واشنطن وطهران… أربعة سيناريوهات في مفاوضات «حافة الهاوية»

واشنطن وطهران... أربعة سيناريوهات في مفاوضات "حافة الهاوية"

ورقة تحليلية │ 5 فبراير 2026

بعد وصول مستوى التوتر بين واشنطن وطهران إلى ذروته بحشود عسكرية أميركية غير مسبوقة في المنطقة، واستعدادات إيرانية على مختلف المستويات، وتهديدات متبادلة، أعلنت طهران صدور أمر من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بالانخراط في مفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية حول البرنامج النووي الإيراني.

جاء أمر الرئيس الإيراني بعد ساعات من تحرك جهود وساطة إقليمية، شاركت فيها قطر وعُمان وتركيا ومصر والسعودية؛ لمنع تصعيد الصراع في أول اختراق دبلوماسي حققته جهود الوساطة الإقليمية؛ لتبريد سخونة التوتر المشتعل في المنطقة.

وطبقا لما أُعلن فالمُرجح أن تجمع المفاوضات المرتقبة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، فيما أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن طهران تدرس تفاصيل مختلف المسارات الدبلوماسية لمعالجة التوتر مع واشنطن، بعد “رسائل متبادلة” بين البلدين، نقلتها دول المنطقة ([1]).

المنتظر أن تستضيف مسقط ([2]) يوم الجمعة 6 فبراير الجاري أول جلسة مفاوضات تجمع مسؤولين من طهران وواشنطن لم تعلن تفاصيلها حتى الآن، غير أن التقديرات تشير إلى احتمال أن تشهد مفاوضات مباشرة حول الملف النووي.

معطيات التحول المفاجئ… من المواجهة إلى الحوار

كان التحول الإيراني المفاجئ تجاه المفاوضات مع واشنطن من “الرفض القاطع” إلى “الانخراط في التفاوض” حدثًا مفصليًا في مسار الأزمة المستمرة منذ سنوات، لكنه لم يكن بمعنى الاستسلام قدر ما كان انحناء تكتيكيًا أمام العاصفة لتلافي التداعيات الأسوأ.

ذلك أن الضغوط على طهران وصلت مؤخرًا إلى مستويات قياسية، بالحشود العسكرية الأميركية غير المسبوقة في المنطقة، التي تزامنت مع موجة احتجاجات شعبية واسعة، بدت ضمن أسباب أخرى خارجية مدفوعة بانهيار العملة، وتدهور الأحوال المعيشية والآثار التي خلفتها العقوبات الأميركية والدولية، وحاجة طهران إلى التخفيف منها لتحسين الأوضاع الداخلية والحفاظ على الاستقرار.

وعلى أن هذه الضغوط لم تكن جديدة بالنسبة لإيران التي خبرت التعامل مع أزمات كهذه، إلا أن ضغوط الأشهر الأخيرة كانت أكثر حدة مع تصاعد الخطر العسكري الماثل بالحشود الأميركية العسكرية في المنطقة، وهو المتغير الذي دفع طهران إلى إعلان قبولها الانخراط في المفاوضات مع الولايات المتحدة؛ استجابة لجهود الوساطة الإقليمية التي قدمت صورة أكثر وضوحًا وواقعية لطهران عن التداعيات الكارثية التي يمكن أن تحدثها الحرب مقابل المزايا التي يمكن أن يوفرها تحريك مسار المفاوضات الدبلوماسية.

ويمكن وصف التحول في الموقف الإيراني بأنه تكتيكي أكثر منه استراتيجي، واستهدف في المقام الأول تخفيف الضغوط مع الحفاظ على الثوابت، سيما في ظل اقتصاد مثقل بالعقوبات، وتضخم مرتفع، وانهيار في قيمة العملة الوطنية، واحتجاجات شعبية، ناهيك بما فعلته خطوة تفعيل العقوبات الأممية الشاملة مؤخرًا التي وضعت إيران في عزلة قانونية واقتصادية دولية؛ ما جعل العودة إلى طاولة المفاوضات مخرجًا مثاليًا لتجنب المزيد من التداعيات.

