ترجمة خاصة (بتصرف) │ زينب عبدالوهاب الشهاري
تحت هذا العنوان كتب الباحث ديفيد روش – خبير استراتيجي ومؤسس شركة “كوانتوم استراتيجي” المتخصصة في التحليل المالي والجيوسياسي والاقتصادي، شغل سابقا منصب رئيس الأبحاث والخبير الاستراتيجي في بنك “مورغان ستانلي”، ومنصب الرئيس والخبير الاستراتيجي لشركة “إندبندنت استراتيجي” – مقالًا تحليليًا نشره معهد الخدمات المتحدة الملكي للدراسات الأمنية والدفاعية ببريطانيا (RUSI)، تناول فيه التداعيات الاقتصادية والاستراتيجية للحرب في الخليج، وكيف كشفت الأزمة عن هشاشة سلاسل الإمداد العالمية واعتماد الاقتصادات الكبرى على ممرات الطاقة الحساسة مثل مضيق هرمز.
ويشير الكاتب إلى أن الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى أزمة عالمية عطّلت تدفق النفط والغاز والمواد الحيوية، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتهديد قطاعات الصناعة والنقل والطاقة في دول عديدة. كما ينتقد تجاهل القوى الكبرى للدروس التي كشفتها جائحة كورونا بشأن أمن سلاسل التوريد، معتبرًا أن العالم ما يزال يعتمد على نموذج اقتصادي هشّ قائم على “الإمداد في الوقت المناسب” دون بناء بدائل استراتيجية حقيقية.
تمهيد تحليلي
إن المشهد الراهن لتعطل إمدادات الطاقة العالمية لا يقدم مجرد أزمة عابرة، بل يضعنا أمام دروس قاسية حول “الهشاشة البنيوية” للاقتصادات الحديثة. لن يقف التاريخ موقف المحايد تجاه هذه الحرب؛ فقد صاغتها يد التخبط وسوء التقدير الاستراتيجي، وستظل تداعياتها محفورة في ذاكرة الاقتصاد السياسي كنموذج للإخفاق في مواءمة الأدوات العسكرية مع الأهداف السياسية الكبرى.
لقد وقع صُناع القرار في فخ “التقدير الخاطئ” لمرونة النظام الإيراني وأهدافه التوسعية، مع غياب تام للخطط الاستباقية لمواجهة التهديدات التي طالت دول الخليج. إن ما نشهده اليوم هو “قصور في المخيلة الاستراتيجية” عجز عن توقع تحويل الممرات المائية (الخليج والبحر الأحمر) إلى سلاح استراتيجي يعادل في تأثيره “الخيار النووي”.
سلاسل التوريد: السلاح غير التقليدي في الحروب الحديثة
بعيداً عن الجدل السياسي، يبرز إخفاق مؤسسي يتجاوز الإدارات المتعاقبة، يتمثل في تعمق “الانكشاف الاستراتيجي” للاقتصاد العالمي أمام اضطرابات سلاسل التوريد. إن الحرب في جوهرها ليست إلا “تعطيلاً قسرياً” لتدفقات الاقتصاد، وهي تشترك مع الأوبئة في سمات التدمير، لكنها تتفوق عليها في سرعة وشمولية الأثر.
لقد بدأت الأزمات تتكشف بشكل متزامن وغير مسبوق؛ من أزمة وقود في أستراليا، إلى إعلان حالة الطوارئ في الفلبين، وصولاً إلى استنزاف الاحتياطيات الاستراتيجية في اليابان والولايات المتحدة. إننا أمام موجتين متلاحقتين: الأولى تستهدف “الطلب” عبر التضخم، والثانية تقوض “العرض” عبر الإيقاف التام، مما يخلق حالة من “التحطم الاقتصادي” المتتابع.
قطر وكوريا الجنوبية: “الهيليوم” كنموذج للتبعية الاستراتيجية
تتجلى خطورة الاعتماد المفرط في قطاع التكنولوجيا المتقدمة؛ حيث تستحوذ قطر على نحو 30% من الإمدادات العالمية لغاز “الهيليوم”. وتعتمد كوريا الجنوبية على الخليج لتأمين ثلثي احتياجاتها من هذه المادة الحيوية لصناعة أشباه الموصلات والألياف الضوئية. إن تحول مصدر جيوسياسي متوتر إلى شريان حياة لصناعة تكنولوجية عالمية يمثل “نقطة ضعف استراتيجية” تم التغافل عنها طويلاً.
