حرب الرياض الظالمة على اليمن: هل ستنقذ دول «اتفاق مكة» النظام السعودي؟

حرب الرياض الظالمة على اليمن: هل ستنقذ دول «اتفاق مكة» النظام السعودي؟

حرب الرياض الظالمة على اليمن: هل ستنقذ دول «اتفاق مكة» النظام السعودي؟

حرب الرياض الظالمة على اليمن: هل ستنقذ دول «اتفاق مكة» النظام السعودي؟
Picture of مركز آفاق اليمن

مركز آفاق اليمن

للأبحاث والدراسات

أقرت الرياض مؤخرا بتوفير غطاء جوي كثيف لتحركات فصائل يمنية موالية لها ضد قوات صنعاء في محيط باب المندب ومديرية ذوباب الساحلية التي سيطرت عليها قوات صنعاء مؤخرا، وكان لافتا تبرير الرياض للعملية العسكرية التي سميت “فجر اليمن” في 5 أكتوبر/ تشرين الثاني 2026، بادعاء الدفاع عن النفس إلى جانب تبريرات أخرى دأبت الرياض على تكرارها مثل إعادة الاستقرار لليمن ودعم الحكومة الموالية لها وحماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر. هذا الادعاء، رغم ما ينطوي عليه من مغالطات كبرى، هو مؤشر على أن سياسة النأي بالنفس التي انتهجتها الرياض في السابق لتقديم المواجهات في اليمن كحرب داخلية بين أطراف يمنية، باتت تتعرض لاختبار عنيف يُمّهد لإعادة التعريف بما يجري في اليمن – إقليميا ودوليا – بوصفه مواجهة مباشرة بين صنعاء والرياض لا صراعا محليا متعدد الأطراف، ويستدعي من القوى الإقليمية المعنية باتفاق مكة (تركيا وباكستان) القيام بجهد استثنائي لعقلنة تصرفات الرياض وحثها على ترجمة شعورها بالانكشاف الأمني والملاحي أمام التصعيد اليمني الحالي إلى سلوك واقعي يقود لحوار بنّاء وسلام عادل مع جيرانها اليمنيين، عوض المضي في خيارات عدمية لن تجني الرياض من ورائها سوى المزيد من الكوارث والعواقب الوخيمة.

ولئن كانت الرياض ترفض التعلم من دروس الإنكار التي مارستها في الماضي، فإن على المجتمع الإقليمي عدم تكرار نهجه الخاطئ في النأي بالرياض عن المعاناة الكبيرة التي يشهدها اليمن، سيما أن البيئة الإقليمية والدولية الحالية لم تعد تحتمل تكرار مثل تلك الأخطاء أياً كانت المبررات الشكلية التي تستند إليها والناتجة أساسا عن سوء تقدير فاضح وتجاهل مقصود للحقائق الناصعة والمعطيات الجديدة التي تتشكل على الأرض. فالسعودية على سبيل التوضيح والتنويه معاً هي من يدفع الكلفة الباهظة لهذه المواجهة مع صنعاء من مصالحها النفطية وسمعتها الإقليمية ومن مستقبل ازدهارها الاقتصادي واستقرار نظام الحكم فيها، في مقابل قوة يمنية صاعدة (حكومة صنعاء) سبق لها أن دفعت كلفة هذا الصعود مقدما على مدى اثني عشر عاما، وهي الآن تستثمر في نتائجه من أجل مصالح شعبها.

ومما هو جدير بالانتباه إليه وأخذه في الحسبان أيضا من قبل دول اتفاق مكة، التقدير السليم لأبعاد التغيرات الميدانية التي تفرضها حكومة صنعاء في الأرض على مسار المواجهة المحتدمة مع الرياض، فحكومة صنعاء تمكنت في غضون شهر واحد تقريبا من استعادة نحو 8000 آلاف كيلو متر مربع من الأراضي اليمنية التي كانت خاضعة لسيطرة قوى يمنية تابعة للرياض، مضيفة بذلك إلى كتلتها السكانية الكبيرة (أكثر من 70% من اليمنيين موجودين تحت سلطة صنعاء) ما لا يقل عن ثلاثة ملايين يمني هم قاطني تلك الأراضي. وكأي حكومة تشعر بالمسؤولية العامة تجاه مواطنيها، وبواجبها في توفير مستلزمات الحياة الأساسية لهم من خدمات ورواتب ونحو ذلك، تضيف حكومة صنعاء إلى دوافعها للمواجهة دافعا أقوى، وتكتسب مشروعية أكبر لاتخاذ خطوات تصعيدية قصوى لإيقاف تلاعب الرياض بحياة كل هذه الملايين من اليمنيين التواقين للعيش الكريم، ورفع الحصار والتجويع الجائر عنهم، وإنهاء سلسلة الحروب العبثية والفوضوية التي تمولها الرياض وتحرك خيوطها المدمرة دون حسيب أو رقيب، وتحقيق الاعتراف الناجز بحق اليمنيين في بسط السيادة على ثروات بلادهم ومقدراتها، والعيش بكرامة على أرضها معتمدين على خيراتها دون تبعية لأحد. ومالم يُفتح أمام صنعاء أفق سلام حقيقي وعادل يعيد الحقوق إلى أهلها ويرفع يد الرياض عن الشؤون السيادية لليمنيين فإن المواجهة مع الرياض لن يكون لها خيار آخر سوى النصر أو الهزيمة.

