ورقات تحليلية┃31 يناير 2026
لم تمض سوى أيام قليلة على إعلان الولايات المتحدة الأمريكية انتهاء دعمها لقوات سوريا الديموقراطية “قسد” وتصعيد الجيش السوري ضغوطه العسكرية، حتى بدأ الأكراد والعرب القاطنين على ضفتي نهر الفرات شمال شرق سوريا الاستعداد لطي صفحة “قسد” التي طالما راهن عليها الأكراد بفرض نظام حكم لا مركزي ديموقراطي، يمنح الأقليات العرقية حقوقهم السياسة والثقافية المصادرة.
وتفكك قوات “قسد” بدا أشبه بتساقط قطع الدومينو بخسارتها المعارك مع الجيش السوري في بعض المناطق وانسحابها المتوالي من حلب، ثم من مناطق تمركزها الرئيسة في غرب نهر الفرات وشرقه تحت المفاوضات، بالتوازي مع تقدم قوات الجيش السوري المدعوم بمليشيا العشائر التي انخرطت بصفوفه بعد أكثر من عقد على سيطرة قوات “قسد” على هذه المناطق.
لمدة 10 سنوات فرضت قوات سوريا الديموقراطية التي تشكلت عام 2015 في مدينة الحسكة تحالفًا عسكريًا مدعومًا من الولايات المتحدة والتحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش” سيطرة شاملة على مناطق عدة في شمال شرق سوريا؛ لتتحول بعدها من قوة محلية إلى سلطة أمر واقع تسيطر فعليا على حوالي 27% من مساحة البلاد، قبل أن تبدأ خارطة سيطرتها بالانكماش التدريجي منذ العام 2025.
قبل هذا التاريخ تركزت المساحة الأكبر التي كانت خاضعة لسيطرة “قسد” في شرق نهر الفرات على طول المساحة الجغرافية من المثلث الحدودي مع العراق وتركيا، مرورًا بكامل محافظات الحسكة والرقة ودير الزور باستثناء بعض المناطق في هذه المحافظات ([1]).
ومع حلول العام 2026 تقلصت مساحة السيطرة إلى نحو 10% بعد سلسلة انسحابات وخسائر أرغمتها على الانسحاب من مناطق عدة، والتمركز في محافظة الحسكة التي صار وجودها فيها مهددًا بعد أن وقعت بين كماشة الجيشين السوري والتركي ([2]).
هذا التداعي الدراماتيكي جاء بعد إعلان واشنطن اتباع سياسة جديدة تقضي بإنهاء الشراكة بينها و”قسد” وتأكيدها على أن الدور الرئيس لـ”قسد” انتهى بعد هزيمة تنظيم “داعش” وانضمام الحكومة المركزية إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش” ([3]).
وعلى رغم انخراط “قسد” في وساطات إقليمية ودولية لوقف النار أثمرت عن اتفاق 10 مارس، ثم توقيع اتفاق 18 يناير لوقف النار، إلا أن هذه الاتفاقيات فشلت في الوصول إلى تسوية سياسية للأزمة بين “قسد” والجيش السوري؛ بسبب رفض “قسد” شروط الحكومة السورية بالدمج الفردي للقوات والمؤسسات الكردية ضمن مؤسسات الحكومة السورية، مع منح الأكراد حقوقا سياسية وثقافية تحت مظلة الدولة السورية.
المعركة الأخيرة… خسائر وانسحابات متسارعة
منذ منتصف يناير الماضي بدا أن قوات “قسد” تخوض معركتها الأخيرة مع قوات الحكومة السورية في مناطق شرق الفرات، بعدما أدى تغيير المعادلات الداخلية والدولية إلى متوالية خسائر عسكرية وضعت هذه القوات بين فكي كماشة من جانب الجيشين السوري والتركي.