 يصعب القول: إن إيران رضخت أمام الشروط الأميركية، وما حدث هو اختيارها الجمع بين استراتيجية الحزم العسكري وجهوزية الردع بالتوازي مع إعلانها القبول بالانخراط في مفاوضات ثنائية مع واشنطن في استراتيجية تجمع بين الدبلوماسية والردع.

ويمكن القول: إن قبول طهران التفاوض تحت الضغط استهدف الحصول على موقع جيد لإدارة الأزمة وتجنب الأسوأ، مع السعي إلى تحقيق مكاسب اقتصادية عاجلة عن طريق رفع العقوبات جزئيًا أو كليًا، وهو أمر لا يمثل تغييرًا في الاستراتيجية، بل يعكس مرونة تكتيكية تحكمها أولويات البقاء الداخلي وتجنب الحرب.

الموقف الأميركي… تحشيد عسكري لرافعة تفاوضية

الموقف الأميركي كان له حساباته أيضًا؛ إذ اتجهت واشنطن من البداية إلى إدارة مفاوضات مباشرة مع طهران تحت ضغط التحشيد العسكري الواسع النطاق؛ ما جعل الحشود العسكرية أشبه برافعة تفاوضية لحمل طهران على القبول بمسار المفاوضات، وهو ما تحقق فعليًا.

وكل التقديرات كانت تشير إلى أن الحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة لم تكن تهدف إلى إشعال حرب عسكرية من دون خيارات بديلة، بل استهدف في المقام الأول حمل طهران على الاستجابة للمفاوضات، مع تجنب واشنطن خطر الانزلاق إلى صراع اقليمي شامل قد يخرج عن السيطرة.

هذا التخطيط كان واضحًا في توجه الإدارة الأميركية إلى تأخير موعد الهجمات التي طالب ترامب أن تكون حاسمة وقادرة على امتصاص الرد الإيراني عن طريق تعزيز أنظمة الدفاع الجوي لحماية إسرائيل والقوات الأمريكية في المنطقة، في حين كانت آخر التقارير الأميركية تؤكد أن هذا الخيار غير ممكن التحقق، وأن الجيش الأميركي لم يكمل بعد نشر أنظمة الدفاع الجوي في القواعد التي تستضيف القوات الأميركية في السعودية والأردن والكويت والبحرين([3]).

وهناك حسابات أخرى جعلت واشنطن تذهب إلى خيار الضغط تحت التهديد، فأكثر ما تخشاه واشنطن أن تؤدي العملية العسكرية الواسعة إلى انهيار النظام في غياب البديل؛ ما قد يفتح الباب واسعًا لتدخلات صينية روسية أعمق في منطقة استراتيجية بالغة الحساسية.

أكثر من ذلك الاستعدادات الإيرانية العسكرية والتهديد بتحويل أي هجوم أميركي عليها إلى حرب إقليمية، وهي أمور جعلت واشنطن تميل إلى تقليص فرص أي مواجهة عسكرية واسعة في الوقت الراهن؛ لأنها ستكون مكلفة جدًا، وقد تؤدي إلى حرب إقليمية واسعة وطويلة المدى.

غاية ما كانت تريده واشنطن من تصعيد حشودها العسكرية في المنطقة هو ممارسة الضغوط على طهران؛ لتحقيق مكاسب عن طريق الدبلوماسية تحت التهديد بدلًا من الاشتباك العسكري المباشر، الذي حاولت الإدارة الأميركية تجنبه تحسبًا من أن يقود إلى تأثيرات سلبية في المشهد السياسي الداخلي قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل.

