باب المندب.. عقدة الأمن الإسرائيلي ومؤشرات المواجهة القادمة

«باب المندب» عنوان مواجهة كبرى مرتقبة

باب المندب.. عقدة الأمن الإسرائيلي ومؤشرات المواجهة القادمة

«باب المندب» عنوان مواجهة كبرى مرتقبة
Picture of إبراهيم يحيى الحكيم

إبراهيم يحيى الحكيم

كاتب وباحث سياسي

تؤكد المعطيات السياسية والاقتصادية والعسكرية المتلاحقة، أن الكيان الإسرائيلي لن يهدأ له بال أو يستعيد الحد الأدنى من أمنه، بوجود محور المقاومة، واستمرار التهديد اليمني بإغلاق بوابته الجنوبية (إيلات) عبر خنق ملاحته في باب المندب؛ وهو الموقف الذي يربطه اليمن بمواجهة عسكرة البحر الأحمر من قِبل الجانب الأمريكي لحماية الكيان، مما يهدد أمن المنطقة والملاحة برمتها. إن هذا الحظر الملاحي كان وسيظل كابوسًا يؤرق سلطات الكيان، ومثلما أشعل إغلاق الممرات البحرية حرب 1967م، فإن المعادلة الحالية توشك أن تشعل حرباً كبرى.تؤكد المعطيات السياسية والاقتصادية والعسكرية المتلاحقة، أن الكيان الإسرائيلي لن يهدأ له بال حتى يستعيد الحد الأدنى من أمنه، بوجود محور المقاومة، واستمرار تهديد اليمن بإغلاق بوابته الجنوبية؛ إذ إن حظر ملاحته في البحر الأحمر وباب المندب كان وسيظل كابوسًا يؤرق سلطات الكيان، ومثلما أشعل حرب 1967م فإنه يوشك أن يشعل حربًا كبرى.

تشي بهذا تحركات سياسية واقتصادية وعسكرية، محلية وإقليمية ودولية، تنذر بتوجهات نحو هذه المواجهة، بالتوازي مع استمرار أزمة مضيق هرمز وتعالي نبرة التهديدات الأمريكية الإسرائيلية باستئناف حربهما على إيران، بينها توجهات أكبر للكيان الإسرائيلي في “أرض الصومال”، وعودة لافتة لعمليات القرصنة بمنطقة باب المندب، على نحو يشي بمساعٍ إلى تغيير جيوسياسي في هذه المنطقة.

ليس من قبيل المصادفة، هذا التتابع المتزامن والمتوازي على نحو لافت لجملة هذه المعطيات السياسية والأمنية والعسكرية، المحلية والإقليمية والدولية؛ إذ تسير في اتجاه تصدير أزمة جديدة موازية لأزمة مضيق هرمز، بدعوى منع وقوع هذه الأزمة، وتأخذ عنوانًا مشتركًا يتلخص في “أمن الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر”، إحدى أهم نقاط الاختناق في العالم.

ترصد هذه الورقة أهم معطيات هذا التهافت المتنامي سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا من قوى الهيمنة الدولية والكيان الإسرائيلي: تحذيرًا وتسويغا وتحركًا، وتقرأ مساراته على مستوى خياري الاحتواء والإقصاء، وملامح أدواتهما المحلية والإقليمية في المرحلة الراهنة، كما تستشرف سيناريوهاته المتوقعة تطوراته المحتملة على المديين المنظور والمتوسط، وما تفرضه في المقابل.

أولًا: الخلفيات الديناميكية لحرب “باب المندب” المرتقبة:

بداية، لا تنفصل المستجدات المتتابعة عن تداعيات معركة “طوفان الأقصى” وما تلتها من تطورات مستمرة وفشل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على اليمن ولبنان ثم إيران، والتعامل مع تغيرات موازين القوى، وبروز امتلاك محور المقاومة – بجانب مقدرات الرد والردع – ورقة ضغط قوية تتمثل في مقدرة التأثير في عصب الاقتصاد العالمي عن طريق التحكم بمضيقي “هرمز” و”باب المندب”.

لكن تحركات قوى الهيمنة الدولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي، تتجاوز إطلاق موجة إقليمية ودولية، تجمع بين تحذيرات اقتصادية وإعلامية وتوجهات سياسية وعسكرية، بقدر ما تسير نحو تسويغ تدخل عسكري واسع للسيطرة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، شرطًا لاستكمال تنفيذ مخطط “الشرق الأوسط الجديد” وقيام “إسرائيل الكبرى”.

اكتسبت أزمة مضيق هرمز أهمية استراتيجية إضافية لمضيق باب المندب والبحر الأحمر، وعلى رغم توقف الحرب على إيران في يومها الأربعين بإعلان اتفاق هدنة في 8 أبريل، إلا أن الحصار الأمريكي البحري على الموانئ الإيرانية، ورد طهران في المقابل بإعادة إغلاق مضيق هرمز ضاعف أهمية مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وحفَّز التحركات الرامية لإحكام السيطرة عليهما بزعم “تأمينهما”.

ثانيًا: الأهمية الجيوسياسية المضافة لباب المندب والبحر الأحمر:

غنيٌّ عن البيان، مدى الأهمية الجيوسياسية لمضيق باب المندب والبحر الأحمر، اقتصاديًا وعسكريًا؛ إذ يربط المضيق قارات آسيا وإفريقيا بأوروبا عن طريق قناة السويس، و”يمر حوالي 12-15 بالمئة من التجارة العالمية (9.3 ملايين برميل من النفط الخام والسوائل النفطية يوميًا) و30 بالمئة من تجارة الحاويات العالمية (20000 سفينة سنويًا) من البحر الأحمر وقناة السويس” 1.