مؤشر الضغط الاستراتيجي: فجوة الواقع والتقدير
في محاولة لفك شفرة هذه الأزمة، يظهر تباين صارخ بين المؤشرات التقليدية والواقع المعاش؛ فبينما يشير مؤشر ضغط سلسلة التوريد العالمية (GSCPI) التابع للاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى مستويات طبيعية نسبياً، تكشف البيانات القطاعية عن أزمة حقيقية.
على سبيل المثال، استمرت أوروبا في زيادة استهلاكها من الكيروسين بنسبة 16% خلال العقد الماضي، مع ثبات قدرتها التكريرية، مما جعلها تعتمد بنسبة 27% على الواردات، ومعظمها من منطقة الخليج. هذا “العجز البنيوي” يضع القارة العجوز أمام مأزق حتمي بمجرد نفاذ المخزونات المتاحة.
منهجية قياس “الانكشاف الطاقي”
لتحليل شمولية هذا القصور، تم وضع أربعة معايير لقياس “الضعف الاستراتيجي” لـ 15 دولة رئيسية:
- القدرة التكريرية الذاتية: مدى الاعتماد على المنتجات النفطية المكررة المستوردة.
- تأمين وقود الشحن البحري: الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك المحلي لوقود السفن.
- الاستقلالية في وقود الطيران: نسبة الكيروسين المستورد إلى إجمالي الاستهلاك.
- أمن الطاقة الكهربائية: مدى الاعتماد على غاز ونفط الخليج في توليد الكهرباء.
النتائج الصادمة: كشف التحليل أن 11 دولة من أصل 13 تفاقم وضعها الاستراتيجي بنسبة زيادة في مؤشر الضعف بلغت 17% خلال عقد واحد، بينما كانت الصين والولايات المتحدة هما الاستثناء الوحيد في تقليل مستويات الانكشاف.
ديناميكيات الاضطراب: من السعر إلى الانقطاع
يمر اضطراب الإمدادات بمرحلتين حرجتين:
- المرحلة الأولى (التوقع): ارتفاع الأسعار نتيجة التخوف من الندرة، مع بقاء المنتج متاحاً عبر المخزونات.
- المرحلة الثانية (الاختناق): الاختفاء التام للمنتج من الأسواق، وهو ما يؤدي إلى توقف سلاسل الإنتاج المرتبطة به. نحن الآن على أعتاب هذه المرحلة مع انقطاع وصول الناقلات التي تستغرق 40 يوماً لقطع المسافة من الخليج إلى الموانئ العالمية.
الخلاصة والاعتبارات الاستراتيجية
إن “عصر التوريد الفوري” (Just-in-Time) قد انتهى لصالح مفهوم “الأمن الاقتصادي الاستراتيجي”. لم تعد جائحة كورونا مجرد ذكرى، بل كانت إنذاراً لم يتم استيعابه. وبناءً عليه، نضع أمام صناع القرار الاعتبارات التالية:
- تسليح الاقتصاد: ستظل الأدوات الاقتصادية وسيلة للضغط الجيوسياسي ما لم يتم تأمين سلاسل التوريد.
- نقاط الاختناق الملاحية: نجاح تجربة “تعطيل الخليج” قد يغري قوى أخرى لتكرار السيناريو في مضيق ملقا أو تايوان.
- الاستغلال السياسي: الاضطرابات الاقتصادية هي البيئة الخصبة للتيارات الشعبوية وحملات التضليل الممنهجة.
- التبعية السيادية: الدول التي تفشل في حماية استقلاليتها الاستراتيجية ستجد نفسها مضطرة للاحتماء بقوى دولية ذات أجندات توسعية.
إن الحقيقة المرة التي تفرضها أزمة الخليج الراهنة هي أن الأنظمة الديمقراطية واقتصادات السوق الحر تواجه اختباراً وجودياً أمام “سردية التفوق” التي تروج لها القوى المناهضة، مما يتطلب إعادة صياغة شاملة لمفهوم السيادة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين.
رابط المقال الأصلي:
https://my.rusi.org/resource/the-gulf-war-hidden-vulnerabilities-and-strategic-failures.html