ويمكن القول: إن واشنطن قبلت إجراء مفاوضات مع طهران بفضل عوامل عدة، يتصدرها القناعة بأن الضغوط العسكرية حققت أهدافها في دفع طهران تحت ضغوط الوساطة الإقليمية إلى طاولة المفاوضات، في ظل ما تعده واشنطن ضعفًا إيرانيًا؛ نتيجة العقوبات والضربات العسكرية الأخيرة، ما يمنح واشنطن نفوذًا أكبر في طاولة المفاوضات.

وأكثر من ذلك أن المفاوضات ستوفر لواشنطن ميزة تجنب تداعيات الحرب الشاملة؛ إذ تدرك واشنطن أن أي ضربة قد تثير حربًا إقليمية يصعب احتواؤها.

ويضاف إلى ذلك تلبية واشنطن مطالب الحلفاء الإقليميين مثل السعودية وقطر وتركيا التي مارست ضغوطًا مكثفة لثني واشنطن عن الخيار العسكري، وحذرت من تداعياته على استقرار المنطقة.

ولا يمكن إغفال دور الوساطة الإقليمية التي أدارتها قطر وتركيا وعمان ومصر والسعودية، التي قادت مؤخرًا تحركات حثيثة لبناء الجسور؛ لمنع المنطقة من السقوط في هاوية الحرب.

هذه التحركات أفلحت في تلبية واشنطن مطالب الحلفاء الإقليميين بالعدول عن الخيار العسكري، تحسبًا من تداعيات كارثية على استقرار المنطقة.

يشار في ذلك إلى الدور الذي قدمته كل من مسقط والدوحة نقاط اتصال لنقل رسائل طمأنة وإقناعهم طهران بأن الوضع الداخلي والوضع الإقليمي يجعل من التصلب في الموقف انتحارًا سياسيًا، فضلًا عن إقناعهم واشنطن بالمخاطر الكارثية للعمليات العسكرية والمكاسب الكبيرة التي يمكن تحقيقها دون التورط في حرب مكلفة.

عقدة المسار التفاوضي… شروط أميركية مقابل شروط إيرانية

حتى أيام قليلة كانت سائر التقديرات الأميركية والدولية تتحدث عن أن الهجوم الأميركي المحتمل على إيران صار وشيكًا، وأن التأخير سببه التحضيرات التي تحاول مواجهة احتمالات توسع نطاق الحرب، خصوصًا بعد إعلان الرئيس ترامب منح طهران مهلة أخيرة للعودة للمفاوضات، وما أعقبها من تحذيرات أطلقها المرشد الأعلى للثورة الإيرانية السيد علي خامنئي بأن أي هجوم أمريكي سيؤدي إلى “حرب إقليمية” وليس مواجهة ثنائية.

غير أن التحولات الكبيرة في المشهد التي أعقبت إعلان طهران قبولها الانخراط في مفاوضات مع واشنطن أثار موجة جدل واسعة بشأن صمود مسار المفاوضات وحجم التنازلات التي يمكن أن تقدمها إيران والولايات المتحدة؛ لإنجاح هذه الجولة الحرجة من المفاوضات والسيناريوهات المحتملة.

تتمثل العقدة الرئيسة في المفاوضات المرتقبة في الشروط الأميركية والإيرانية- التي طالما عطلت عربة المفاوضات الدبلوماسية- في اشتراط الإدارة الأمريكية على إيران 3 شروط أساسية مدخلًا لأي اتفاق جديد يربط البرنامج النووي بالبرنامج الصاروخي، ويتجاوز الاتفاق السابق الموقع عام 2015، بـ 3 ملفات رئيسة، هي الملف النووي والبرنامج الصاروخي، والأنشطة الإقليمية.

في الملف الأول تشترط واشنطن على طهران وقف أنشطة برنامجها النووي أو تصفير التخصيب؛ لضمان عدم امتلاكها سلاحًا نوويًا، أو القدرة على إنتاجه، وتسليم كميات اليورانيوم المخصب خلال المدة الماضية.