وإذا كان إسناد اليمن لقطاع غزة في مواجهة العدوان الإسرائيلي (أكتوبر 2023- أكتوبر 2025م)، بحظر عبور سفن الكيان الإسرائيلي والمرتبطة به والمتجهة إليه قد حرَّكت أربع حاملات عسكرية على اليمن: “حارس الازدهار” و”أسبيدس”، “رامي البحار” بعهد جو بايدن، ثم “الراكب الخشن” بعهد دونالد ترامب، فإن إعلان اليمن بقيادة “أنصار الله” إسناد إيران ومحور المقاومة أثار قلقًا واستنفارًا.

يرجع تعاظم القلق من رد فعل اليمن إلى آثار عمليات إسناده قطاع غزة خلال معركة طوفان الأقصى، فقد تراجع تدفق النفط من البحر الأحمر إلى 3 ملايين برميل يوميًا، وارتفعت نسبة التأمين إلى 2% من قيمة الحمولة، وغيَّرت شركات الشحن مسار 67% من الرحلات نحو طريق الرجاء الصالح، ما أضاف 4500 ميل و10 إلى 14 يومًا ومليون دولار زيادة وقود للرحلة، ورفع أسعار الشحن بين 124 و339 % 2.

جدَّد إعلان اليمن ثم شروعه في تنفيذ “عمليات إسناد إيران والعراق ولبنان وفلسطين ضد العدوان الأمريكي الإسرائيلي واستباحته بلدان وشعوب الأمة”3، يقين الكيان الإسرائيلي بخطر جبهة اليمن، وأنها “تمثل تهديدًا خطيرًا” بحسب ما صنفها رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس، وتعهدهما بـ “مواصلة العمل على إنهاء هذا التهديد بمنأى عن قطاع غزة” 4 5.

لا يخفي الكيان الإسرائيلي ومراكز أبحاثه وخبرائه تصاعد المخاوف من جبهة اليمن وردود فعلها حيال أي تصعيد في فلسطين أو لبنان أو تجاه إيران، أو المنطقة العربية كلها ضمن تحركات الكيان الساعية إلى “إقامة إسرائيل الكبرى الموعودة” على حدودها المزعومة وفق خارطتها المنشورة، الشاملة كل أراضي فلسطين ولبنان والأردن والكويت ونصف مساحة سوريا ومصر والعراق والسعودية.

تَظهر هذه المخاوف في كم هائل من التصريحات والدراسات والتحليلات، سَبقت العدوان على لبنان والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتزامنت معهما، واستمرت بعد إعلان الهدنة، وتتفق في التحذير من استمرار خطر جبهة اليمن أو ما تسميه “الحوثيين”، والتأكيد على ضرورة “إنهاء التهديد الحوثي”، مع التقليل من الرهان على فاعلية الغارات الجوية على اليمن 6.

يٌقر قادة وخبراء جيش الاحتلال الإسرائيلي بالأضرار الناجمة عن الصواريخ الباليستية والفرط صوتية والطائرات المسيرة المنطلقة من اليمن على الكيان، وليس أقلها تبديد الأمن العام للكيان ومستوطنيه والاستقرار الاقتصادي جراء أثارها في الملاحة الجوية وحركة السياحة، خصوصًا في ظل تطوير تقنياتها المستمرة، وتمكنها من اختراق طبقات ومنظومات الدفاعات الجوية للكيان.

لكن قادة الكيان – على رغم إقرارهم بأن منظومات الدفاعات الجوية لا يمكنها اعتراض كل الصواريخ والطائرات المسيرة – يقللون من خطرها في مقابل تأكيدهم أن الخطر الأكبر لهجمات اليمن بقيادة “أنصار الله” تتمثل في حظر الملاحة الإسرائيلية؛ لأنه يلحق تأثيرًا بالغًا وكارثيًا في الملاحة الدولية وسلال الإمدادات للسلع والطاقة والاقتصاد العالمي، وفي إسرائيل بشكل أكبر” 7. 8

ثالثًا: التحركات الأمريكية-الإسرائيلية-الأوروبية في باب المندب:

يأتي بين أبرز التحركات اللافتة إعلان فرنسا عن تعزيز انتشارها العسكري البحري في البحر الأحمر وباب المندب بإرسال حاملة الطائرات الفرنسية (شارل ديغول)، لتنضم إلى بارجة فرنسية تشارك بارجتين إيطالية ويونانية في مهمة البعثة الأوروبية العسكرية المسمَّاة “أسبيدس” المنشأة مطلع عام 2024م لمرافقة السفن، على خلفية عمليات إسناد اليمن قطاع غزة 9.

بالتوازي برز تنامٍ لافت لدورٍ أوروبي، تمثل في فتح مكتب جديد لبعثة الاتحاد الأوروبي لبناء القدرات (EUCAP) 10، وعُقد اجتماع في هرجيسا بين خفر سواحل صوماليلاند وكبير مسؤولي خفر السواحل الأوروبية الأدميرال أحمد حوري حاجي، “ناقش توسيع التعاون مع مكتب بعثة (EUCAP) في الأمن البحري، والتنسيق العملياتي، وتعزيز القدرات وتحسين الاستجابة للتهديدات البحرية”11.

أوروبيًا أيضا، بدا لافتا إصدار وكالة الفضاء الأوروبية والطيران (EASA) بيانًا تحذيرًا لشركات الطيران الأوروبية والدولية بالامتناع عن التحليق في الأجواء اليمنية، لا سيما مناطق سلطة صنعاء بزعم أن “مستوى المخاطر في المجال الجوي اليمني لا يزال مرتفعًا للغاية؛ بسبب استمرار العمليات العسكرية والتوترات الأمنية ووجود جماعات مسلحة تمتلك أسلحة متطورة مضادة للطائرات”12.

