بين التماسك والتباين: دراسة مقارنة بين الحالة الإيرانية وبعض البيئات العربية في مواجهة العدوان الخارجي

بين التماسك والتباين: دراسة مقارنة بين الحالة الإيرانية وبعض البيئات العربية في مواجهة العدوان الخارجي

Picture of ياسر المهلل

ياسر المهلل

باحث في العلاقات الدولية

دراسة حالة

مقدمــة

تشكل الحروب ذات طابع الاعتداء الخارجي اختبارًا حاسمًا لطبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة؛ إذ لا تنحصر آثارها في ميدان المواجهة العسكرية بقدر ما تمتد لتطال البنى العميقة للهوية الوطنية، وتعيد تشكيل أنماط الوعي الجمعي، وتكشف عن حدود التماسك الداخلي في مواجهة الأخطار الوجودية.

ففي لحظات التهديد الخارجي، تميل المجتمعات – نظريًا – إلى إعادة ترتيب أولوياتها؛ لكي تتقدم اعتبارات البقاء والسيادة على ما عداها من خلافات سياسية أو اجتماعية، غير أن هذا النمط لا يتحقق بالضرورة في جميع السياقات، بل يخضع لجملة معقدة من المحددات المرتبطة ببنية الدولة، وطبيعة النظام السياسي، ومستوى الاندماج الوطني، وتاريخ التدخلات الخارجية التي تشكل موجهات قطاعات واسعة من رؤى الأطراف المنخرطة في دوائر الوصاية والارتهان للقوى الخارجية.

مع مجريات الهجمة الأمريكية “الإسرائيلية” الأخيرة ضد إيران وبعض دول المنطقة، تبرز مفارقة لافتة بين الحالة في الجمهورية الإسلامية في إيران؛ إذ يميل جزء كبير وواسع من المجتمع إلى التماسك والاصطفاف مع دولته في مواجهة التهديد الخارجي، على رغم وجود بعض التباينات الداخلية، وبين بعض مكونات البيئة العربية، لا سيما في لبنان واليمن – وهما الدولتان اللتان تشهدان مستويات متعددة من السياسات العدائية والأطماع الخارجية – إذ تتخذ فيها بعض الأطراف وإن كانت  أقل حضورًا على المستوى الشعبي مواقف تتقاطع مع طبيعة العدوان الخارجي على بلادها، وتنظر إليها بوصفها أداة تلبي غاياتها السياسية على المستوى الداخلي، وتتجاوز حقيقة كونها اعتداء على السيادة الوطنية، وتنسجم مع آلة الحرب التي تستهدف شعوبها ومقدراتها.

ومن هنا، تطرح هذه المفارقة جملة من التساؤلات التي تتجاوز التفسير غير المنطقي للمواقف، لتلامس جوهر العلاقة بين المجتمع والدولة: ما الذي يدفع مجتمعًا ما إلى الالتفاف حول دولته في لحظة الخطر، على رغم وجود خلافات معها، بينما تندفع بعض جماعات أخرى إلى التماهي التام مع الضغوط الخارجية؟ بل والمشاركة المباشرة مع العدوان الخارجي على بلدها، وهل يرتبط ذلك بدرجة تجذر الهوية الوطنية، أم بطبيعة الأنظمة السياسية، أم بمدى حضور سردية جامعة تُعرّف “العدو” والمصلحة الوطنية” بشكل واضح؟ كما يثير هذا التباين سؤالا أكثر عمقًا حول مفهوم السيادة ذاته: هل لا يزال يمثل قيمة جامعة فوق الخلافات، أم أنه أصبح مفهومًا خاضعًا لإعادة التأويل وفقًا لمصالح بعض الفاعلين المحليين ومشغليهم الخارجيين؟!

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي تبني مقاربة تحليلية دقيقة تكشف عن مدى ارتباط الفاعلين الداخليين بهويتهم الوطنية الجامعة، وتُبرز في الوقت ذاته أثر الوصاية أو التأثيرات الخارجية في تشكيل مواقف قد تنحاز إلى حسابات خارجية على حساب المصالح الوطنية، وكيف يمكن لها أن تدفع بعض الفواعل الداخلية إلى تبني مواقف تتقاطع – بدرجات متفاوتة قد تصل إلى حد التماهي الكامل- مع أجندات وسياسات عدائية لا تنسجم مع مقتضيات السيادة الوطنية وخيارات الشعوب وإراداتها.