وفي الملفين الثاني والثالث تشترط واشنطن فرض قيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وإنهاء طهران سائر ارتباطاتها الإقليمية في المنطقة، كما ترى أن العقوبات تمثل أداة ضغط قصوى لن تُرفع إلا باتفاق شامل.

في مقابل ذلك تعلن طهران رفضها القاطع التفاوض تحت التهديد العسكري، وقبولها المفاوضات الندية حول البرنامج النووي دون الملفات الأخرى، بما يقود إلى صفقة عادلة ومنصفة تضمن عدم امتلاك طهران أسلحة نووية مع الاحتفاظ بحقها في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، ورفع مسبق أو متزامن للعقوبات الأمريكية بادرة حسن نية([4]).

وتتمسك إيران بموقفها الرافض للتفاوض مع واشنطن حول برنامجها الصاروخي أو دورها الإقليمي، بل تعد هذه الملفات خطوطًا حمراء غير قابلة للتفاوض وسط حالة من انعدام الثقة بالولايات المتحدة شريكًا تفاوضيًا بعد انسحابها من الاتفاق النووي السابق([5]).

وقد زادت الهوة بين الجانبين مع تلويح واشنطن بالخيار العسكري عن طريق حشودها العسكرية في المنطقة، التي دفعت طهران إلى تفعيل كل قوتها العسكرية للرد الحاسم، واعتبار أي هجوم أمريكي- سواء كان محدودًا أم واسعًا سريعًا أم ممتدًا- سيؤدي إلى “حرب إقليمية” واسعة النطاق، وليس مجرد مواجهة ثنائية ([6]).

وعلى رغم إعلان الجانبين الترحيب بمسار المفاوضات فإن الفجوة بين الشروط الأميركية والإيرانية لا تزال قائمة، ووضعت البلدين في بيئة تصادمية جعلت فرص حصول المواجهة العسكرية واردة في حال فشلت المفاوضات المرتقبة بالوصول إلى اتفاق نهائي وشامل.

يزيد من ذلك عامل فقدان الثقة الكبير بين الجانبين؛ إذ لا تزال طهران تشك في إمكانية أن تكون الولايات المتحدة شريكًا تفاوضيًا موثوقًا، لاسيما بعد انسحابها السابق من الاتفاق النووي، كما لا تزال واشنطن تشكك في جدية طهران الانخراط بجدية في المفاوضات ومحاولتها اللعب على عامل الوقت.

مسار المفاوضات الصعب… سيناريوهات مرجحة  

استنادًا إلى حرص إدارة ترامب على تحقيق الأهداف دون تكاليف كبيرة، يبدو سيناريو “صفقة التهدئة” هو الأكثر ترجيحًا في المفاوضات المرتقبة، ويفترض مبادرة إيران لتوقيع التزامات بتسليم اليورانيوم العالي التخصيب، ووقف التوسع في برنامجها النووي دون تفكيكه مقابل السماح لها بتصدير كميات محددة من النفط وتجميد محدود لبعض العقوبات.

هذا السيناريو سيكون مدفوعًا برغبة جميع الأطراف تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة ومساعي واشنطن إلى الحفاظ على استقرار أسعار الطاقة العالمية، وكذلك مساعي طهران إلى مبادرات حقيقية تخفف عنها آثار العقوبات الدولية، وتقود اقتصادها إلى التعافي التدريجي.

أما السيناريو الثاني المرجح فيفترض إبرام واشنطن وطهران اتفاقًا مرحليًا على قاعدة “خطوة مقابل خطوة” بما يلزم طهران تسليم كميات مفترضة من اليورانيوم عالي التخصيب لدولة محايدة (ينتظر أن تكون روسيا)، وتاليًا وقف عمليات التخصيب العالي مع خطوات لتقليص نشاطها الإقليمي مقابل تلبية المطالب الملحة لطهران برفع مرحلي للعقوبات، وسحب مرحلي للقوات العسكرية المحتشدة في المنطقة.