أعقب هذا ورافقه استئنافٌ لافتٌ لنشاط القرصنة في مياه بحر العرب واختطاف ناقلة نفط قبالة سواحل محافظة شبوة بتاريخ (2 مايو) 13، ثم ناقلة نفط أخرى قبالة الساحل الغربي لليمن بتاريخ (11 مايو)، واقتيادهما إلى المياه الإقليمية الصومالية، مع إحجام لافت عن التدخل من جانب بوارج القوات الدولية المتواجدة في المنطقة وغياب أي تحرك لتحرير السفينتين من الخاطفين 14.

كما بدا لافتًا إعلان قوات خفر السواحل اليمنية التابعة لسلطات الفصائل الموالية لتحالف العدوان السعودي الإماراتي على اليمن عن مطاردة الخاطفين وتحرير السفينتين من خاطفيها الصوماليين، على رغم ما تعلنه عن دعم مالي إقليمي ودولي، وتبرير عجزها بزعم “افتقاد الإمكانات والمعدات اللازمة للإبحار في أعالي البحار، وحفاظًا على سلامة الطواقم”15.

وبالتوازي مع استئناف نشاط القرصنة البحرية والتزام القوات الدولية الحياد، انعقدت لقاءات جمعت رئيس مجلس قيادة الفصائل اليمنية الموالية لتحالف العدوان السعودي الإماراتي على اليمن (رشاد العليمي)، مع رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيله 16، ورئيس جمهورية الصومال الاتحادية حسن شيخ محمود 17، حملت العنوان نفسه “تأمين الملاحة الدولية ومكافحة الإرهاب”.

لكن على الرغم من أن هذه اللقاءات السياسية تلتها لقاءات عسكرية 18، إلا أنها – وبمعرفة افتقاد أطرافها استقلال القرار الوطني وامتلاك قوات بحرية تتجاوز زوارق خفر السواحل – تبدو لقاءات مدفوعة من قوى الهيمنة الدولية (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا) والإقليمية (السعودية، الإمارات، تركيا)، ضمن ترتيبات تكون هذه الأطراف واجهة أو مسوغا لها.

يعزز هذا، تعمد رئيس مجلس قيادة فصائل التحالف السعودي الإماراتي ربط اليمن بعمليات القرصنة الأخيرة، وادعائه ما سمَّاه “التخادم بين الحوثيين (أنصار الله) والقراصنة الصوماليين” في لقاءات متلاحقة جمعته مع السفير الأمريكي لدى اليمن 19، والسفيرة البريطانية 20، والسفيرة الفرنسية 21، على نحو بدا تمهيدًا أو تسويغًا لتدخل عسكري دولي جديد في اليمن.

تظهر هذه المعطيات أنها مفتعلة، وأن تزامنها متعمد في سياق تحرك للقوى الدولية والإقليمية المهيمنة، وتعزز هذه الفرضية التحركات الأمريكية البريطانية الفرنسية الجارية منذ سبتمبر 2025م، لإعادة ترتيب التشكيلات المسلحة لفصائل تحالف العدوان السعودي الإماراتي، بإشراف السفير السعودي ورئيس “اللجنة الخاصة” للهيمنة على اليمن بمجلس الوزراء السعودي 22.

ومع أن هذه التحركات الأمريكية البريطانية الفرنسية السعودية المُعلنة بمؤتمر دولي رفع شعار “الشراكة الدولية في تعزيز قدرات اليمن لتأمين الملاحة الدولية بمياهه الإقليمية”، إلا أنها لا تخفي هدف “نشر قوات دولية بامتداد الشريط الساحلي لليمن”، واتكائها في هذا المطمع على “شرعية” زائفة على قرار مجلس الأمن الدولي (2216) تحت البند السابع بشأن اليمن [23]. [24]. [25].

نظريًا، القرار (2216) المسوغ لعدوان التحالف السعودي الإماراتي على اليمن، المكمل لقرار إخضاع اليمن تحت الوصاية الدولية رقم (2140) بموجب البند السابع؛ فوض مجلس الأمن الدولي ونحو 22 دولة إقليمية وغربية ضالعة بملف اليمن، التدخل المباشر و”اتخاذ التدابير اللازمة لمنع تدفق الأسلحة إلى اليمن، ولتأمين الممرات المائية للملاحة الدولية” حد زعمه [26].

في هذا السياق، وإنهاءً لما اعتبر قيدًا لتجدد المعارك في الساحل الغربي لليمن، جاء قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2813) بإنهاء مهمة البعثة الأممية (أونمها-UNMHA) المشكَّلة لمراقبة ودعم تنفيذ اتفاق “ستوكهلوم”، بدفع الولايات المتحدة عقب معارضتها بشدة تجديد ولاية عمل البعثة، في جلسات مجلس الأمن المتلاحقة خلال عام 2025م، على رغم تأكيد روسيا والصين أهمية تجديد عمل البعثة للسلام [27]

رابعًا: توجهات الكيان في البحر الأحمر والقرن الإفريقي:

لكن التحركات الأبرز في هذا المشهد، هي التحركات الإسرائيلية الواسعة والمتسارعة على مختلف الصُعد في إقليم “أرض الصومال”، ذي الموقع الجيوسياسي الاستراتيجي في الهيمنة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، بعدما عمد الكيان الإسرائيلي إلى أن يكون أول من يعترف بالإقليم منذ إعلانه الانفصال عن جمهورية الصومال الاتحادية الفيدرالية في العام 1991م [28].

