ملخص
يسعى العدو الإسرائيلي إلى الحصول على موطئ قدم في البحر الأحمر عن طريق الاعتراف بجيب “صوماليا لاند” دولة “، وبسبب عدم وجود عوائق لمنعه، فقد سارع مع إدارة هرجيسا خلال الـ 6 أشهر الماضية إلى ترتيب “الاعتراف المتبادل”، وترجمته بتبادل الزيارات و”السفارات”، ويخطط لوضع الخطوات اللاحقة – التواجد العسكري، والنشاط الأمني – على طريق التنفيذ.
إن عدم وجود عوائق ليست حالة طبيعية منحت “الثنائي الإسرائيلي والانفصالي” القدرة على التحرك والانتقال من تجاوز التحديات التي كانت مفترضة – الاحتجاجات، سلوك الحكومة الفدرالية الصومالية، ردود الفعل العربية والإسلامية – إلى مواجهة ما يوصف بتهديد مشترك، وهو اليمن وخياره العسكري، يفرض ذلك بالنسبة لليمن تسريع التحرك وتوقع المواجهة في غضون نهاية العام الجاري أو مطلع العام المقبل 2027.
مقدمة
منذ إعلان كيان العدو الإسرائيلي الاعتراف بالجيب الصومالي الانفصالي “صوماليا لاند ” “دولة مستقلة” في الـ ديسمبر 2025 مرورًا بالخطوات اللاحقة:
- الزيارات المتبادلة (وصول وزير خارجية كيان العدو الإسرائيلي جدعون ساعر إلى هرجيسا عبر إثيوبيا، وهي رحلة سرية – يناير 2026).
- إعلان حكومة هرجيسا فتح “سفارة ” في القدس.
- استقبال “سفير” لكيان العدو الإسرائيلي في هرجيسا.
- زيارة رئيس الجيب الانفصالي عبد الرحمن محمد عبد الله إلى كيان العدو الإسرائيلي.
تأتي كلها خطوات مجدولة مسبقًا، وأن تسريعها للوصول إلى خطوات وإجراءات جديدة، ووجود أو عدم وجود عوائق وموانع مفترضة لإحباطها تشكل مادة بحثية كتقدير موقف.
التعايش مع التهديد
يمكن تفسير هذه الخطوات بربطها بمدى قدرة الطرفين – العدو الإسرائيلي والجيب الانفصالي الصومالي – على تحقيق أهدافهما وما يشكله من تهديد للصومال واليمن والقرن الإفريقي والمنطقة.
الحالة الطبيعية أن تواجه حكومة الجيب الانفصالي تحديات داخلية سياسية وقبلية وشعبية واجتماعية تعبر عن نفسها بالاحتجاجات والرفض منذ اليوم الأول لإعلان العدو الإسرائيلي الاعتراف بـ”صوماليا لاند “، وأن يستمر ذلك لدفع الحكومة للتراجع ومنع الانتقال إلى خطوات جديدة.
لقد حصلت الاحتجاجات والرفض على المستوى الداخلي للجييب وعلى مستوى الصومالي بشكل كامل، لكنها توقفت ليس لأن هناك متغيرًا وتبدلًا في القناعات، بل بتأثير النمط التقليدي، وقد (أشرت إلى ذلك في ورقة تحليلية نشرت في مركز آفاق اليمن بتاريخ 23 فبراير 2026 – من دون الخيار العسكري لن ينجح ردع التهديد “الإسرائيلي ” للبحر الأحمر – الفقرة الفرعية أن النمط التقليدي العربي في الصراع يشكل عائقًا في طريق استخدام أي أوراق بديلة للعمل العسكري لمواجهة التهديد).
لا يمكن تفسير توقف الاحتجاجات والرفض الشعبي والقبلي والمجتمعي والسياسي المناهض – للاعتراف الإسرائيلي وتطبيع حكومة هرجيسا – من دون حصول الاحتجاجات على أهدافها، وبدلًا من ذلك الانتقال إلى التعايش مع خطوات أكبر من الطرفين “الإسرائيلي والانفصالي”.