قبل العملية الأخيرة للجيش السوري كانت “قسد” تسيطر على إقليم جغرافي متصل ومتماسك في شمال وشرق سوريا، يشمل معظم محافظة الحسكة بما فيها المدن الرئيسة، وأجزاء كبيرة من محافظة دير الزور ذات الثروات النفطية الكبيرة شرقي نهر الفرات، إلى أجزاء من محافظة الرقة لاسيما المناطق الشرقية، وأجزاء من محافظة حلب، ولا سيما مدينة عين العرب “كوباني” وأجزاء من ريف حلب الشرقي ([4]).
العامان من 2016 – 2017 مثلا مدة التوسع الذهبية لقوات “قسد”؛ إذ انتزعت مدنًا استراتيجية من تنظيم “داعش” أبرزها منبج والرقة، في حين تمكنت في العام 2019 من السيطرة الكاملة على مناطق شرق الفرات آخر معاقل “داعش” لتصبح القوة المهيمنة على معظم محافظات الحسكة والرقة وأجزاء واسعة من دير الزور حيث بدأت بفرض “الإدارة الذاتية” التي تزامنت مع فرض سيطرتها الكاملة على حقول النفط الرئيسة.
لكن المنحى الدراماتيكي للعملية العسكرية التي شنها الجيش السوري مطلع العام الجاري أفقد “قسد” في أيام قليلة الكثير من المناطق في غرب وشرق نهر الفرات، وصولًا إلى معاقلهم الرئيسة في محافظة الحسكة، وسط تطورات متسارعة استطاع خلالها الجيش السوري بدعم من المليشيا العشائرية العربية ودعم لوجيستي تركي من السيطرة على معظم محافظتي الرقة ودير الزور، والسيطرة كذلك على السدود الاستراتيجية، مثل سدي الفرات وتشرين، فضلًا عن قواعد جوية وحقول نفط وغاز حيوية .
كان واضحًا أن انتهاء الغطاء الدولي الذي مثله الدعم الأميركي لقوت “قسد” تسبب في انهيارات سريعة ومتوالية في بنيتها العسكرية والتنظيمية لدرجة أن بعض المناطق سقطت خلال ساعات قليلة، وسط انسحابات متتالية لها توازت مع تقدم سريع لقوات الجيش السوري مدعوما بمليشيا العشائر، بعد انخراط عدد من القبائل العربية بشكل مباشر في العمليات، وتسهيلها دخول القوات الحكومية لمناطق واسعة دون مقاومة.
عوامل خارجية مؤثرة… من واشنطن إلى أنقرة
تغير الموقف الأميركي بالتخلي التدريجي عن الحماية العسكرية والسياسية لـ “قسد” والتوجه نحو دعم الحكومة السورية المركزية، مثّل تحولًا مفصليًا في المعادلات السياسية والأمنية السورية، وفتح الطريق واسعًا أمام الحكومة السورية لتنفيذ خياراتها الأخيرة بالحسم العسكري، خصوصًا بعد انتهاء المهلة التي حددها اتفاق مارس 2025 الذي حدد مهلة تنتهي بنهاية العام نفسه لإكمال عملية الإدماج.
زاد من ذلك تصاعد الضغوط التركية، على واشنطن بمطالباتها المستمرة إنهاء دعمها وغطائها الجوي وحمايتها لقوات “قسد” مقابل استمرار تحالفها مع الولايات المتحدة ضمن حلف “الناتو”، فضلًا عن الضغوط التركية على الحكومة السورية الانتقالية وتهديداتها المستمرة باللجوء للتدخل العسكري لإنهاء “قسد”.
وتركيا طالما اعتبرت قوات “قسد” تهديدًا أمنيًا مباشرًا لها بسبب وجود عناصر مرتبطة بحزب العمال الكردستاني (PKK) ضمن تشكيلاتها، وهو ما فسر ترحيب أنقرة باتفاق مارس 2025 للدمج، وتحذيراتها المتكررة من أن التلكؤ في التنفيذ سيدفعها لاتخاذ “خطوات أحادية” لحماية أمنها، الأمر الذي وضع قوات “قسد” في موقف صعب جعل من دمشق ملاذًا وحيدًا لها في حال حصول اجتياح تركي لمناطقها.