الاثنين (18 مايو)، أعلن رئيس حكومة الكيان الإسرائيلي “توسيع العلاقات الثنائية مع “صوماليلاند” بمختلف المجالات” [29]، بالتوازي مع تقديم أول سفير للإقليم أوراق اعتماده لدى الكيان [30]، واحتفال سلطات الإقليم بالذكرى الخامسة والثلاثين لإعلان انفصاله وإدارة مؤسسات وقوات الدولة على أراضيه وسك عملة خاصة، بعد انهيار الحكومة المركزية في الصومال عام 1991م.

عكس الاحتفال النفوذ السياسي الدولي للكيان الإسرائيلي؛ إذ شهد مشاركة ممثلين عن المملكة المتحدة البريطانية وتركيا ودولة الإمارات والدنمارك وكينيا التي لديها مكاتب اتصال في “أرض الصومال” تتيح التواصل الدبلوماسي والتعاون التجاري من دون منح الاعتراف الرسمي، بجانب تايوان التي أقامت علاقات دبلوماسية غير رسمية مع “صوماليلاند” منذ 2020م.

كان لافتا، إلقاء وزير الدفاع البريطاني السابق وعضو مجلس العموم البريطاني، السير غافين ويليامسون، خطابًا مؤيدًا لــ “أرض الصومال” التي عدَّها “منارة للديمقراطية والحرية وسيادة القانون”، ودعا بريطانيا والمجتمع الدولي إلى الاعتراف باستقلالها، في مقابل وصفه جمهورية الصومال بقوله: “النظام الإرهابي في مقديشو يقوم بكل عمل يومي لقمع شعب هذه الأمة” [31].

علاوة على وجود ممثل دبلوماسي لإقليم “أرض الصومال” في الولايات المتحدة الأمريكية، ولقاء رئيسه عبد الرحمن إيرو مع إيرك نجل الرئيس دونالد ترامب ورئيس الكيان الإسرائيلي إسحاق هرتزوغ في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 2025م، من المقرر أن يشارك مسؤولون من الإقليم بينهم رئيس هيئة الموانئ، في قمة عالمية سياسية واقتصادية حصرية.

تبرز دلالات المشاركة بقمة “مائدة زيورخ المستديرة للنخبة” في 4 يونيو، من طبيعة المدعوين وأبرزهم ترامب جونيور، نائب الرئيس التنفيذي لمنظمة ترامب، وجون كودونيس من كالاموس إنفستمنتس، وفيليبي فيلوسو من بلومبرغ، وأنيل موهتا من دبي للموانئ العالمية التي دفعت 400 مليون دولار لتشارك بريطانيا وحكومة “صوماليلاند” بملكية ميناء بربرة وإنعاشه ليفوق 500 ألف حاوية سنويًا.

وبينما يظهر أن الحضور المتزايد لــ “أرض الصومال” في التجمعات الدولية يشي بتحولات جيوسياسية أوسع تتمركز حول ممر البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، فإن سلطات الإقليم تصرح رسميًا بسعيها إلى “تعميق التفاعل مع مراكز القوى العالمية، وتركيزها المتزايد على مستقبل طرق التجارة وممرات الاستثمار والتأثير الجيوسياسي” [ 32].

تأتي هذه التطورات بعد يومين فقط على أول لقاء مع سفير الكيان الإسرائيلي لدى “صوماليلاند”، مايكل لوتيم، كشف أن “العلاقات تتطور بسرعة إلى شراكة استراتيجية واسعة تشمل الأمن والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والتعاون الاقتصادي بقطاعات الزراعة والمعادن والتجارة”، وتحدث عن “اعتراف دول أخرى بـ “صوماليلاند” بعد انتهاء الصراع الإقليمي الراهن”.

لم يكن اختيار لوتيم – المُعين سفيرًا بــ “أرض الصومال” في أبريل الفائت – عفويًا بقدر ما كان تنصيبًا لحاكم الكيان في إفريقيا، فقد اضطلع بدور بارز في توغل نفوذ الكيان في القارة السمراء بمشاريع المياه والصحة والكهرباء، وشغل منصب سفير اقتصادي غير مقيم في إفريقيا، ثم سفيرًا بكل من كينيا وأوغندا وتنزانيا ومالاوي وسيشل، وأكد أن “تعزيز وجود إسرائيل في إفريقيا أولوية قوية”.

وبجانب كشفه في مقابلة مع قناة (N12 News) الإسرائيلية – عمَّا سماه “الإمكانات الاقتصادية الكبيرة غير المستغلة بين الجانبين، خصوصًا في قطاع الموارد الطبيعية في “أرض الصومال”، الذي يشمل رواسب النفط والغاز والفحم والحديد والذهب” بجانب الثروتين الحيوانية والزراعية – شدد سفير الكيان لوتيم على أن “التفاهمات الأمنية هي جزء طبيعي من العلاقة مع صوماليلاند” [33].

خامسًا: مركز نفوذ إقليمي جديد لـ “إسرائيل الكبرى”:

تشير المعطيات إلى أن إشهار الكيان الإسرائيلي نشاطه في “أرض الصومال” علنًا وتحركاته لحشد اعترافات دولية بالإقليم دولة، يدشن مرحلة انتقالية كبيرة للكيان سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وعسكريًا، توازي احتلاله فلسطين، وتواكب خطواته لابتلاع الضفة الغربية وقطاع غزة، وتوجهاته لاحتلال لبنان والأردن، ونصف مساحة سوريا ومصر والعراق والسعودية، وأجزاء من تركيا.

فعليًا، لم يكن هذا الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال (صوماليلاند)، وليد اللحظة، وإن كان التسريع فيه جاء بفعل تعاظم تهديد جبهة اليمن للكيان [34]، إلا أنه فعليًا “توج سنوات من التعاون الأمني بتوافق استراتيجي صريح” يطوّق تركيا ومصر واليمن، أو ما يسميه الكيان الإسرائيلي “الحوثيين”، عند واحدة من أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، مضيق باب المندب [35].

