اليمن تحظر الملاحة السعودية من باب المندب… كيف وصلت الرياض إلى هذه الأزمة؟

اليمن تحظر الملاحة السعودية من باب المندب… كيف وصلت الرياض إلى هذه الأزمة؟

اليمن تحظر الملاحة السعودية من باب المندب… كيف وصلت الرياض إلى هذه الأزمة؟

اليمن تحظر الملاحة السعودية من باب المندب… كيف وصلت الرياض إلى هذه الأزمة؟
Picture of طالب الحسني

طالب الحسني

كاتب وباحث سياسي

مقدمة:

تاريخيًا لم تواجه السعودية تحديًا مماثلًا كالتحدي الذي يضعه اليمن أمامها بعد إعلان قطع الملاحة البحرية عن السفن السعودية من باب المندب؛ لدفعها إلى التخلي عن حصار اليمن بمساعدة أمريكية منذ 2015، لقد كان ذلك خلاصة نتائج صراعات متعددة طوال العقد الماضي، من بينها فشل العدوان السعودي الأمريكي على اليمن، وصولًا إلى فشل المحور الأمريكي منذ طوفان الأقصى أكتوبر 2023، ومن بين الأسباب المباشرة سوء تقديرات السعودية ورهاناتها الخاطئة على الحرب الأمريكية الإسرائيلية العدوانية على المنطقة.

الحصار الطويل بنتائج عكسية:

ينظر إلى التجمعات والاحتشادات الشعبية المؤيدة أو المعارضة مؤشرًا مهمًا على شعبية نظام ما أو حزب ما أو نهج ما، ولذلك يكون قبولها بحثيًا كميلة استفتاء، يزداد أهمية ذلك في مراحل شديدة الحساسية، بينها الحروب.

لقد اعتبرت المراكز البحثية الأمريكية والأوروبية وحتى الإسرائيلية على سبيل المثال أن التقديرات بسقوط نظام الجمهورية الإسلامية في إيران سيكون سهلًا؛ نتيجة من نتائج تداعيات الضربات الأولى في العدوان الأمريكي الإسرائيلي على عليها،  التي أدت إلى استشهاد السيد على الخامنئي في الـ 28 فبراير/شباط 2026، في حين أكد الواقع أن تلك التقديرات لم تكن خاطئة فحسب بل كان سوء تقدير؛ إذ إن استشهاد الإمام السيد الخامنئي قد أجج المشاعر الدينية والوطنية والقومية في إيران، ودعم صمود الجمهورية الإسلامية ووحدتها وقوة ردها العسكري، ولا يزال هذا الدعم مستمرًا، وتجلى في التشييع غير المسبوق تاريخيًا للإمام السيد الخامنئي.

تتطابق هذه الحالة مع الحالة اليمنية من جوانب كثيرة – على الرغم أن ذلك ليس جديدًا – فالاستجابة الشعبية والقبلية غير المسبوقة لدعوة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي للاحتشاد والمسيرات لدعم التوجهات السياسية والعسكرية لكسر الحصار السعودي لليمن، والتنديد بالعدوان السعودي الجوي على مطار صنعاء الدولي في الـ13 من يوليو الجاري لمنع هبوط طائرة إيرانية تحمل عشرات المواطنين العائدين، بالإضافة إلى الوفد الوطني الذي ذهب للمشاركة في تشييع السيد الشهيد الخامنئي، وهبطت الطائرة في مطار الحديدة.

الجانب الأهم في قراءة الحضور الشعبي الواسع في كل المحافظات اليمنية لا بد أن يرتبط ارتباطًا مباشرًا بسقوط أهداف الحصار الذي تتعاون فيه السعودية والولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية منذ 11 عامًا بالتزامن مع الحملات التحريضية والدعائية وبرامج الشيطنة للحركة والحكومة الوطنية اليمنية في صنعاء. إن المطلوب في التخطيط والتصميم الممنهج للحصار والتضييق الاقتصادي وتدمير المنظومة البنكية هو رؤية مشهد مغاير، سخط شعبي واسع، وتذمر تدريجي بين مؤيدي الحركة الوطنية، وصولًا إلى حالة يمكن معها أن يثور الوضع كأحد أبرز أهداف الحصار الذي لم يُعمل من أجل الحصار، بل لخلق تداعيات داخلية.