الحالة الإيرانية: تفاعلات التماسك المجتمعي في مواجهة التهديد الخارجي

تُظهر الحالة المتميزة في الجمهورية الإسلامية في إيران نموذجًا واضحًا لتداخل العوامل الدينية والقومية والوطنية في إنتاج حالة من التماسك المجتمعي في مواجهة التهديدات الخارجية؛ إذ لا يمكن فهم هذا الاصطفاف بمعزل عن الهوية الجامعة التي تشكل وعي المجتمع، وتحدد أنماط استجابته للأزمات الكبرى، فهذه العوامل -بما تحمله من حمولة تاريخية ومعنوية- تسهم في إعادة تعريف الصراع بوصفه قضية وجودية تتجاوز الخلافات السياسية اليومية، وتستدعي أنماطًا من التضامن تتأسس على الانتماء الجمعي العميق.

حيث تؤدي المرجعيات العقائدية دورًا مركزيًا في تأطير الموقف من التهديد الخارجي؛ إذ يعاد تفسير الصراع ضمن منظومة مفاهيم ترتبط بالدفاع والصمود، ورفض الخضوع لمنظومة الظلم والطغيان من منطلقات ثورية تأسس عليها النظام الإسلامي في إيران منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 التي رسخت هذا البعد بشكل كبير، فلا يُنظر على مستوى قطاع واسع من المجتمع الإيراني إلى مواجهة التهديدات الخارجية بوصفها مجرد صراع جيوسياسي، بل جزءًا من معادلة أوسع ترتبط بحماية الاستقلال ورفض الإخضاع، وهو ما يمنحها بعدًا تعبويًا يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.

وعلى المستوى القومي، فإن التاريخ الإيراني الطويل بما يحمله من إرث حضاري ممتد، يسهم في تعزيز الشعور بالتمايز والاستقلال، ويغذي نزعة مقاومة الضغوط الخارجية، فالإحساس بالانتماء إلى كيان تاريخي متماسك يعزز من قابلية المجتمع للالتفاف حول دولته في مواجهة التهديدات بأشكالها المختلفة، باعتبار أن ما هو مستهدف ليس فقط النظام السياسي، بل موقع الدولة ومكانتها واستمراريتها، وقد تعزز هذا البعد خلال الحرب العراقية الإيرانية، التي شكلت محطة مفصلية في ترسيخ الوعي الجمعي المرتبط بالدفاع عن الوطن، وأنتجت سرديات جماعية حول الصمود والتضحية لا تزال حاضرة في الذاكرة الوطنية حتى اليوم، وكان لها الأثر الكبير في ترسيخ عوامل الصمود الإيراني في مواجهة الهجمة العسكرية الأمريكية الصهيونية الأخيرة.

ويتقاطع ذلك مع البعد الوطني، الذي يتمثل في ترسيخ مفهوم السيادة بوصفه قيمة جامعة تتقدم على الخلافات الداخلية، ففي لحظات التهديد الخارجي تميل قطاعات واسعة من المجتمع إلى إعادة تعريف أولوياتها؛ لكي يصبح الدفاع عن الدولة ووحدة أراضيها مسألة تتجاوز الانقسامات السياسية أو الاجتماعية، ويُسهم الخطاب الرسمي المدعوم بسرديات ثقافية وتاريخية في تعزيز هذا الاتجاه عن طريق تقديم حالة الحرب اعتداءً على الوطن بشكل كامل، وليس على طرف سياسي بعينه.

وفي المحصلة، فإن التماسك الذي يظهر في إيران في مواجهة التهديدات الخارجية لا يمكن فصله عن التداخل العميق بين العوامل الدينية والقومية والوطنية، التي تسهم مجتمعة في إنتاج حالة من الوعي الذي يعيد ترتيب الأولويات في لحظات الخطر الوجودي، ويعزز من قابلية المجتمع للالتفاف حول دولته، بوصفها الإطار الجامع الذي تتجسد فيه هذه الانتماءات.