يرى الكيان الإسرائيلي في اعترافه بإقليم “أرض الصومال” الانفصالي، خطوة استراتيجية لقوة إضافية تمكنه من تعزيز نفوذه في إفريقيا، وتأمين بوابته الجنوبية في إيلات (أم الرشراش)، وإحكام هيمنته على الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وإنشاء خط دفاعي متقدم يسهل المواجهة المباشرة مع اليمن بقيادة “أنصار الله”، والحد من نفوذ مصر وتركيا في البحر الأحمر والمنطقة.

في هذا، يقول الباحث الأمريكي-الإسرائيلي المتخصص في سياسة الأمن في الشرق الأوسط، المقاتل السابق في القوات الخاصة الإسرائيلية والجيش الأمريكي، خوسيه ليف ألفاريز: إنه “عن طريق الاعتراف بــ “أرض الصومال”، وسّعت إسرائيل عمقها الاستراتيجي، وعقّدت حسابات خصومها، وعززت بنية ردع شبكية أهم من أي معاهدة واحدة”، مردفًا “أنها الخط الأمامي الجديد” [36].

يبرز استهداف مصر باستمرار دعم إثيوبيا وحصولها على ممر بحري عن طريق ضم “أرض الصومال” إلى ما بات يسمى “محور بربرة” الذي يضم الإمارات وإثيوبيا والكيان الإسرائيلي، وتشييد مشروعي إعادة بناء جسر توغوجالي الحدودي، الرابط بين “أرض الصومال” وإثيوبيا على طول ممر بربرة بتمويل سويدي [37]، ومشروع سكة حديد بين الجانبين بتمويل إماراتي [38].

يؤكد تتابع هذه المعطيات أن الهدف التالي للكيان الإسرائيلي بعد الجمهورية الإسلامية في إيران، سيكون تركيا ومصر، وفق تقارير لوسائل إعلام الكيان، تكشف أن هدف اعتراف الكيان بانفصال إقليم “صوماليلاند” يتجاوز “التصدي الفاعل لهجمات جماعة الحوثي” على الكيان وسفنه، إلى تقليص النفوذ التركي والمصري في البحر الأحمر والقرن الإفريقي والمنطقة بشكل كامل.

بات هذا الهدف معلنًا من جانب الكيان إعلاميًا وسياسيًا، وأن الاعتراف بــ “صوماليلاند” “يمثل ثقلًا أمنيًا موازنًا لهيمنة الحوثيين في خليج عدن، ويساعد في موازنة النفوذ التركي المتزايد في الصومال”، في إشارة إلى أكبر قاعدة تدريب عسكرية خارجية تركية في مقديشو، ضاعفت مخاوف الكيان ودعت رئيس حكومته السابق نفتالي بينيت إلى وصف تركيا بأنها “إيران الجديدة” [39].

في هذا السياق، يؤكد معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، أن “أرض الصومال شريك استراتيجي محتمل مهم للمصالح الغربية والإسرائيلية في المنطقة”، مؤكدا أن “أهميتها تكمن في موقعها الجيوستراتيجي”، وأنه “سيمنح وجود موطئ قدم في “أرض الصومال” إسرائيل عمقًا استراتيجيًا، مع قدرات دفاعية وهجومية محسنة ضد أهداف الحوثيين من مدى أقصر بكثير”.

وبصراحة أكبر يصرح المعهد المسؤول عن دراسات وخطط الأمن القومي للكيان الإسرائيلي، بأهم أهداف الكيان أن “تسمح أرض الصومال بشكل سري لإسرائيل بإقامة وجود عسكري على أراضيها، وتكون قاعدة متقدمة لمراقبة المعلومات الاستخباراتية، وعمليات الدعم اللوجستي، والتعاون الأمني الإقليمي الأوسع الذي يستهدف أنشطة الحوثيين في ممر البحر الأحمر” [40].

وفي حين يشير المعهد إلى أن “أرض الصومال” بوساطة الإمارات أبدت العام الماضي (2025م) استعدادها السماح لإسرائيل بإنشاء قاعدة عسكرية على أراضيها مقابل اعتراف بسيادتها، وإقامة علاقات دبلوماسية، واستثمارات اقتصادية”، فإن سلطات الإقليم عرضت على واشنطن رسميًا منتصف مارس 2026م نقل قواعدها العسكرية في الشرق الأوسط إلى مدينة بربرة.

سعت سلطات “أرض الصومال” إلى استغلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتعرُّض القواعد الأمريكية لمئات الصواريخ، وعرضت “نقل قاعدة العديد الجوية والأسطول الخامس للبحرية الأمريكية إلى بربرة، عند مضيق باب المندب، بوابة البحر الأحمر والسويس‏”، مضيفة: “مع تصاعد التوترات في الخليج أصبح الاعتماد على شركاء غير موثوقين مخاطرة استراتيجية” [41].

صحيح أن عرض قاعدة أمريكية في “أرض الصومال” ليس الأول، فقد سبق لواشنطن استخدام أراضي الإقليم إبان الحرب الباردة، لكن سلطات الإقليم تربط تثبيت انفصاله وإنهاء المخاوف من مقديشو بالاعتراف الأمريكي؛ لهذا فقد تضمن العرض “حزمة امتيازات اقتصادية، تشمل منح حقوق استثمار في قطاعات التعدين والطاقة، واحتياطيات نفطية ضخمة قد تصل إلى 5 مليارات برميل”.

سبق هذا، تصريح “وزير الرئاسة” في “أرض الصومال”، خضر حسين عبدي في فبراير 2025م، قائلا: “نحن على استعداد لمنح الولايات المتحدة حق الوصول الحصري إلى معادننا، كما أننا منفتحون على تقديم قواعد عسكرية لهم”، ولم يستبعد “إمكانية السماح لإسرائيل بوجود عسكري” بقوله: “من حيث الأمن، سيكون لدينا علاقة استراتيجية، وتشمل الكثير من الأمور” [42].