وهذا لا يعني بالضرورة انعدام التأثيرات الناتجة عن الحصار وانعكاسها في مظاهر كثيرة تستفيد منها السعودية، وقد تحددت الاستفادة بالقدرة على الاستقطاب المحدود باستثمار الحاجة المالية، وخصوصًا في صفوف “نخب” قديمة اعتادت على الامتيازات.

ومثلما أن الحضور الشعبي وقوته وحجمه يمثل استفتاء أعطى للسيد القائد عبد الملك بدر الدين والقيادات العسكرية والسياسية دعمًا لاختيار سقف عالٍ لتحقيق أهداف كسر الحصار والتحول المتوقع، وقد ركز السيد عبد الملك على تسميتها بمرحلة مفصلية، يتوجب أن يكون كذلك استفتاء تأخذه الرياض وواشنطن وعواصم أخرى لتقدير موقف صحيح من التعاطي مع اليمن، ومن المرجح أن يحدث ذلك، وأن ينعكس في السلوك السعودي والأمريكي إلى جوانب عوامل أخرى سابقة لا يمكن إغفالها.

 ننظر إلى هذا الشق المتعلق بالتحشيد الشعبي في الـ17 يوليو الجاري ودلالاته بوصفه عنصرًا من ثلاثة عناصر فاعلة ستحدد التطورات القادمة، وقبل الانتقال إلى العنصرين الثاني والثالث، يمكن تلخيص الاحتشاد فاعلًا رئيسًا في المواجهة بالنقاط الآتية:

التقييم الدقيق أن ينظر إلى الاستجابة الشعبية من زاويتين مختلفتين:

الأولى: أنها مؤشر على استمرار الدعم والثقة بالثورة وقائدها السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي على الرغم من حجم المعاناة الاقتصادية، ولكن في المقابل، لا يمكن إغفال الزاوية الثانية: أنها مؤشر على إجماع شعبي واسع لوضع نهاية للوضع الاقتصادي الراهن، والانتقال إلى إيجاد حلول حتى لو تطلب الأمر عودة الحرب الشاملة، وهو ما يجعل سقف الأهداف مرتفعًا ويمنع الوصول إلى نصف الحلول.

إن المحصلتين السابقتين تفرض سيناريو تصعيدي بالنسبة لصنعاء يقترب من أن يكون إجباريًا، يفسر هذا الاستنتاج إعلان القوات المسلحة اليمنية يوم الأحد 19 يوليو عن البيان الذي أعلن الاثنين 20 يوليو، وحدد قطع الملاحة السعودية بقاعدة الحصار بالحصار، وسنتوسع في هذا الجانب عندما نناقش الفاعل العسكري.

في المقابل أدى التحشيد الشعبي دورًا في إعادة التفكير بالاستراتيجية “الدعائية” التي تستخدمها السعودية على إثر شعورها بالإحباط حتى لو لم يكن ذلك معلنًا، والجهد والمال المقدم في “معركة تغيير الرأي ” لم يعطي نتائج، بل جاء بنتائج عكسية، ومع ذلك هناك أزمة عناوين دعائية لدى السعودية، وهي مسألة تحتاج إلى الكثير من التفصيل المستقل.

القوة العسكرية تكسر الحصار عندما ساء التقدير السعودي:

الفاعل الثاني في الاشتباك: يتمثل في القدرة العسكرية اليمنية على إحداث تدمير واسع للبنية التحتية في السعودية سواء كان ذلك المتعلقة بالطاقة أم المنشآت العسكرية والحيوية، ويزيد من خطورة ذلك أن الدفاعات الجوية التي ضاعفتها السعودية بمنظومات متعددة، وطالما أن “التهديد” الذي يمثله اليمن بحسب التصنيف السعودي موجود فإن المخاوف ستكون كبيرة من دون الحصول على حلول، وقد كان ذلك أحد الأسباب الرئيسة في رضوخ السعودية لتفاهمات أبريل 2022.

يمكن العودة هنا إلى المقاربات السعودية والأمريكية مع وجود اختلاف بين الرياض وواشنطن، ولكنها مقاربة أدت إلى خفظ التصعيد خلال الأعوام الماضية.

