدفاعي للمسلمين ضد أعداء الأمة الإسلامية.
إن “تثبيت هذه الغدة السرطانية (إسرائيل) في فلسطين يشكل خطرًا كبيرًا على جميع المسلمين، وتمثل تهديدًا للأراضي الإسلامية كافة، وستهدد بشكل جاد مكة المكرمة والمدينة المنورة”، بحسب ما تنقله المؤلفة عن عبداللهيان.
إلى جانب الثوابت المتعلقة بالقضية الفلسطينية في السياسة الإيرانية، يناقش الكتاب سلوك الحكومات المتعاقبة في إيران منذ انتصار الثورة الإسلامية، ويرصد نقاط الالتقاء والاختلاف في المواقف من القضية الفلسطينية، انطلاقًا من تحليل خطابات تلك الحكومات، وبناء عليه تقسم المؤلفة مسار السياسة الخارجية لإيران الثورة إلى عدة مراحل:
- الواقعية المتمحورة حول الحفاظ على المكتسبات (1979-1981): مثلت هذه المرحلة حكومة مهدي بازرجان المؤقتة، التي ركزت على الحفاظ على الثورة ووحدة البلد، وهنا برز موقفان مختلفان بشأن السياسة الخارجية، ذهب أنصار الموقف الأول إلى أن تثبيت وحماية النظام الإسلامي وحفظ وحدة إيران يقتضي تعزيز العلاقات مع الغرب، لا سيما الولايات المتحدة، أما أصحاب الموقف الثاني – الذي مثلته قيادات الثورة وعلى رأسهم الإمام الخميني – فقالوا بضرورة تكريس السيادة والاستقلال عن أي قوى خارجية، وأن تكون ثورة إسلامية يعني أن تضع المصالح الإسلامية في قائمة أولوياتها.
- المثالية المتمحورة حول التوسع (1981-1991): كان عنوان هذه المرحلة هو التركيز على التواصل مع الشعوب والمجتمعات بدلًا من التواصل مع الأنظمة والحكومات، وإقامة وتعزيز العلاقات مع حركات التحرر، وقد أنشأ الحرس الثوري لهذا الغرض وحدة سميت “وحدة المستضعفين وحركات التحرر”، وهي الوحدة التي كانت نواة لفيلق القدس بعد ذلك، وكان عدد من الثوار قد نسجوا علاقات واسعة مع حركات التحرر في المنطقة والقرن الإفريقي وأميركا اللاتينية وحتى مع الحزب الشيوعي الإسباني.
كما كان من أبرز سمات هذه المرحلة:
- رسم الحدود الأيديولوجية وتجاهل الحدود الجغرافية.
- دعم حركات التحرر والدفاع عن مستضعفي العالم.
- إدراك مختلف للمصالح الوطنية يقوم على ترجيح المصالح الأممية الإسلامية.
- التنموية المتمحورة حول الاقتصاد (1991-1998): جاءت هذه المرحلة نتاجًا لعدد من العوامل، مثل الدمار والإنهاك الذي خلفته الحرب مع العراق، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وتعديل الدستور وانتخاب هاشمي رفسنجاني رئيسًا للجمهورية، الذي سعى إلى تطبيع العلاقات مع الفاعلين الإقليميين والدوليين، وحاول جذب الاستثمارات لدعم الاقتصاد الوطني، مبررًا ذلك بالقول: “ثوابتنا محترمة، ولكن من الممكن أن تكون يدنا مقيدة في بعض الحالات، ونكون مضطرين إلى أن نغض الطرف عن بعض الثوابت”.
وكان من أبرز ملامح هذه المرحلة خفوت سياسة نصرة مستضعفي العالم، ومحاولة إعادة إدماج إيران في النظام الاقتصادي العالمي، وقبول اشتراطات صندوق النقد الدولي، والاستعاضة عن الإدراك الأيديولوجي للسياسة بالإدراك الجيوسياسي.
- التنموية المتمحورة حول السياسة (1998-2005): جاءت هذه المرحلة ردَّ فعل على سياسة رفسنجاني، ومثلها محمد خاتمي، وفيها حلت التنمية السياسية محل التنمية الاقتصادية، وأصبحت الدعوة إلى حوار الحضارات والحد من التوترات ونبذ العنف عنوانًا للسياسة الخارجية.