سادسًا: قاعدة مركزية للسيطرة على البحر الأحمر:

عمليًا، يكشف دبلوماسيون ومسؤول عسكري في جيش الكيان الإسرائيلي عن أنه “بينما كانت إسرائيل تناقش الاعتراف بــ “أرض الصومال” لسنوات، جرى إتمام الاتفاق في ديسمبر بسبب اعتبار ضباط الاستخبارات الإسرائيليين أن الحوثيين من أكبر تهديدات إسرائيل”، ويؤكدون “سماح أرض الصومال لإسرائيل بجمع المعلومات الاستخباراتية عن الحوثيين وتنفيذ عمليات ضدهم”.

وتؤكد وكالة “بلومبرغ” الأمريكية أنه: “بينما تستمر الحرب الإيرانية تخطط إسرائيل بهدوء لقاعدة محتملة في أرض الصومال عند مصب البحر الأحمر لمهاجمة أحد آخر وكلاء إيران الذين لا يزالون يعملون بكامل قوتهم، الحوثيين في اليمن، ستتابع الدولة اليهودية شراكة أمنية استراتيجية قد تشمل بناء إسرائيل قاعدة – ربما سرية – على ساحلها النقي، على رغم الانتقادات الإقليمية الواسعة”.

ووفقا للوكالة فإن الكيان الإسرائيلي “وضع الأساس لقاعدة محتملة في المنطقة، في يونيو 2025م، حين زار مسؤولون أمنيون إسرائيليون ساحل “أرض الصومال”، وقاموا بمسح الشواطئ بحثا عن موقع محتمل لقاعدة أو منشأة لمحاربة حركة الحوثي”، “أحد المواقع التي ينظر فيها لقاعدة أو منشأة إسرائيلية هو منطقة مرتفعة تقع على بعد حوالي 100 كم غرب مدينة بربرة الساحلية” [43].

هذه المدينة هي المكان الذي تمتلك فيه دولة الإمارات الحليف المقرب لــ “أرض الصومال”، قاعدة عسكرية صادَقَ عليها برلمان هارجيسا عام 2017م، وتضم أطول مدرج عسكري في إفريقيا طوله 4 كم، وميناء تديره شركة موانئ دبي العالمية ((DP World، وكانت جزءًا من شبكة قواعد على طول خليج عدن أنشأتها الإمارات في جزر زقر وحنيش وعبد الكوري وميون اليمنية [44].

وبحسب صور التقطت بالأقمار الاصطناعية، فإن “القاعدة البحرية في بربرة تحولت من مشروع متوقف إلى منشأة شبه مكتملة، مع بنية تحتية متقدمة تشمل ميناء عسكريًا حديثًا، ورصيف مياه عميق، ومدرج طائرات يبلغ طوله 4 كم، يسمح له باستقبال طائرات النقل الثقيلة والطائرات المقاتلة، مع حظائر ومرافق دعم”، بحسب تأكيد وكالة Middle East Eye البريطانية [45].

لكن اللافت أن أخبار القاعدة العسكرية الإسرائيلية في “أرض الصومال”، غابت كليًا عن وسائل إعلام الكيان والإعلام الدولي ومراكز دراسات الكيان، عقب إعلان زعيم “أنصار الله” السيد عبد الملك الحوثي أن “أي تواجد إسرائيلي في إقليم “أرض الصومال” سيكون هدفًا عسكريًا مشروعًا لقواتنا المسلحة، بوصفه عدوانًا على الصومال وعلى اليمن، وتهديدا لأمن المنطقة” [46]. 

سابعًا: السيناريوهات المتوقعة للتطورات المحتملة:

مع ذلك، يظل الثابت أن الكيان الإسرائيلي، وعلى الرغم من أنه يربط اليمن بمحور إيران، إلا أنه بات يقر أن اليمن بقيادة “أنصار الله” يتلقى الدعم من إيران “لكنه يحتفظ باستقلالية القرار”، ويتعامل معه بوصفه جبهة مستقلة ومحورية، يصنفها “تهديدًا كبيرًا” لأمنه واقتصاده وحتى وجوده، بحسب ما أعلنه رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو، رافضًا “الاستهانة بخطر اليمن” [47].

وفي ضوء ما سلف، من معطيات وتحركات سياسية واقتصادية وعسكرية، تبرز سيناريوهات عدة متوقعة لتطورات الحرب المفتوحة بين الكيان الإسرائيلي واليمن وجبهات محور المقاومة، غير أنه يمكن تلخيص أبرز هذه السيناريوهات المتوقعة للتطورات المحتملة في سيناريوهين اثنين رئيسين، هما:

1- المواجهة غير المباشرة:

يتمثل أول السيناريوهات المتوقعة في المواجهة غير المباشرة، الساعية إلى تحقيق هدفي التشتيت والتفكيك لجبهة اليمن وباقي جبهات محور المقاومة للكيان الإسرائيلي، عن طريق استخدام أوسع لوسائل التشتيت للجهود وتفكيك الصفوف.

يرجح أن يستمر الرهان الأمريكي الإسرائيلي في إضعاف محور المقاومة على حصار الموانئ الإيرانية، وتبعاته على قدرات الصمود الإيراني، وعلى الدعم اللوجستي الإيراني لجبهات المقاومة.

بالتوازي، يُتوقع في هذا السيناريو أن يكثف الكيان الإسرائيلي استعداداته لمعركة تأمين بوابته الجنوبية في أم الرشراش (إيلات)، وإحكام هيمنته الكاملة على البحر الأحمر، واستكمال تشييد البنية التحتية العسكرية في إقليم “أرض الصومال”.