تكتيك فرضته ظروف وتغيره ظروف:

إن الأسباب التي قادت إلى تفاهمات أبريل 2022 بين صنعاء والرياض ارتبطت بوصول التحالف الذي تقوده السعودية بدعم أمريكي  منذ مارس 2015 للعدوان على اليمن إلى طريق مغلق أمام تحقيق الأهداف المعلنة أو غير المعلنة، التي تنتهي إلى إسقاط التحول الذي قادته حركة أنصار الله وتحالفاتها القبلية والسياسية في سبتمبر  2014، وهي نتيجة لم تكن متوقعة؛ إذ لم تتطابق حصيلة الحرب التي استمرت 8 سنوات – ما بين مارس 2015- أبريل 2022 مقابل تكلفة عالية عسكرية ومالية، وصولًا إلى تحول الهجمات اليمنية على السعودية ردًا على العدوان بوصفه مهددًا كبيرًا ومتصاعدًا يوجب احتواءه بالمسار السياسي.  

ويمكن تلخيص النتيجة حتى أبريل 2022 على النحو الآتي: 

  • التهديدات اليمنية العسكرية التي فرضتها اليمن على المصالح السعودية الاقتصادية– منشآت أرامكو النفطية – المنشآت الحيوية – المطارات – الموانئ – مؤسسات الطاقة الداخلية.
  • الفشل المتكرر للدفاعات الجوية السعودية، بما في ذلك التعزيزات التي قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، كنشر بطاريات ثاد 3 الخاصة بالتصدي للصواريخ الباليستية، والتدريبات المشتركة الأمريكية السعودية على مواجهة الطيران المسير.
  • إخفاق التحالف السعودي الأمريكي في تدمير القدرات العسكرية اليمنية الاستراتيجية.
  • التراجع الميداني للجبهات العسكرية التي تعمل لصالح التحالف.

لقد كونت هذه النتيجة ظروفًا معقدة فرضت على القيادة السعودية في الرياض البحث عن بدائل للخروج من الحرب في اليمن مع الحفاظ على القدر الممكن من الأدوات والشروط؛ للحصول على تسوية تتضمن مراحل طويلة المدى، تمنحها انسحابًا هادئا وقدرة على تأدية دور في المستقبل. قدمت خارطة الطريق مساحات مفتوحة وعملية متدرجة للحصول على خروج آمن، لكن مع عدم اليقين بإمكانية التأثير في تحول اليمن إلى ما تعتبره “تهديدًا لأمنها القومي”.

من هنا كانت دوافع السعودية للموافقة على تفاهمات أبريل 2022 ناتجة عن ضغوط عسكرية وحيوية قسرية لم تتمكن من تغييرها بالعمليات العسكرية والتحالفات الخارجية والداخلية، ومن ثَمَّ فإن المخاوف وليس الرغبات أسست للتحول السعودي من الاعتماد على القوة العسكرية إلى الدبلوماسية والمفاوضات، وإن ذلك يشير قطعًا إلى أن الرياض ستغير موقفها إذا حصلت متغيرات تهزم الظروف السابقة.

حصار الحصار… منع الملاحة السعودية من باب المندب:

مع إعلان القوات المسلحة اليمنية قطع الملاحة البحرية عن السعودية من باب المندب والحفاظ على الملاحة الأخرى فإن السعودية أصبحت على يقين الآن أنها أمام ذروة التصعيد العسكري، وأن الإفلات من الاستجابة ستكون معقدة.

من اللافت أن الرياض بدأت بعملية التفاف باستخدام الأدوات المحلية التي تعمل معها، ودفعهم إلى إعلان عودة تصدير النفط والتلويح بالتصعيد في الجبهات الداخلية، بينما حاولت السعودية التنصل من الحصار والإشارة إلى أنها لن تستجيب للضغط العسكري.

يفهم الموقف الأول والثاني في سياق واحد، وهو أنه يمكن التسوية عن طريق تصدير النفط، وتسليم جزء من العائدات للحكومة في صنعاء لتسليم المرتبات، وعندما لا تقبل صنعاء فإن السعودية ستمضي في حماية سفنها كما أشار بيانها العسكري.