بالامكان إيجاد تفسير يضع مسحة تبريرية غيركافية لبرود ردة الفعل الشعبية، وهي غياب المنظمات والهيئات السياسية والشعبية والاجتماعية، ومثلها المكونات والمرجعيات الدينية التي تستطيع تحريك الشارع وتصعيد ردود الفعل لدفع حكومة هرجيسا وحزب “وداني”، الذي أوصل “رئيس” الانفصال عبد الرحمن محمد عبد الله إلى قيادة الجيب، إلى التراجع عن الخطوات السابقة، ومن شأن ذلك أن يبطئ الإجراءات التي اتخذت خلال المدة الماضية.
سقوط هذا التحدي المفترض من دون تكلفة شجع إدارة هرجيسا على إجراء مزيد من الخطوات، مثلما شجع العدو الإسرائيلي على التسريع من برنامجه.
انعدام تأثير رفض الحكومة الفيدرالية في مقديشو
تحصلت الحكومة الفيدرالية في مقديشو على مبرر يمكنه أن يشكل إجماعًا وطنيُا وشعبيًا داخليًا، تستطيع بواسطته تغيير الوضع المفروض عليها – انفصال الإقليم – عندما تصنف ما قامت به إدارة هرجيسا تهديدًا لكل الصومال بتزخيم السخط الشعبي، وتحويله إلى ورقة ضغط، وصولًا إلى إشهار آليات وخيارات أخرى.
إن الاحتجاج الحكومي البارد واللجوء إلى “دبلوماسية المؤسسات الدولية ” وحتى الاتكال على ” الحلفاء ” تجمع الدول العربية والإسلامية لا تتناسب مع حجم التهديد الذي تشكله الخطوات “الانفصالية والإسرائيلية ” لاعتبارات متعددة، يجري سردها خلال بيانات “الإدانة والاستنكار”، بينها أن وجود كيان العدو الإسرائيلي على البحر الأحمر وبالقرب من باب المندب يشكل تهديدًا قوميًا بالغ الحساسية، ومن المفارقات أن الكيان وقيادة الجيب الانفصالي يقرون أن تنسيقًا أمنيًا سابقًا قد جرى بين الطرفين منذ زمن بعيد – تصريحات وزير حرب العدو يسرائيل كاتس خلال الزيارة التي أجراها “رئيس” الجيب الانفصالي عبد الرحمن محمد عبد الله إلى كيان العدو الإسرائيلي الأسبوع الماضي.
دعاية ناقصة
إحدى أبرز الأخطاء في الدعاية الحكومية وأيضًا بعض العربية والإسلامية والإفريقية تتعلق باستخدام عنوان وحدة الأراضي الصومالية ورفض انفصال أرض الصومال، والتركيز على هذا البعد فقط مع ربط محدود بتجريم العلاقة مع كيان العدو الإسرائيلي. إن هذه الدعاية بشكلها المعكوس والقاصر حيث يجري التصويب على مخاطر تقسيم الصومال وتهديد وحدته تهديدًا حقيقيًا، لكنه في المقابل صنع جدارًا استغلته حكومة هرجيسا؛ إذ إن دعايتها تقوم على فكرة أن الرفض الصومالي هو رفض “للاستقلال ” ” وتقرير المصير “، وليس للعلاقة والتطبيع مع كيان العدو الإسرائيلي.
من هنا فإن الترتيب الزمني للخطوات التي قام بها الطرفان ” الانفصالي والإسرائيلي ” يشير إلى التسريع النسبي، وهو في المقابل مؤشر واضح على أنهما لم يواجها معوقات وتحديات كانت مفترضة في الحالة الطبيعية، مع ذلك يمكن أن يتغير الأمر عندما تتكتل جهود مشتركة صومالية ويمنية وعربية وإسلامية في دفع الخطوات الإسرائيلية الانفصالية إلى الوراء، والعكس كلما تأخرت ردود الفعل تقلصت الفرص أمام معركة من هذا النوع الذي يشكل الوقت عاملًا مهمًا في حسمها أو خسارتها.