واستمر هذا النهج حتى ما بعد الغزو الأميركي للعراق، ففي “مؤتمر القمة الإسلامية، الذي عقد في طهران لأول مرة، في ديسمبر 1997، أكدت الفقرة 28 من البيان الختامي: دعم المؤتمر الكامل لعملية السلام في الشرق الأوسط، وتمسكه بأسس ومرجعية عملية السلام…، وطالب إسرائيل بتنفيذ التزاماتها والاتفاقات التي جرى التوصل إليها بموجب هذه العملية وفق الأسس التي انطلق على أساسها مؤتمر مدريد”.
أثار هذا البيان “الكثير من النقد في إيران، واتهمت حكومة خاتمي بالسعي إلى الاعتراف بإسرائيل…”.
- المثالية الأصولية (2005-2013): كانت رئاسة محمود أحمدي نجاد نتاجًا للضغوط التي واجهت إيران من الداخل والخارج بشأن الملف النووي، ولذلك فقد انتهج نجاد نهجًا سياسيًا مغايرًا، رافضًا ما كان من “ممالأة خاتمي للغرب”، ولقد عاد الموقف من “إسرائيل”، ودعم القضية الفلسطينية، مجددًا إلى واجهة السياسة الخارجية، بل ارتفع علنًا مرة أخرى شعار “محو إسرائيل من خارطة العالم”.
وحتى حركة حماس نفسها تصف هذه المرحلة بأنها المدة الذهبية لعلاقاتها مع إيران.
- أولوية التنمية وإعادة خطاب رفسنجاني: كان حسن روحاني قد شغل منصب رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لرئاسة الجمهورية مدة رئاسة رفسنجاني، وشكلت مخرجات المركز آنذاك مصدرًا للبرنامج الانتخابي لحسن روحاني في انتخابات الرئاسة (2013)، وبعد فوزه في الانتخابات قال: “الإيرانيون اليوم اختاروا الاعتدال والوسطية في السياسة الخارجية، وهو ما يعني التعامل البناء مع دول العالم”.
أصبحت التنمية مجددًا عنوانًا لأطروحات أنصار الاعتدال، وهو ما عنى السعي للتخلص من البعد الصدامي في العلاقة مع الغرب، وتعديل السلوك إزاء العقوبات الدولية، وظهر التحفظ واضحًا بشأن القضية الفلسطينية، وإن أظهر روحاني التزامًا بالخط الثوري في تصريحاته خلال المناسبة المتعلقة بفلسطين، لكنه قطع الدعم الذي كانت تتلقاه المقاومة الفلسطينية في مدة أحمدي نجاد.
- الاتجاه نحو الشرق: مثّل التوجه نحو الشرق أبرز أولويات الرئيس إبراهيم رئيسي الذي تولى الرئاسة في 2021، وعلى رغم أن هذا التوجه كان أيضًا أحد عناوين مدة أحمدي نجاد، إلا أنه احتل مكانة أبرز في عهد رئيسي، الذي زاد إليه أيضًا “أولوية الجوار”، وتجلى ذلك في رسائله الإيجابية تجاه السعودية، وإن لم يخف التزامه بدعم محور المقاومة على الدوام، والدعوة إلى إنهاء حالة الصبر الاستراتيجي في التعامل مع هجمات وجرائم “إسرائيل” المتكررة ضد أهداف إيرانية في الداخل والخارج.
وعقب رحيله المباغت (مع وزير الخارجية أمير عبداللهيان وآخرين، بتحطم مروحية كانت تقلهم) في 19/ 5/ 2024، اختير رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، الذي رأس وفد الحركة إلى طهران، ليلقي كلمة في تشييعهم، في رسالة بليغة وذات دلالة بشأن الموقف الإيراني من القضية الفلسطينية وحركة حماس؛ ذلك أن هنية كان مطلوبًا للمحكمة الجنائية الدولية، مع نتنياهو ووزير حربه غالانت.
لقد حظي هنية بحفاوة بالغة في طهران، والتقاه المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، الذي أكد ثقته بنصر غزة، وأن الرئيس الإيراني المؤقت سيسير على نهج الراحل رئيسي تجاه فلسطين، وأن “الوعد الإلهي بزوال الكيان الصهيوني سوف يتحقق، وستقام دولة فلسطين من البحر إلى النهر”.
وفي تموز 2024 فاز مسعود بزشكيان في الانتخابات الرئاسية، فهنأه المرشد الأعلى ودعاه إلى السير في طريق الراحل رئيسي، في واقعة هي الأولى من نوعها في تاريخ الجمهورية الإسلامية؛ إذ لم يسبق للمرشد الأعلى أن وجه دعوة كهذه لأحد من الرؤساء السابقين.