كيف تتفاعل بعض البيئات العربية مع حالة العدوان الخارجي على بلدانها؟

في الوقت الذي تكشف فيه الحالة الإيرانية عن مستوى مرتفع من التماسك الشعبي والانخراط الجمعي في مواجهة ما يُنظر إليه داخل أغلبية واسعة من المجتمع بوصفه عدوانًا خارجيًا يستهدف الدولة والمجتمع معًا، تبدو الصورة في اليمن ولبنان أكثر تعقيدًا وتباينًا؛ إذ تظهر داخل بعض مكونات هذين المجتمعين- وإن كانت محدودة ولا تعبر عن الأغلبية- مواقف تتراوح بين التبرير أو التأييد الصريح أو غير المباشر للتدخلات الخارجية، وصولًا إلى التعويل عليها بوصفها أداة محتملة لإعادة هندسة موازين القوى الداخلية.

غير أن هذا التفاوت لا يمكن قراءته من زاوية سطحية أو ربطه بعوامل ظرفية آنية، بل يستلزم تفكيكًا أعمق للبنى السياسية والاجتماعية التي أسهمت في إنتاج هذه التوجهات وتشكيلها، بما أفضى إلى بروز أنماط وعي سياسية لدى بعض الفئات تخرج عن المسار المفترض لاستجابة المجتمعات تجاه التهديدات الخارجية؛ إذ يجب أن تتعزز ديناميات الاصطفاف الوطني والتماسك الداخلي لتجاوز التهديدات والأطماع الخارجية.

فمنذ لحظة التحول التي أعقبت انتصار ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر في اليمن، برزت على السطح إشكالية بنيوية تمثلت في عجز بعض القوى التقليدية عن التكيّف مع مخرجات الواقع الجديد، ولا سيما ما اتصل بإعادة توزيع النفوذ وتقليص هامش الارتهان للخارج، فقد وجدت هذه القوى نفسها أمام معادلة مغايرة تهدد شبكات مصالحها التاريخية، التي تشكّلت في سياق ارتباط طويل بمراكز قوى إقليمية ودولية؛ الأمر الذي دفعها إلى البحث عن أدوات بديلة لاستعادة موقعها، خارج الإطار الوطني الجامع.

وعلى الرغم من أن المرحلة التي تلت الثورة حملت في طياتها محاولة لاحتواء التباينات الداخلية بصيغ توافقية، تجلّت في اتفاق السلم والشراكة بوصفه إطارًا سياسيًا لاستيعاب مختلف الأطراف، بما في ذلك تلك المناهضة للتحول الجديد، فإن هذا المسار لم يحظَ بقبول فعلي من قبل بعض الفاعلين الرئيسين، الذين كانوا على مرِّ التاريخ اليمني المعاصر رهينة لخيارات الخارج وإراداته؛ إذ سرعان ما اتجهت هذه الأطراف إلى إعادة توجيه الصراع نحو الخارج، من خلال السعي المنهجي إلى استجلاب تدخل عسكري مباشر، تقوده المملكة العربية السعودية بدعم وإشراف من الولايات المتحدة، بوصفه أداة لإعادة فرض التوازنات التي تحولت إلى أضدادها داخليًا.

ولم يتوقف هذا المسار عند حدود التنسيق أو القبول الضمني، بل تجلّى في مواقف وخطابات علنية طالبت صراحة بتوسيع نطاق التدخل العسكري واحتلال البلاد، وعولت عليه بوصفه خيارًا حاسمًا لإعادة تشكيل السلطة، حتى في ظل ما ينطوي عليه ذلك من تعارض جوهري مع مفاهيم السيادة الوطنية ومحددات الأمن القومي، وبذلك، سعت تلك القوى إلى خلق حالة مبررة لعدوان خارجي يتجاوز عن طريق هذه الأدوات تبعات عدوانه ومخالفته للقوانين الدولية، وشرعنته بوصفه تدخلًا جرى استدعاؤه بـ “إرادة محلية”.

في لبنان حالة أخرى من حالات الارتهان لإرادة القوى الخارجية، وتكرر ذلك في محطات مختلفة من سياقات تشكيل البيئة السياسية والأمنية في البلاد، وتعود هذه المعضلة إلى ما قبل نشوء الدولة اللبنانية الحديثة بحسب الأدبيات المذكورة في تاريخ لبنان السياسي، التي ارتكزت في معظمها إلى مقررات دول الوصاية عليه، وصولًا إلى الانتداب الفرنسي؛ ما عمق ثقافة الارتهان إلى الخارج في حسم التوازنات حتى وإن تعارض ذلك مع المصلحة العليا للدولة اللبنانية وإضعاف عوامل قوته أمام أطماع الأعداء وقوى الاستعمار.

