مما لا شك فيه أن الهجرات اليمنية تعد من أقدم الهجرات في العالم، وربما تكون الأقدم على الإطلاق، وذلك بإجماع عدد من الباحثين والمـؤرخين الذين أكدوا على أن الهجرات اليمنية بدأت منذ العصور القديمة من منافذ البحر الأحمر، وتكثفت في مراحل تاريخية مختلفة، فيما تذكر بعض دراسات أخرى أن الهجرات المبكرة لليمنيين بشكل خاص نحو شرق إفريقيا بدأت قبل الميلاد، وتزايدت بين القرنين الخامس عشر والثالث قبل الميلاد في عهد دولتي معين وسبأ.
وأسهمت التغيرات المناخية، وجفاف بعض المناطق في اليمن، إضافة إلى انهيار سد مأرب، في دفع أعداد من اليمنيين للهجرة نحو السواحل الإفريقية وجنوب بلاد البجا (قبائل تعيش في شرق السودان)، ووادي النيل، وكانت طرق الهجرة التي استخدمها المهاجرون البحر الأحمر بوصفه المنفذ الشرقي الأقصر والأقدم الذي سلكته القوافل.
وفي هذه المقام محاولة لإلقاء الضوء على جزء من الهجرات اليمنية والحضرمية نحو السودان وشرق القارة الإفريقية.
التي بدأت في العصور القديمة كما أسلفنا، واستمرت عبر العصور الإسلامية والحديثة لتشكل جسرًا حضاريًا وثقافيًا واقتصاديًا عميقًا.
جسور العلاقة بين الهجرات اليمنية وشرق إفريقيا:
يُذكر أن جذور العلاقة بين الهجرات اليمنية وشرق إفريقيا تعود إلى عهود الممالك اليمنية القديمة، مثل مملكة أوسان ومملكة سبأ؛ إذ نشطت الرحلات البحرية التجارية نحو الساحل الإفريقي.
ومما يذكر أيضًا أن القرن السادس قبل الميلاد شهد موجة من الهجرة إلى شرق إفريقيا؛ نتيجة حملة عسكرية قادها “كرب إل وتر” ضد مملكة أوسان في الجزء الجنوبي الغربي من اليمن، وأباد هذه المملكة؛ فلجأ حكامها ومواطنوها إلى الهروب من طريق البحر كما ورد في نقش النصر الذي سجله بعد الحملة، وربما لا يزال حتى اليوم في صرواح، وذكر أن الهجرة تضمنت قيادات عسكرية وإدارية وخبرات زراعية ومهندسين؛ إذ نقلوا تفوقهم وخبراتهم التي لم تكن متوافرة في شرق إفريقيا، ومنها الكتابة وتقنيات الزراعة، كاستخدام المحراث والسدود ونظام الري، وتمكنوا من كسب ودِّ السكان الأصليين والسيطرة عليهم وإدارتهم، وأقاموا مملكة أكسوم في الحبشة.
نشر الإسلام واللغة العربية:
من خلال هذه الهجرات، أسهم المهاجرون والتجار اليمنيون في نشر القيم الإسلامية واللغة العربية في مناطق واسعة من القرن الإفريقي وساحل شرق إفريقيا كإريتريا وجيبوتي والصومال وزنجبار؛ إذ اندمج المهاجرون اليمنيون بشكل إيجابي في المجتمعات الإفريقية والسودانية، وأسهموا بفاعلية في التنمية الاقتصادية ونقل الثقافة، وبناء جسور التواصل الاجتماعي.
وتأكيدًا لما سبق حول علاقة اليمن بالساحل الشرق إفريقي، يشير البروفيسور صالح باصرة – رحمه الله – إلى أن علاقة اليمن بالساحل الإفريقي بدأت منذ عهد مملكة أوسان؛ إذ تحركت هجرات يمنية إلى الساحل، ومنه تسلقوا الهضبة الواقعة خلفه، ونشأت في هذه الهضبة المعروفة بهضبة الحبشة جاليات ظلت في بادئ الأمر على صلة بالوطن الأم، وقد جاء أولئك المهاجرون إلى الأرض الجديدة بمظاهر حضارتهم المتفوقة على حضارة السكان المحليين، لا سيما في مجالات الفن والمعمار وصناعة الأسلحة.
وتجدر الإشارة إلى أن الهجرة اليمنية الثانية إلى شرق إفريقيا – لا سيما إلى منطقة القرن الإفريقي – ارتبطت بالفتوحات الإسلامية في زمن الخلافة الراشدة والعصر الذهبي للخلافتين الأموية والعباسية، وأسهم اليمنيون مع غيرهم من عرب الجزيرة في بناء النفوذ العربي الإسلامي في أجزاء مما كان يعرف ببلاد الحبشة، وعلى وجه الخصوص في إريتريا والصومال.