بطبيعة الحال، لا ترغب صنعاء في الوصول بعلاقتها مع دولة جارة ومسلمة إلى نقطة صفرية كهذه، لكن الأمر يتوقف على استعداد الرياض لاستيعاب هذه الحقيقة وتركها تتجسد عبر مسار جاد وآمن للحوار الندي، وهنا يمكن القول إن التحرك اليمني الذي تقوده صنعاء في مواجهة التعنت السعودي الذي طال أمده ليس تصعيدا أعمى للنيل من سيادة السعودية وسلامتها الإقليمية، أو لتقويض أمنها القومي وإذلالها وفرض الاستسلام عليها، بل هو تصعيد دفاعي يهدف إلى إحداث تغيير في سلوكها العدواني تجاه اليمن، ويقترن بقائمة مطالب إنسانية ووطنية تتيح نافذة واسعة للسلام بين البلدين لكونها مطالب واقعية وغير جديدة على الرياض، بل إن الرياض سبق ووافقت عليها في منتصف العام 2023 عبر الوساطة العمانية.

إن إقرار الرياض رسميا بتدخلها العسكري ضد قوات صنعاء بعد أربع سنوات من خفض التصعيد، وتبنيها الكامل لعملية جوية وبرية داخل الأراضي اليمنية، وانخراطها المباشر في تلك العملية عبر مئات الغارات الجوية وعشرات الخبراء العسكريين والمجندين السعوديين، وجلب المئات من الآليات والمعدات العسكرية الهجومية، واستقدام مقاتلين ومرتزقة عرب وأجانب إلى اليمن للتعويض عن فشلها وضعفها هي وقائع صارخة تدلل على استمرار النهج الاستعلائي التدميري للسياسة السعودية تجاه اليمن، ويجب على باكستان وتركيا فهم وتفكيك مركب الغرور والاستعلاء والنزعة المقيتة للوصاية على اليمن في السياسة السعودية كي تتجنبا السطحية في أدوار الوساطة التي تحاولان القيام بها بين الرياض وحكومة صنعاء.

خلال الأسابيع القليلة الماضية قامت باكستان بدور دبلوماسي حاولت فيه التوسط لإيقاف التصعيد القائم، لكن ما يؤسف له حقا هو أن باكستان سلكت طريقا التفافيا بطرق أبواب طهران أولا، ظنا منها أن مفاتيح الحل توجد هناك لا في صنعاء التي قال الإيرانيون أنفسهم إنها تملك قرارها المستقل، وبحسب ما تداولته مصادر مطلعة، فإن لقاءات باكستانية بممثلين عن حكومة صنعاء، لم تتجاوز وفق هذه الروايات نقل رسائل “سعودية” اتسمت بلهجة متشددة تطالب صنعاء بالتراجع عن المكاسب السيادية التي حققتها قواتها في الساحل الغربي وباب المندب، مقابل فتح مسار سلام تحيط به شكوك جدية بشأن موثوقيته، والقبول بوقف مؤقت لإطلاق النار من دون تقديم التزام سعودي علني بالاستجابة للمطالب الإنسانية التي تطرحها صنعاء.

من الواضح أن إعراض نظام إسلام آباد عن إدراك التغيرات وفهم الحقائق المتعلقة بعدالة القضية اليمنية، علاوة على تبنيه المطلق للموقف السعودي بصورة تمس بمكانة باكستان كدولة إسلامية كبيرة، انتهى به إلى خسارة مبكرة لدوره كوسيط نزيه لا كطرف في مواجهة خاسرة مع اليمنيين، رغم تعهداته السابقة بالتزام الحدود الدفاعية لاتفاق مكة، وبينما تبدو صنعاء ماضية في خياراتها التصعيدية لانتزاع حقوق الشعب اليمني مهما كلف الأمر، فإنها ستبقي باب السلام مفتوحا أمام أدوار الوساطة الأخرى، بما في ذلك التركية والصينية التي من المحتمل أن تكتسب زخما أكبر كلما ابتعدت أنقرة عن التورط في حرب الرياض العبثية ضد اليمن، وكلما تراجعت بكين عن حذرها المبالغ فيه في التعامل مع ملفات المنطقة الساخنة.