وفي حفل تنصيبه، تحدث بزشكيان حديثًا مركزًا وواضحًا عن القضية الفلسطينية، منتقدًا السكوت على سلوكيات وجرائم “إسرائيل”؛ ليأتي الرد “الإسرائيلي” سريعًا، باغتيال إسماعيل هنية في طهران. نعاه بزشكيان، وأكد أن إيران “ستجعل الإرهابيين يندمون على عملهم الجبان”.
عمومًا، فإن التباين في الخطاب السياسي الإيراني بشأن فلسطين ليس إلا تباينًا نسبيًا لا يفرط بالثوابت، ففي عهد خاتمي مثلًا جرى استقبال الشيخ أحمد ياسين في طهران، والتقاه المرشد الأعلى ورئيس الجمهورية وكبار المسؤولين الإيرانيين.
وعلى رغم هذا التباين النسبي في الخطاب السياسي الإيراني، فإن موقف القيادة الإيرانية العليا، ممثلة بالمرشد الأعلى، كان حاسمًا في جعل القضية الفلسطينية في صلب أولويات الاستراتيجية لإيران.
وعلى المستوى العملي أيضًا فإن علاقات التعاون بين إيران والمقاومة الفلسطينية تعود إلى ما قبل انتصار وتأسيس الجمهورية الإسلامية والحرس الثوري، ولكن بالطبع كانت تلك العلاقة في المستوى غير الرسمي من الجانب الإيراني؛ فقد أقامت عدد من الشخصيات الثورية الإيرانية، أمثال محمد علي منتظري وجلال الدين الفارسي ومصطفى شمران، علاقات متينة مع المجموعات القتالية الفلسطينية في لبنان؛ لتتولى هذه المجموعات تدريب مجموعات إيرانية تشكل منها بعد ذلك الحرس الثوري، وهو ما أثار قلق الشاه؛ ليقول عنه في مقابلة مع مجلة “الحوادث” اللبنانية: ” إن بعض مجموعات المقاوم (الفلسطينية) دربت مخربين إيرانيين على اقتحام أراضينا وقتل الناس وتفجير منشآت مختلفة”.
وكان الإمام الخميني قد تلقى رسالة من “أبو جهاد” عبَّر فيها عن تضامن حركة فتح مع نضال الشعب الإيراني، وعرض فيها وضع إمكانات الحركة تحت تصرف معارضي الشاه، وقد رد الخميني بتعيين ممثل عنه لدى حركة فتح.
ونتاجًا لنسيج العلاقات التي أقامتها المجموعة الثورية التي قادت الثورة وأسست الجمهورية الإسلامية والحرس الثوري، أنشأ الحرس الثوري وحدة سميت “وحدة المستضعفين وحركات التحرر”، التي جرى حلها بعد ذلك، ومن نواتها تشكل فيلق القدس صياغة جديدة للوحدة، وردَّ فعل على الوجود العسكري الأميركي في المنطقة منذ حرب الخليج الثانية (1990).
وإذا كانت المؤلفة قد استفاضت في عرض ومناقشة الموقف الإيراني من القضية الفلسطينية وفصائل المقاومة، ومن بينها حماس، فإنها تعرض وتناقش أيضًا موقف حماس ورؤيتها لطبيعة العلاقة مع إيران.
وبهذا الشأن تشير المؤلفة إلى الظرف الذي تأسست فيه حركة حماس، والتحديات التي واجهتها وكذا التي خلقتها، ففي العامين الأولين من عمرها (1988-1989) لم تصدر عن الحركة أي مبادرة لإقامة علاقات مع الخارج، لأسباب متعددة، منها تزامن ميلاد الحركة مع الانتفاضة، وتراجع الاهتمام العربي بالقضية الفلسطينية، وانشغال الحركة بتثبيت أقدامها في الداخل الفلسطيني.
أما بواكير علاقات حماس مع الخارج فجاءت في أواخر 1989، وبدأت باتصالات مع الأقرب جغرافيًا والأيسر اتصالًا.
وعلى رغم ما أبدته الحركة من انفتاح على الجميع، إلا أن الأسس الثابتة التي اتخذتها لسياستها وعلاقاتها قد ضيقت عليها نطاقها الاستراتيجي.
ومع الغزو العراقي للكويت شاركت حماس في الوساطة لإنهاء الغزو بتسوية عربية، ما حسّن علاقات الحركة عربيًا، وخصوصًا مع دول الخليج العربية.