ومع مرور الوقت، تحول هذا الإرث إلى جزء من بنية النظام نفسه، فالنظام الطائفي الذي تكرس لاحقا (لا سيما بعد الميثاق الوطني اللبناني) قام على معادلة توازن داخلي هش، جعل الكثير من القوى والطوائف السياسية تبحث عن “معادل خارجي” يوازن القوى الأخرى، بمعنى آخر لم يعد الخارج مجرد داعم، بل أصبح جزءًا من آلية عمل وسياسات هذه القوى، وصل في الحالة الراهنة إلى التماهي الواضح مع آلة العدوان والاحتلال الإسرائيلية في ظل حربها الإجرامية على الشعب اللبناني وقواه الوطنية.

اليوم وفي ظل المواجهات التي تخوضها قوى المقاومة -وفي مقدمها حزب الله- دفاعًا عن الأرض اللبنانية في مواجهة محاولات التوغل الإسرائيلي، وسعيًا للحفاظ على مقومات السيادة وكيان الدولة، يبرز في المقابل مشهد داخلي متناقض تتبنّى فيه بعض القوى اللبنانية وحتى السلطة نفسها مقاربات سياسية وإعلامية تعيد تعريف الموقف “الوطني” بما يتقاطع عمليًا مع المصالح الإسرائيلية وأهداف عدوانها على لبنان، ولا يقتصر هذا التباين على حدود الاختلاف السياسي المشروع، بل يتجاوز ذلك إلى حملات ممنهجة تستهدف تشويه دور المقاومة، وتقويض شرعيتها، وشيطنة قيادتها، وصولًا إلى تبرير الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية بوصفها ردودًا “مفهومة” أو “مبررة”.

الخلاصة:

تظهر هذه المقارنة أن ما تمثله الحالة الإيرانية لا يقتصر على كونه نمطًا خاصًا أو ظرفيًا، بل يقدم نموذجًا حيًا لكيفية تماسك المجتمعات في مواجهة التهديدات الخارجية، نموذجًا يقوم على ترسيخ هوية جامعة تتداخل فيها الأبعاد الدينية والقومية والوطنية، وتعاد بواسطتها صياغة الأولويات؛ لكي تتقدم السيادة والاستقلال على ما سواهما من خلافات داخلية؛ إذ لا ينظر إلى الصراع بوصفه نزاعًا سياسيًا عابرًا، بل بوصفه معركة وجودية تستدعي اصطفافًا وطنيًا واسعًا يحصن الدولة والمجتمع معا، ويحفظ كيانها وحقوقها.

في المقابل، تكشف بعض النماذج العربية عن اختلال بنيوي في هذا الوعي؛ إذ تنزلق بعض القوى – وإن بقيت محدودة التأثير في المستوى الداخلي – إلى مواقف تتناقض مع أبسط مقتضيات الانتماء الوطني، عن طريق التعويل على التدخلات الخارجية أو الانخراط في مسارات تتقاطع مع أهدافها، ومثل هذا السلوك لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة سياسية؛ إذ يشكل خروجًا صريحًا عن منطق الدولة والسيادة، ويعكس أزمة عميقة في تعريف المصلحة والسيادة الوطنية.

كما أن التجربة العملية تثبت أن الرهان على الخارج لا يفضي إلى استعادة التوازن أو تحقيق مكاسب مستدامة، بل يقود أصحابه على الدوام إلى مسارات مغلقة؛ إذ تتحول هذه القوى إلى أدوات في صراعات أكبر منها، وتفقد قدرتها على التأثير الحقيقي في مستقبل بلدانها، وعليه، فإن أي اصطفاف مع قوى خارجية معادية في مواجهة الداخل لا يمثل خيارًا سياسيًا مشروعًا، بل يعبر عن حالة ارتباك استراتيجي وخيانة فاضحة تنتهي غالبًا إلى مزيد من التبعية والتهميش.