غير بعيد عن ذلك احتمال أن تتجه كل من واشنطن وطهران إلى تقديم تنازلات معينة تقود إلى اتفاق نووي جديد يُحجِّم قدرات إيران على التخصيب العالي لليورانيوم، ويضمن عدم امتلاكها أسلحة نووية في المستقبل، مع تحديد جزئي للبرنامج الصاروخي الإيراني، الذي تشترط واشنطن تحديده بمديات معينة، مقابل تلبية مطالب طهران في رفع العقوبات وإلغاء القرارات الغربية بتصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية.

يعزز هذا السيناريو حاجة إيران الملحة لاحتواء الأزمة الاقتصادية، وإخماد الاحتجاجات الداخلية، ورغبة الرئيس ترامب في تسجيل “انتصار ديبلوماسي تاريخي” ينهي الملف النووي الإيراني كليًا.

وأكثر من ذلك رغبة واشنطن الواضحة في تجنب التورط بحرب شاملة مع إيران، حتى لو فشلت المفاوضات أو وصلت إلى طريق مسدود، خصوصًا أن التقديرات الأميركية تذهب إلى أنه لن يكون بوسع إدارة ترامب تحمل أعباء حرب مفتوحة مع إيران قد تتوسع إلى حرب إقليمية يصعب السيطرة عليها من جهة، ومن جهة ثانية عدم القدرة على احتواء تأثيراتها الكارثية في شعبية ترامب الذي طالما قدم نفسه داعية للسلام العالمي.

ومن جانب آخر لن يكون بوسع إدارة ترامب في ظل الظروف الاقتصادية الأميركية تحمل أي إجراءات قد تؤدي إلى تفاقم الدين المحلي أو حصول أزمة في إمدادات الطاقة، أو حصول تغير في خارطة النفوذ بمنطقة الشرق الأوسط، في ظل تنامي الطموحات الصينية والروسية في المنطقة التي قد تتعاظم أكثر في حال اندلاع حرب إقليمية واسعة.

ومعلوم أن إدارة ترامب تدرك تمامًا أن أي حرب مع إيران ستقود إلى إغلاق مضيق هرمز، ما سيؤدي إلى اضطرابات واسعة في أسعار النفط تهدد الاقتصاد العالمي، وهو ما يريد البيت الأبيض تجنبه بأي ثمن.

والمرجح في إطار هذا السيناريو أن تقدم واشنطن حوافز لإيران على شاكلة رفع جزئي للعقوبات مع دفع شركائها الإقليميين لتقديم حوافز اقتصادية جديدة تساعد على تعافي الاقتصاد الإيراني المنهك.

والسيناريو الثالث الأقل ترجيحًا هو سيناريو “الخيارات الصعبة”، وفيه ستحاول إدارة ترامب استثمار الأوضاع الداخلية الإيرانية لوضع طهران أمام خيارين إما الرضوخ للشروط وإما مواجهة ضربة عسكرية.

ما يدفع لذلك هو التقديرات الأميركية التي تشير إلى أن طهران تعيش أضعف حالاتها في الوقت الراهن، وأن أي رد عسكري محتمل من طهران يستهدف إسرائيل أو القواعد الأميركية في المنطقة، سيثير رد فعل عسكري واسع يضع إيران في محيط من الخصوم.

وضغوط الكيان الإسرائيلي تجاه مستقبل البرنامج الصاروخي الإيراني، تدعم هذا السيناريو، خصوصًا في ظل إصرار حكومة الكيان على تصفير التخصيب أو البقاء في مستويات متدنية تحت الرقابة الدولية اللصيقة، في مقابل رفض طهران التفاوض حول البرنامج الصاروخي، بل اعتباره خطًا أحمر غير قابل للنقاش أو التفاوض([7]).

والسيناريوهات السابقة لا تعني غياب السيناريو الكارثي الذي يمكن أن يحدث في حال انهيار الجهود الدبلوماسية بفشل المفاوضات، وعودة الأطراف للتمترس استعدادًا للحرب.