وفي العام 1992، قامت “إسرائيل” بإبعاد 415 قياديًا فلسطينيا محسوبين على حركتي حماس والجهاد، إلى “مرج الزهور” في جنوب لبنان، وهو ما فتح أمام الحركة مزيدًا من الآفاق لعلاقات خارجية، وعلى رأسها العلاقات مع الجمهورية الإسلامية، وقد كان لحزب الله اللبناني دور مهم ومؤثر في بناء الثقة بين الطرفين.
وعلى رغم الإجماع العربي والدولي الذي حظي به مؤتمر أوسلو ونتائجه، الذي رفضته حركة حماس، فإن ذلك لم يؤدّ إلى قطيعة مع الدول العربية، لكن التعامل مع الحركة شهد برودًا واضحًا من أكثرية البلدان العربية، بل جاء مؤتمر شرم الشيخ (1996) ليستهدف المقاومة الفلسطينية بوضوح، وهو ما أدى إلى اتساع وتطوير علاقات فصائل المقاومة الفلسطينية مع الجمهورية الإسلامية.
وفي العام 2003، نجحت الضغوط الأمريكية في إدراج حركة حماس ضمن قائمة المنظمات “الإرهابية”، وفي العام 2006، فوجئ الجميع بفوز حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، وهو ما أغضب وأزعج الكثيرين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، التي سعت جاهدة لعرقلة حماس عن تشكيل الحكومة ومحاصرتها والتضييق على التعامل معها…، وبلغ الأمر أن شنت “إسرائيل” عدوانًا شرسًا على غزة؛ بهدف فرض أمر واقع مختلف القطاع بمواصفات “إسرائيلية”.
لكن فشل العدوان الصهيوني في تحقيق أهدافه، وصمود الحركة، عزز مكانتها الإقليمية والدولية، ناهيك عن مكانتها الشعبية والجماهيرية عالميًا.
وعلى رغم أن القضية الفلسطينية كانت غائبة عن شعارات وهتافات جماعات وجماهير “الربيع العربي”، إلا أن حركة حماس رأت في ذلك “خسارة مؤقتة قصيرة الأجل”، معتبرة أن تلك الأحداث ستصب غالبًا في مصلحة نضال الشعب الفلسطيني.
وحين امتدت الأحداث إلى سوريا، لم تدرك حركة حماس عدم صوابية رؤيتها إلا متأخرة كثيرًا؛ إذ إن سوريا في البداية وفق الرؤية الحمساوية لم تكن استثناء.
كانت علاقات الحركة مع إيران قد شهدت قبل ذلك منعطفات متباينة، صعودًا وهبوطًا، وفقًا لطبيعة الأحداث والمواقف منها، فعلى رغم أن حماس امتنعت في البداية عن القبول بأي تواصل رسمي مع الجمهورية الإسلامية، ورفضت مبادرات ودعوات إيرانية متعددة بهذا الخصوص، إلا أن تعاون الإيرانيين مع الشهيد فتحي الشقاقي، عقب صدور كتابه “الخميني … الحل الإسلامي والبديل” (1979) كان -وفقًا للمؤلفة- بمقام المفتاح إلى ذلك، وفي العام 1985، اجتمع أمين عام مؤتمر دعم الانتفاضة، مجتبى أبطحي، في العاصمة القبرصية، مع وفد من الحركة الإسلامية الفلسطينية التي تولَّد حركة حماس من رحمها بعد عامين فقط، وفي 1990 قررت حماس الموافقة، على أن تحدد هي موعد اللقاء ومكانه، الذي جرى بالفعل في العام نفسه في الشارقة بالإمارات.
ركز اللقاء على الإطار الاستراتيجي للعلاقة المأمولة بين الطرفين، الذي لم تظهر تباينات حوله تستحق الذكر، إلا ما كان من رفض حماس عرضًا بمساعدة مالية.
غير أن مؤتمر مدريد – وأحداثًا أخرى – أسهم في تعزيز علاقات الطرفين، وفي العام 1991وجهت طهران دعوة لمختلف فصائل المقاومة الفلسطينية إلى مؤتمر دعم الانتفاضة، ومثَّل ذلك نقلة نوعية في العلاقات مع حماس؛ فقد التقى وفد الحركة إلى المؤتمر القيادات العليا ومؤسسات صنع القرار في إيران.
حينها عبَّر وفد حماس عن مطلب أساسي: إقامة علاقات رسمية، وفتح مكتب للحركة في طهران، وهو ما حدث فعلا في شباط/ فبراير 1992.