هذه التسوية هي أقل من السقف الذي تضعه اليمن تمامًا، كما حدث في “المبادرة الأردنية ” التي تقول: إنها ستقوم بتنفيذ رحلات مدنية من وإلى مطار صنعاء الدولي _ كان الرد اليمني دقيقا؛ إذ لم يرفض المبادرة، ولكنه في المقابل لا يعتبرها كافية، وينسحب ذلك على الإشارة إلى معالجة الثروات.

لا تستطيع المجموعات التي تعمل مع السعودية أن تعيد تصدير النفط من المحافظات الجنوبية والشرقية إذا لم تسمح بذلك القوات المسلحة اليمنية والحكومة الوطنية التي أوقفت التصدير، وهددت السفن من الاقتراب من الموانئ النفطية في حضرموت وشبوة – قد تقوم مجموعة العليمي والسعودية بالمحاولة – لكنها لن تنجح، وتعتقد الرياض أنها ستستثمر ذلك في الدعاية.

المسار العسكري التصعيدي المتمثل الآن في حظر الملاحة عن السعودية وإيقاف تصدير ما يقارب 7 ملايين برميل من النفط وتداعياته بالتزامن مع استمرار الفشل الأمريكي في فتح هرمز سينجح يمنيًا، ويخلق الضغط المطلوب. في المقابل تفكر السعودية في خيارين:

الأول: أن تجرب استخدام العمليات العسكرية الجوية بالتزامن مع تحريك الجبهات الداخلية في توقيت واحد، وتراهن السعودية على الجهود التي بذلتها منذ سنوات في تشكيل معسكرات في مناطق متعددة من الجغرافية اليمنية، أبرزها 4 معسكرات:

  1. المعسكر التقليدي: (الإصلاح والألوية التي كانت تقاتل مع هادي في السابق).
  2. معسكر ما يسمى “العمالقة”: (المجموعة السلفية والانفصالية).
  3. معسكر ما يسمى “درع الوطن” (القوات السلفية المنتشرة في مناطق متعددة أغلبها في المحافظات الجنوبية).
  4. معسكر طارق صالح في الساحل الغربي.

الثاني: اعتبار قطع الملاحة تهديدًا للملاحة “الدولية ” في باب المندب، ومن ثَمَّ استدعاء تعاون عسكري أمريكي وحتى أوروبي على غرار التحالفات السابقة ” حارس الازدهار” وتتجاهل السعودية في هذا الخيار الفشل السابق.

وعلى الرغم أن هذه احتمالات أقل قوة من الاحتمال السابق، لكن لا يمكن استبعاده.

هل هناك خيار ثالث؟

في الواقع هو الخيار الأكثر ترجيحًا، وهو خيار تعتقد السعودية أنها سوف تنتزعه من تجريب الخيارات السابقة، أي دفع اليمن إلى القبول بتسوية أكبر من ” خارطة الرياض ” وأقل من السقف المطلوب.

الدمج بين الخيارات الثلاثة يعود إلى عدم قدرة السعودية في الثقة بالخيار العسكري؛ لأسباب يمكن تلخيصها في ثلاثة عناصر:

  • أن استخدام القوة لكسر الحظر اليمني للسفن السعودية يقود إلى توسع الحرب، مما يؤدي إلى استهداف العمق السعودي بما في ذلك الطاقة والموانئ.
  • التعويل على تحريك جبهات الداخل شبه مستحيل؛ لأن ذلك يحتاج إلى مدة زمنية طويلة، وقد لا تنجح، بينما ستكون ردود الفعل العسكرية اليمنية التي تستهدف السعودية سريعة وحاسمة وتداعياتها وخيمة.
  • الوضع الإقليمي والدولي والفشل الأمريكي في المنطقة والاستنزاف الذي تعانيه الولايات المتحدة الأمريكية جراء الحرب الطويلة والخاسرة مع إيران.

إنها ذاتها العوامل والظروف التي جعلت عودة السعودية إلى الحرب معقدة بعد أن كانت تراهن على نتائج انخراط اليمن في طوفان الأقصى وما بعده.