تشمل هذه الاستعدادات توسيع الكيان الإسرائيلي وأجهزة استخباراته الحربَ النفسية المزعزعة للاستقرار والسلم المجتمعي في اليمن وجبهات محور المقاومة، عن طريق ما سمَّاه رئيس حكومة الكيان نتنياهو “معركة السوشيال ميديا” [48].

وبالطبع، التوسع بإنشاء شبكات تجسس لتعويض الشبكات التي تم ضبطها، واستكمال قاعدة بيانات استخباراتية خاصة باليمن، إذ سبق أن أعلن مسؤولون في أجهزة الكيان الأمنية والاستخباراتية عن “البدء بإنشاء وحدة مستقلة بكادر يجيد اللهجات اليمنية” [49].

في السياق، يتوقع أن يستعين الكيان الإسرائيلي وحلفاؤه (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا) ووكلاؤه الإقليميون (الإمارات، السعودية، صوماليلاند)، برادارات وأنظمة دفاع القواعد الإماراتية في الجزر اليمنية (زقر، حنيش، ميون) و”أرض الصومال”.

كما يمكن أن توفر هذه القواعد العسكرية التابعة لحلفاء ووكلاء الكيان محطات وقود ونقاط خدمات لوجستية لقِطع القوات البحرية لجيش الاحتلال الإسرائيلي؛ لتوسيع انتشارها في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن؛ لمرافقة سفن الكيان.

يُضاف إلى هذا إمكانية توظيف الكيان الإسرائيلي تواجده ووكلاءه في الجزر اليمنية وإقليم “أرض الصومال”؛ لتنفيذ حصار اقتصادي بحري على الموانئ اليمنية (الحديدة، رأس عيسى، الصليف، عدن) سبق أن توعد به وزير حرب الكيان يسرائيل كاتس [50].

2- المواجهة المباشرة:

يرتبط سيناريو المواجهة المباشرة بمسار أزمة مضيق هرمز واحتمالات استئناف الحرب على إيران، وتبعًا لذلك استئناف جبهة اليمن بقيادة “أنصار الله” عمليات إسناد جبهات مقاومة الكيان الإسرائيلي، بما في ذلك خيار إغلاق مضيق باب المندب.

ويتوقع أن تنجح الضغوط الأمريكية الإسرائيلية في جر مصر والسعودية إلى أن تكونا واجهة حملة عسكرية إقليمية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن وبحر العرب، تحت شعار “مكافحة القرصنة والإرهاب وتأمين حركة الملاحة الدولية”.

لكن، في حال تحفُّظ مصر والسعودية، ترجح التعزيزات العسكرية البحرية الأمريكية الفرنسية الإسرائيلية في المحيط الهندي وبحر العرب وخليج عدن ومضيق باب المندب والبحر الأحمر، أن تنطلق حملة عسكرية دولية جديدة على اليمن، على أن مثل هذه الحملة، يرجح ألَّا تكون كالحملات العسكرية السابقة (حارس الازدهار، أسبيدس، رامي البحار، الراكب الخشن) وأن تتجاوز عملياتها الغارات الجوية على اليمن، إلى السعي لاحتلال ساحل اليمن الغربي ومناطق سلطات “أنصار الله”.

تعزز هذا نتائج الحملات العسكرية الأربع السابقة على اليمن وإخفاقها في تحقيق أهدافها المشتركة المتمثلة في “تدمير القدرات العسكرية والصاروخية للحوثيين وإنهاء تهديداتهم”، إضافة إلى قناعات قادة جيش الاحتلال الإسرائيلي وخبرائه [51].

ولتحقيق هذا الهدف، تبرز إمكانية توظيف الكيان الإسرائيلي تواجده ووكلاءه في الجزر اليمنية وإقليم “أرض الصومال” لتجنيد وتدريب مرتزقة محليين وأجانب؛ تمهيدًا لمعركة برية تترجم تعهد وزير حرب الكيان بـ “رفع علم إسرائيل في صنعاء” [52].

في هذا يتفق جنرالات جيش الاحتلال الإسرائيلي في أن إنهاء تهديد اليمن أو ما يسمونه “تعقيد التهديد الحوثي” يتطلب اتباع نهج شامل، تتمثل الخطوة الأولى في توسيع وتعميق السيطرة الاستخباراتية، ومواصلة الهجمات لاغتيال كبار القادة وتقويض القدرات، ويتطلب الأمر عنصرًا مكملًا للعمل البري، دون إشراك القوات الإسرائيلية، عن طريق تشغيل وكلاء معارضين للحوثيين” [53] [54].

كما يُرجح أن تكون، وبخاصة القاعدة الإماراتية في إقليم “صوماليلاند”، قاعدة عسكرية متقدمة للقوات الجوية والبحرية لجيش الاحتلال الإسرائيلي، ترفع وتيرة هجماتها باختصار المسافة بين قواعدها في فلسطين واليمن، وإلغاء الحاجة للتزود الجوي بالوقود.

ويحوز سيناريو المواجهة المباشرة نسبة احتمال متوسطة إلى مرتفعة، مع ارتفاع معدل المخاطر؛ لأنه سيفجر حربًا مفتوحة وغير مضمونة، تُضاعف آثار أزمة مضيق هرمز في الاقتصاد العالمي وحركة إمدادات السلع والطاقة الأسمدة.

الخلاصة:

قَدَر اليمن أن يكون موقعه الجغرافي الجيوسياسي الاستراتيجي أن يمنحه قوةً حالَ اتحاد أيدي قواه، وفي الوقت نفسه يمحنه ضعفًا حالَ تفرقها. تلك باختصار أبرز ما يُمكننا أن نخلُص إليه من قراءة متعمقة لتاريخ اليمن والمنطقة، وقراءة مركزة لحاضر اليمن الراهن والمنطقة أيضًا.