وهذا السيناريو قد يتقدم على سابقيه، في حال أصرت واشنطن على استسلام طهران الكامل تحت التهديد بالحشود العسكرية، وهو أمر سيزيد من احتمالية شن الولايات المتحدة أو إسرائيل ضربات عسكرية جديدة للمنشآت النووية ومواقع البرنامج الصاروخي الإيرانية، ما قد يشعل مواجهة إقليمية واسعة من جانب إيران المستعدة لهذا السيناريو.

يدخل في إطار ذلك احتمالات حصول تقاطعات أو فجوات كبيرة في مسار المفاوضات تقود إلى تحركات عسكرية من جانب واشنطن، وهو أمر مرجح في الوقت الراهن، خصوصًا أن المفاوضات ستنطلق فيما لا تزال الحشود العسكرية الأميركية في ذروتها، وهو مناخ غير آمن تمامًا، وغالبًا ما يكون محفوفًا بالمخاطر، ويمكن في أي لحظة أن تنزلق فيه المفاوضات إلى مواجهات عسكرية مفاجئة.

وعلى سبيل المثال يمكن لواشنطن في حال رأت أن طهران تماطل في المفاوضات أو تحاول كسب المزيد من الوقت رهانًا على تغيرات في الداخل الأميركي، أن تلجأ إلى تنفيذ ضربات عسكرية محدودة لنقل مسار المفاوضات إلى مسار قسري، لإجبار طهران على تقديم تنازلات كبيرة.

مع ذلك فإن نجاح مسار المفاوضات القادمة أو فشله، سيعتمد على قدرة الوساطة الإقليمية والدولية على تجميد حالة التوتر القائمة حاليا، وتعزيز المرونة لدى طرفي المفاوضات ودفعهم لصياغة حلول مبتكرة للملفات موضع الخلاف، كما سيعتمد على قدرة الإدارة الأمريكية على تحييد الكيان الإسرائيلي، وتقديم تنازلات وحوافز مغرية لطهران، ولا سيما في الجانب الاقتصادي الذي تحتاجه في الوقت الراهن؛ للوصول إلى اتفاق متوازن مقبول من الجانبين.

وتصريحات المسؤولين الإيرانيين الأخيرة التي تحدثت عن استعداد طهران الانخراط في مفاوضات مع الولايات المتحدة حول البرنامج النووي الإيراني تضمن عدم امتلاك طهران سلاحًا نوويًا، يمكن البناء عليها لصياغة حلول متوازنة بصفقة سياسية تحقق بعض الشروط الأمريكية، وتمنح إيران في المقابل فرصة للتعاطي المتوازن من بقية البنود على أمل التوصل إلى تسويات شاملة في المستقبل.

 

[1] – بزشكيان يوجه ببدء مسار المفاوضات النووية، صحيفة الشرق الأوسط، 2 فبراير 2026:

https://2u.pw/27Eu0

[2]https://www.bbc.com/arabic/articles/c0jvxpezg30o

[3] – وول ستريت جورنال: على واشنطن تعزيز الدفاع الجوي قبل مهاجمة إيران:

https://lebanesemediacenter.com/2026/02/02

[4]– وزير الخارجية الإيراني لـCNN: الاتفاق مع أمريكا ممكن بشرط:

https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2026/02/02/irans-foreign-minister-agreement-with-us-deal

5- تغريدة للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية في منصة إكس يناير 2026:

6- إيران تحذر من حرب إقليمية وتتوقع التوصل إلى اتفاق مع ترامب، صحيفة الخليج: https://www.alkhaleej.ae/2026-02-02

[7] – ضربة أمريكية حاسمة على طاولة خيارات ترامب، وإيران ترفض التفاوض على صواريخها:

https://arabic.euronews.com/2026/01/29/trump-choices-us-strike-iran-refuses-to-negotiate-its-missiles