رهان ما بعد السابع من أكتوبر الفلسطيني:

وعلى الرغم من أن السعودية لم تشارك علنيًا في التحالفات التي أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية على غرار ” تحالف حارس الازدهار وحماية الملاحة ” تحالفًا عسكريًا بحريًا متعدد الجنسيات (أعلنه وزير الحرب الأمريكي لويد أوستن في 19 ديسمبر 2023 من البحرين)، وأنيط بالتحالف عمليات دفاعية؛ بهدف فتح الملاحة البحرية للسفن الإسرائيلية، لكنه ما لبث أن  تحول لاحقًا إلى هجومي، نفذ حملات جوية واسعة على اليمن، إلا أن الرياض قدمت مساعدات بينها لوجستية وأمنية مخابراتية للتحالف، وقد  فعلت ذلك خلال ثلاثة مراحل، مع إدارة بايدن، ومع إدارة ترامب، ومع العدو الإسرائيلي.

إن هدف هذه المشاركة أعاد مرة أخرى وضع أهدافها في العام 2015  بخلفيات تتجاوز ما تعتبره ” أمنها القومي والحيوي ” إلى تثبيت معادلة جديدة للشرق الأوسط ضمن إسقاط محور المقاومة، في المقابل أكدت صنعاء أنها تجاوزت التهديدات التي يشكلها التحالف الذي تقوده السعودية، كان من شأن ذلك أن يضع السعودية أمام رغبة أكبر في الحفاظ على خارطة الطريق، لكنها اتجهت إلى مسار مغاير يقوم على قاعدة أنه بحسب تعريف الرياض ” المجتمع الدولي ” أكثر استجابة إلى القلق من التحول في اليمن إلى تهديد استراتيجي يتجاوزها إلى دول المنطقة، بل والعالم، مستشهدة بعمليات اليمن في البحر الأحمر وباب المندب.

يقود هذا الاستنتاج مرة أخرى إلى أن التطورات في الشرق الأوسط بسبب المواجهة مع كيان العدو الإسرائيلي ومشاركة الولايات المتحدة الأمريكية وتداعياته “المحتملة بتقدير السعودية ” بما في ذلك تراجع قدرة اليمن ومحور المقاومة بشكل كامل تغير من قبولها بخارطة الطريق مع اليمن.

التهديدات باقية… المخاوف مستمرة:

عند حساب نتائج العمليات العسكرية الجوية العدوانية على اليمن، الأمريكية البريطانية المشتركة 2023-2024 والعمليات الأمريكية خلال إدارة ترامب خلال مارس – أبريل – ما يوم 2025 وصولًا إلى هجمات العدو الإسرائيلي، فإن الحصيلة الفعلية لا تزال بعيدة عن تحقيق أبعاد المخاوف السعودية من اليمن، وهو ما يعني أن “التهديدات” بحسب تصنيف الرياض لا تزال باقية مع تقدير آخر أنها “تقلصت”.

سلم التهديدات مرتب على النحو الآتي:

  • السلاح الاستراتيجي (صواريخ – طيران مسير).
  • القيادات العسكرية من الصف الأول.
  • طرق التهريب (اعتقاد سعودي أمريكي) مع عدم استبعاد قدرة اليمن على التصنيع الحربي الاستراتيجي.

إن التخلص من هذه التركيبة بدت مستعصية على الرغم من استخدام الولايات المتحدة الأمريكية قاذفات الـ B2 في العدوان على اليمن، بالإضافة إلى تكثيف أعداد الخلايا التجسسية؛ للوصول إلى القيادات العسكرية، ولذلك بقيت عمليات تشديد الحصار ومراقبة ما يعتقدون أنها ” طرق تهريب للأسلحة ” مستمرة.

هذا السلوك كان تحت الرقابة طوال المدة الماضية، وكان المرجح أن ما تقوم به الرياض في هذا التوقيت الذي يتسم بعدم اليقين يبقيها في حالة تردد كبيرة، وهي مرحلة مختلفة عن المرحلة التي تلت تفاهمات أبريل 2022، ويمكن تقسيم السلوك السعودي في المدتين في الجدول الآتي:

ما بعد تفاهمات أبريل – 2022ما بعد طوفان الأقصى أكتوبر 2023نوع السلوك
تجميد أي نشاط يهدد التفاهمات من الدرجة الأولى ( البنوك – المطار – الموانئ )التستر خلف العقوبات الأمريكية الاقتصادية ( البنوك – المطار – الموانئ )تصعيد
التوقف عن الترتيبات ذات البعد العسكريالتحرك والانتقال إلى عملية الاستقطاب والتسليح والتجنيدتصعيد
محاولة تمديد حالة “اللاحرب واللاسلم”وضع شروط جديدة على خارطة الطريقتصعيد
الرهان على الفوضى الداخلية في صنعاء نتيجة الأوضاع الاقتصاديةتكثيف العمل على تحريك الفوضى والاضطراباتتصعيد

يصف الجدول السلوك السعودي فيما يتعلق بتفاهمات أبريل 2022.