وشارك اليمنيون أيضًا في فتح بلدان شمال إفريقيا، وقد أسهم ذلك الفتح وأسلمة شمال إفريقيا في توسيع رقعة الوجود العربي الإسلامي في شرق ووسط إفريقيا، كما أسهمت الهجرة الثانية وبدايات الهجرة الثالثة في توسيع الوجود العربي في شرق إفريقيا، وكذا في نشر وتعميق جذور الدين الإسلامي في المنطقة، لا سيما في الساحل الشرقي لإفريقيا الممتد من مصوع في إريتريا، إلى زيلع وبربرة ومقديشو ومركا وكسمايو في الصومال، إلى مناطق أخرى في كينيا وتنزانيا وزنجبار وموزمبيق، وقد أسهم المسلمون العرب في مصر والسودان في تعزيز الدور اليمني والعماني في نشر الإسلام في سواحل ووسط شرق إفريقيا، وتكونت على الشريط الساحلي إمارات وسلطنات إسلامية، وكان معظم حكامها من العرب، وعلى وجه الخصوص من ذوي الأصول الحضرمية.
وقد وردت إشارات إلى وجود جماعات من الحضارمة عبروا البحر الأحمر إلى ساحله الإفريقي في القرن السادس الميلادي، ثم اختلطوا بقبائل البجا، وكوّنوا طبقة حاكمة خضع لها البجا، وقد عرفوا عند العرب “الحداربة” الذين استقروا في إقليم العتباي في الشمال، ثم اضطروا إلى الانتقال جنوبًا في القرن الخامس عشر الميلادي؛ إذ أسّسوا مملكة البلو “مملكة بني عامر” في إقليم طوكر السوداني.
أشهر أسواق العرب في الجاهلية:
يذكر هاني عبد الحميد كرد في “هجرة أهل اليمن إلى السودان” أن أهل اليمن كان لهم دور مهم على مدى التاريخ في عدد من المجالات التجارية وغيرها، وكانت مناطقهم جاذبة؛ لأنها مركز تجاري، وتوجد بها بعض من أشهر أسواق العرب في الجاهلية، وكذلك لأن جنوب شبه الجزيرة العربية غني بموارده المائية والزراعية إذا ما قيس بالمناطق الوسطى أو الشمالية، وهذه الأمور جعلت اليمن منطقة تتجمع فيها التجارة من كل الأنحاء.
وينقل حسن صالح شهاب عن المرزوقي قوله: ” أن تجار البحر لترجع بالطيب المعمول في عدن، وتفخر به في السند والهند، وترتحل به تجار البر إلى فارس والروم، ومن خلال هذا الموقع البحري المهم قام أهل اليمن القدماء بدور التاجر والوسيط، واشتهرت عدن سوقًا تجارية كبيرة، مما جعلها بمقام حلقة الوصل بين قارات العالم القديم، فكانت مرفأ لمراكب تجار الهند، ولهذا أدركت مملكة أوسان هذه الأهمية، واستطاعت أن تحتكر حركة التجارة وتطورها، وامتدَّ النشاط التجاري إلى أن وصل إلى سواحل إفريقيا حيث كانت تجارة أوسان البحرية مع إفريقيا”.
مما سبق نستطيع القول: ن طبيعة تحرك سكان اليمن إما مرتبط ارتباطًا قويًا بالتجارة في المحيط الهندي والبحر الأحمر، وإما مرتبط بالغزو، كما أشار لذلك بعض الباحثين، وهذه الأمور جعلت اليمنيين يرتبطون ببلادهم ارتباطًا قويًا، ولم يكن البحث عن هجرات وأراضٍ بديلة أولوية في كل الأحوال.
يقول جواد علي في المفصل: إن بعض الباحثين استدلوا من مؤلف ” الطواف حول البحر الإريتري” على الساحل الإفريقي الواقع شمال “بمبا” وزنزبار “زنجبار” اسم الساحل الأوساني عليه، على أن الأوسانيين كانوا قد حكموه ونزح بعضهم إليه فسكنوه، فصار تابعًا لأوسان، ولا يمكن حدوث ذلك لو لم يكن الأوسانيون أقوياء ولهم أرض واسعة في اليمن ذات عدد كبير من السكان بحيث يسمح لهم بالاستيلاء على الساحل الإفريقي، ويرجح العلماء زمن حكم الأوسانيين لذلك الساحل الإفريقي إلى ما قبل سنة ٤٠٠ ق. م، مع أن مملكة أوسان كانت من الممالك الصغيرة، إلا أنها كانت ذات أهمية؛ إذ كانت تمتلك الساحل الإفريقي وتتاجر مع سكانه.
ويشير الدكتور أحمد إلياس حسين في مقال تحت عنوان ” الهجرات العربية إلى السودان قبل الإسلام” إلى أن عرب جنوب الجزيرة ” اليمن” قد أسّسوا مراكز تجارية، وكانت لهم جاليات في مناطق كثيرة على سواحل المحيط الهندي، ولكن ارتباطهم بالوطن الأم كان قويًا، بمعنى أن النشاط التجاري لليمنيين لم يكن وَسيلة للهجرة، بل كان عاملًا لانتعاش سواحلهم التي كانت توفر سبل الحياة والثروة أكبر بكثير مما كانت توفره سواحل البحر الأحمر القريبة أو المناطق الداخلية لتلك السواحل؛ لذلك اهتم العرب بالبحر الأحمر، وأقاموا الموانئ هنا وهناك على السواحل الغربية من أقدم العصور، وأسهمت تلك الموانئ في طرق التجارة العالمية، ولكن لم تتكون مستوطنات أو ممالك عربية أو مراكز تجارية كثيرة على سواحل البحر الأحمر مثل تلك التي قامت علي سواحل شرق إفريقيا.