أهداف غير مشتركة وتهديد مشترك
أهداف كيان العدو الإسرائيلي وحكومة هرجيسا غير مشتركة في سقفها العالي، ما يسعى العدو الإسرائيلي إلى تحقيقه له بعد عسكري أمني استراتيجي مدمج، يصنف العدو منذ عقود منطقة البحر الأحمر “أمنًا قوميًا”، ولذلك فهو يعمل منذ ما قبل احتلال فلسطين عام 1948 أن يكون موجودًا في المنطقة ومغروسًا فيها، فوجود قاعدة عسكرية بالقرب من باب المندب يمثل هدفًا لا غنى عنه، وقد ازدادت أهمية ذلك منذ قطع اليمن لملاحة العدو الإسرائيلي خلال إسناد غزة 2023- 2024 – 2025 – 2026.
هذه التواريخ عند العدو الإسرائيلي تشكل انتكاسة غير مسبوقة كلما نظر إلى بوابته البحرية الوحيدة نحو الشرق، بينما هدف حكومة هرجيسا محدود حتى لو كان البحث عن الاعتراف – المنطق العقلي – يقول: إن اختيار البوابة الصهيونية لتحقيق ذلك خطأ كارثي، وفوق ذلك ليس هناك رابط بين الهدفين “الانفصالي والإسرائيلي”، ولأن مهندس التقارب يدرك ذلك فقد صنع هدفًا مشتركًا مؤقتًا…
أين يشتركون؟
رهان إدراة هرجيسا (والمرجح أن الفكرة إماراتية) أن العدو الإسرائيلي سيسعى “بكل الطرق الممكنة ” لتوفير قائمة من الدول التي يمكنها أن تعترف بحكومة الجيب الانفصالي، يفسر ذلك اندفاع إدارة الإقليم نحو تسريع الخطوات مع العدو الإسرائيلي.
بالطريقة نفسها الذي تكون فيها “هدف مشترك ” متباعد – قاعدة عسكرية مقابل توفير اعتراف – بين “الجيب الانفصالي والإسرائيلي “، يتكون كذلك تهديد مشترك – يتمثل في اليمن بعد أن أعلن اللجوء إلى الخيار العسكري لمنع أي وجود عسكري للعدو الإسرائيلي بالقرب من باب المندب.
إن حكومة هرجيسا التي تدير إقليم أرض الصومال منذ 1991 لم تكن تصنف اليمن تهديدًا، لكنها الآن تجعله التهديد الأول؛ إذ يوضع موقف اليمن الرافض لوجود العدو الإسرائيلي “تهديدًا لاستقلال ” الجيب الصومالي، يلتقي هذه التصنيف مع مخطط كيان العدو الإسرائيلي الذي يسعى للحصول على موضع قدم على البحر الأحمر لمواجهة اليمن بوصفه تهديدًا.
لقد جرى تصنيف تهديد اليمن باستخدام القوة العسكرية لمنع تموضع العدو الإسرائيلي “تهديدًا” وليس عائقًا، وفي الواقع فإن مواجهة اليمن بالنسبة لكيان العدو الإسرائيلي يشكل المحور المركزي من تحركه في القرن الإفريقي.
السيناريو المرجح
يرى العدو الإسرائيلي أنه لا وجود لعوائق تمنعه من تسريع تواجده على البحر الأحمر، وإذا كان خلال ما يقارب نصف عام قد رتب وجودًا علنيًا ورسميًا في إقليم أرض الصومال، فإن الخطوات التالية على الفور هي الانتقال إلى الترتيب العسكري والأمني، ولن يتأخر ذلك عن نصف العام المتبقي من 2026، ويترجح بناء على هذا السيناريو أن تكون المواجهة معه مطلع العام المقبل 2027، وقد تتقدم حتى نهاية العام الجاري 2026.
التوصيات
يقود ذلك إلى أنه في المدة التي تستعد فيها اليمن للمواجهات العسكرية مع العدو الإسرائيلي لمنع تموضعه في البحر الأحمر يتوجب الضغط على حكومة هرجيسا وإشعارها أن الخطوات التي تقدم عليها لن تكون من دون ثمن، بل إن ثمنها قد يكون تقويض الاستقرار في الإقليم والمنطقة بما يحمله ذلك من تهديد بإسقاط الانفصال مع وجود مبرر أمني وقومي ووطني ووجودي.