مناورة لا ترميم سعودي لخارطة الطريق:

مما سبق يتضح أن اليمن أدرك في الأشهر الأخيرة من العام الماضي 2025 أن إعادة السعودية إحياء مباحثات مرتبطة بخارطة الطريق وتفاهمات أبريل 2022 تكتيك يمدد الحالة الراهنة مع الانتقال إلى مخالفات جسيمة للتفاهمات؛ بهدف الإسهام في إحداث فوضى وزعزعة للاستقرار يجري انتظارها نتيجة للحصار والعقوبات والتضييق واستهداف المنظومة البنكية، ريثما تتحقق متغيرات تقود إلى تفضيل العودة إلى الحرب والعدوان على اليمن.

هذا التقدير من شأنه أن يشرح المساحة التي تتحرك فيها السعودية تجاه خارطة الطريق تكتيكًا:

  • لن تكون الرياض جادة في تطبيق بنود التفاهمات.
  • تفضيل تمديد الحالة الراهنة مع تكثيف الحصار والتطويق الاقتصادي.
  • تستبعد أن تبدأ صنعاء بالعودة للحرب (استنادًا إلى الاعتقاد بتراجع محور المقاومة).

تلخص النقاط السابقة اتجاه الرياض إلى مناورة تبقي تفاهمات أبريل 2022 معلقة، وتعتقد أن إدارة ترامب الجمهورية المتشددة أكثر استجابة من إدارة بايدن لناحية استخدام الضغوط الاقتصادية وتشديد الحصار على اليمن، بدءًا من إعادة ترامب تصنيف حركة أنصار الله “منظمة إرهابية أجنبية “، وصولًا إلى إيعاز السعودية لما يسمى ” الحكومة الشرعية ” بالضغط لنقل عدد من البنوك الأهلية من صنعاء إلى عدن، وهو إجراء يكسر تفاهمات أبريل، لكن الرياض “تذرعت” بأن ذلك إجراء مدفوع من الولايات المتحدة الأمريكية.

ينسحب الأمر نفسه على استهداف مطار صنعاء الدولي وعرقلة الرحلات الجوية منه وإليه وفقًا لخارطة الطريق، والاستهداف المتكرر لموانئ الحديدة والتضييق على القطاع التجاري الخاص لوقف الإبحار إلى الموانئ.

التوقيت فاعل ثالث:

إن اختيار هذا التوقيت لعملية كسر الحصار مبني على مقاربة دقيقة تقف على الاستنتاج أن خنق السعودية والطاقة بالتزامن مع التطورات الإقليمية والفشل الأمريكي في إيران، وحاجة العالم إلى الطاقة ومخاوف السعودية من أي تصعيد عسكري مع تراجع المحور الأمريكي، بما في ذلك القدرات العسكرية الدفاعية أو ما يشار إليها بالـ “المظلة الأمنية الأمريكية ” هو أفضل بكثير من تأجيل هذا الخيار إلى وقت لاحق.

وفي الوقت نفسه فإنه خيار ملح بالنظر إلى التأثيرات التي سببها الحصار على الواقع المعيشي والتعقيدات التي تركها على قدرة الدولة في إدارة شؤونها، ولذا فقد بدا خيارًا إجباري أيضًا، وقد انعكس هذا التقدير في خطاب قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي في الـ 2 يوليو الجاري حين تحدث عن الوضع الاقتصادي وأضراره وتداعياته.

الخلاصة: أن التطورات المقبلة تعتمد على سلوك السعودية في التعامل مع مأزق شديد الحساسية لا يمكن التعامل معه بسوء تقدير مثلما فعلت في السابق، وبالنسبة لليمن هو خيار لا رجعة عنه؛ إذ إن التراجع يعني الدخول إلى طبقات متعددة التحديات.