“غلب الطابع السياسي على العلاقة بين الطرفين في بداية الأمر، ثم بدأت الحركة تطلب الدعم المادي، وتلح في الطلب”، إلا أن الجمهورية الإسلامية كانت تعاني ظروف ما بعد الحرب مع العراق، واقتصر الأمر آنذاك على “تحمل نفقات مكتب حماس في طهران، ومساعدات مالية محدودة”.
لكن مع انتقال ملف العلاقات مع حماس إلى يد الحرس الثوري الإيراني، تغير الحال بالتدريج، ولم يعد مقتصرًا على احتضان إيران لأفواج المتدربين الفلسطينيين ومدهم بالأسلحة البسيطة، بل انعكس الأمر في التطور النوعي الملحوظ الذي شهدته العمليات العسكرية لحماس بدءًا من العام 1994، كما أشارت تقارير استخباراتية “إسرائيلية” إلى دعم مالي كبير تلقته حركتا حماس والجهاد من إيران، وكفالتها مئة ألف أسرة من أسر الشهداء والمعتقلين الفلسطينيين…
وما إن حظيت العلاقة بين حماس وإيران بإجماع سياسي وعسكري وأمني وتكنوقراطي حمساوي على كونها علاقة وثيقة وتخدم مشروع المقاومة على طريق التحرير، إلا أن الملف السوري في أحداث “الربيع العربي” جاء ليمثل العقدة التي هددت العلاقة، “لولا قرار استراتيجي من الطرفين بأن تبقى خطوط التواصل قائمة على رغم كل شيء”.
فموقف حماس بشأن الأزمة السورية لم يرتق إلى مستوى التمييز بين الفرص والمآزق؛ فقد أظهرت الحركة بوضوح تأييدها للجماعات المسلحة في سوريا، بل أصدرت بيانًا دعت فيه حزب الله إلى سحب مقاتليه من سوريا، عقب معركة القصير، التي شاركت فيها حماس بمقاتلين في صفوف “المعارضة” المسلحة، بل بلغ الأمر أن غادرت حماس العاصمة دمشق، وتجاهلت الدعوات الإيرانية، ودعوات حزب الله وأمينه العام سماحة السيد حسن نصر الله، إلى الحفاظ على علاقاتها مع محور المقاومة، لم تراجع حماس موقفها هذا إلا متأخرة، وبعدما وجدت نفسها تعاني نتائجه الكارثية عليها وعلى القضية الفلسطينية عمومًا، ولقد انعكس ذلك في 2017 حين جرى انتخاب مجلس شورى جديد للحركة تقدم فيه أنصار التحالف مع إيران ومحور المقاومة، برئاسة إسماعيل هنية ونائبه الشيخ صالح العاروري.
على رغم ذلك، تسامح الجميع (سوريا وإيران وحزب الله) مع حماس، واستجابوا لها حين طلبت العودة إلى دمشق، متذرعة بأن قرار المغادرة لم يكن قرار الحركة كلها، بل قرار مكتب دمشق، إلا أن العلاقة لم تعد إلى ما كانت قد وصلت إليه، وهو ما تجلى في الانفصام الذي بدا واضحًا بين “حماس الخارج” بقيادة خالد مشعل وموسى أبو مرزوق، و”حماس الداخل” بقيادة يحيى السنوار ومحمد الضيف (كتائب القسام في الأغلب)، ولقد ظهر ذلك في الخطاب الإعلامي والسلوك السياسي لمحور المقاومة، فقد رفضت طهران استقبال خالد مشعل، وكذلك رفض حزب الله لقاءه، ناهيك عما أظهره الإعلام الإيراني بشأن موقف القيادي الحمساوي.
لقد كان للخذلان العربي للمقاومة الفلسطينية عمومًا أثره في لجوء حماس لتعزيز علاقاتها مع إيران ومحور المقاومة، وإن عارض ذلك قطاع كبير من الجناح السياسي لحركة حماس، أما كتائب القسام، الأكثر قربًا من الصراع والاقتتال والتضحيات، فقد أدركت أن المساعي لدى الأنظمة العربية لن تفضي إلا إلى مزيد من التنازلات والتخلي عن الدم الفلسطيني وأرضه وقضيته.
أخيرًا جاءت عملية “طوفان الأقصى” لتكشف الكثير، من هشاشة كيان الاحتلال، وزيف أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”، وكذبة “الأمن القومي العربي”، إلى واقعية أن “إيران لا تصطاد السمك لأصدقائها، بل تعلمهم الصيد”، وصبر وتضحية أنصار الله في اليمن وحزب الله في لبنان.