تسير تداعيات “طوفان الأقصى” باتجاه جولات حاسمة في المعركة بين محور المقاومة والكيان الإسرائيلي، وتتصدر مسارات هذا الحسم معركة المضايق البحرية (هرمز وباب المندب)، ما يستدعي خطوات استباقية على مختلف المستويات، تقطع الطريق على ما يحاك لليمن والمنطقة العربية بشكل كامل.

المصادر والمراجع:


  1. “طوق نجاة تحت التهديد: لماذا أمن قناة السويس مهم للعالم”، المجلس الأطلسي، 20 مارس 2025، متاح على:
     https://www.atlanticcouncil.org/in-depth-research-reports/issue-brief/a-lifeline-under-threat-why-the-suez-canals-security-matters-for-the-world/.) ↩︎
  2. “طوق نجاة تحت التهديد”، مصدر سابق.
     https://www.atlanticcouncil.org/in-depth-research-reports/issue-brief/a-lifeline-under-threat-why-the-suez-canals-security-matters-for-the-world /.) ↩︎
  3. متحدث القوات اليمنية المسلحة، يحيى سريع، منصة X، في 27 مارس 2026م:
    https://x.com/Yahya_Saree/status/2037630835864883542?s=20 ↩︎
  4. رئيس حكومة الكيان الاسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قناة “الجزيرة”، 2 نوفمبر 2025م:
    https://x.com/AJABreaking/status/1984947563615993982 ↩︎
  5. وزير دفاع الكيان الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، “الجزيرة”، 30 أكتوبر 2025م:
    http://t.me/AjaNews/436056 ↩︎
  6. “مشكلة الحوثيين: الحل ليس في إيران”، الرائد احتياط داني سيترينوفيتش، معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، 29 سبتمبر 2025م:
    https://www.inss.org.il/he/publication/houthi-problem ↩︎
  7. “حالة تأهب ذروة في البحر الأحمر”، موقع “واللا” الاسرائيلي، 4 ابريل 2026م:
    https://news.walla.co.il/item/3828464 ↩︎
  8. “دخل الحوثيون في اليمن حرب إيران”، مجلة “التايم” الامريكية، 28 مارس 2026م:
    https://time.com/article/2026/03/28/iran-war-news-houthis-israel ↩︎
  9. قناة “إيرو نيوز”، نقلا عن وكالة الصحافة الفرنسية، 6 مايو 2026م، متاح على:
    https://fr.euronews.com/my-europe/2026/05/06/detroit-dormuz-prepositionnement-du-porte-avions-charles-de-gaulle-la-france-met-la-pressi ↩︎
  10. بعثة الاتحاد الأوروبي لبناء القدرات في الامن البحري (EUCAP)، في 26 ابريل 2025م:
    https://www.eeas.europa.eu/eucap-som/eucap-supports-ongoing-capacity-building-somaliland-coast-guard-berbera_en?s=332 ↩︎
  11. “تعزيز اتفاقية EUCAP الأمن الحدودي والتعاون البحري في أرض الصومال”، شبكة اعلام ارض الصومال (saxafimedia)، في 15 مايو 2026م:
    https://saxafimedia.com/eucap-border-maritime-cooperation-somaliland / ↩︎
  12. وكالة الفضاء الأوروبية والطيران (EASA)، بيان تحذير رقم “CZIB-2017-07R19”، 12 مايو 2026م:
    https://www.easa.europa.eu/en/domains/air-operations/czibs/czib-2017-07r19 ↩︎
  13. مراقب حركة الملاحة البحرية، حساب (MenchOsint)، 2 مايو 2026م:
    https://x.com/MenchOsint/status/2050556845220135307 ↩︎
  14. وزارة الخارجية المصرية، بيان، منصة X، في 11 مايو 2026م:
    https://x.com/MFAEgOfficial/status/2053817258640547857 ↩︎
  15. مصلحة خفر السواحل اليمنية، عدن، 3 مايو 2026م:
    http://https//y-coastgaurd.com/index.php?link_id=1&ad_new_id=604 ↩︎
  16. وكالة الانباء اليمنية (سبأ)، عدن، 9 مايو 2026م:
    https://www.sabanew.net/story/ar/146367 ↩︎
  17. وكالة الانباء اليمنية (سبأ)، عدن، 9 مايو 2026م:
    https://www.sabanew.net/story/ar/146373 ↩︎
  18. مصلحة خفر السواحل اليمنية، عدن، 14 مايو 2026م:
    https://moi-gov-ye.org/view/7651 ↩︎
  19. وكالة الانباء اليمنية (سبأ)، عدن، 7 مايو 2026م:
    https://sabanew.net/viewstory.php?id=146283 ↩︎
  20. وكالة الانباء اليمنية (سبأ)، عدن، 10 مايو 2026م:
    https://www.sabanew.net/story/ar/146417 ↩︎
  21. وكالة الانباء اليمنية (سبأ)، عدن، 19 ابريل 2026م:
    https://sabanew.net/viewstory.php?id=145413 ↩︎
  22. مجلس الامن الدولي، تغطية الجلسات، توقعات شهر فبراير 2026م، نشر بتاريخ: 1 فبراير 2026م:
    www.securitycouncilreport.org/monthly-forecast/2026-02/yemen-87.php?utm_medium=email&utm_campaign=2%20February%202026%20FEB%20Monthly%20Forecast&utm_content=2%20February%202026%20FEB%20Monthly%20Forecast+CID_b7ffc947686c7485b90557bd8ee6a032&utm_source=Email%20Newsletter&utm_term=Yemen ↩︎