والحرص الذي أبدته واشنطن مؤخرًا لإصلاح علاقاتها الاستراتيجية مع أنقرة، دفعها إلى الإعلان بوضوح عن اتباعها سياسة جديدة واضحة تقضي بنهاية الشراكة بينها و”قسد” وتأكيدها على أن “الدور الرئيس لقسد انتهى بعد هزيمة تنظيم “داعش” وظهور حكومة مركزية معترف بها، انضمت إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب ([5]).
أكثر من ذلك تأكيد دعمها لسيادة الحكومة السورية، وبناء شراكة استراتيجية معها مشترطة على “قسد” إن أرادت البقاء الاندماج تحت مظلة الحكومة السورية، ناهيك عن تأكيدها أنها لن تكون حاجزًا أمام تقدم الجيش السوري وبسط سيطرة الحكومة على شمال شرق سوريا، بالتوازي مع رعايتها مفاوضات لتحقيق اندماج سلمي وتأمين سجون “داعش” التي كانت تحرسها “قسد”
وسياسة واشنطن الجديدة تجاه “قسد” لم تكن مفاجئة، فتغير المشهد السوري بعد انهيار نظام الأسد، وقيام حكومة انتقالية جديدة كان حدثًا كبيرًا غيّر المعادلة كلها، خصوصًا أن ذلك أتاح للولايات المتحدة شريكًا حكوميًا مركزيًا، بالتوازي مع انحسار النفوذ الإيراني الروسي في الدولة السورية.
غير بعيد عن ذلك اتجاه واشنطن إلى إعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية والدولية بالتركيز على المنافسة مع الصين، ومحاولاتها إعادة تعريف سياستها الخارجية بعيدًا عن الشرق الأوسط، والتركيز على المنافسة الاستراتيجية مع الصين، وهو أمر دفعها إلى تقليل الالتزامات المفتوحة والمكلفة مع فاعلين غير دوليين مثل “قسد”، باعتبار أن انشغالها بالمعارك الصغيرة لحلفائها سيجعل بكين المستفيد الأكبر.
وبالنسبة للحكومة التركية فقد شكل تقاطع المصالح بين دمشق وأنقرة على ضرورة إنهاء الوجود العسكري المستقل لـ”قسد” عاملًا محفزًا رئيسًا للعمليات العسكرية التي قادها الجيش السوري في هذه المناطق، خصوصًا مع الدعم التركي اللوجيستي بالمعلومات الاستخباراتية والدعم الجوي بالطائرات المسيرة، ناهيك عن الدعم الدبلوماسي التركي للحكومة السورية الانتقالية على المستويين الإقليمي والدولي، وخصوصًا مع الولايات المتحدة الذي فتح الطريق لعمليات الجيش السوري في مناطق الأكراد.
عوامل داخلية… تفكك وانهيار متسارع
لم يكن الانهيار المتسارع لقوت “قسد” مرتبطا بعوامل خارجية وحسب، بل هناك عوامل داخلية كان لها دور حاسم في متوالية الانهيار، تتصدرها أزمة الحكم السلطوي؛ إذ أدارت “قسد” مناطق سيطرتها بعقلية أمنية اعتمدت على السيطرة العسكرية أكثر من الشرعية المجتمعية، مستندة على دعم خارجي وفَّر لها حماية أمنية لم تدرك “قسد” أنها مؤقتة وزوالها يعني انتهاء سيطرتها، زاد من ذلك استمرار انهيار الخدمات الاجتماعية وضعف الاقتصاد المحلي ([6]).
وأسهمت الانقسامات الداخلية في تراجعها العسكري السريع، خصوصًا بعد انشقاق الآلاف من العناصر العربية داخل صفوف “قسد” وانضمامهم إلى القوات العشائرية أو الحكومة السورية، الذي كان عاملًا محوريًا في الانهيار السريع.
ومعلوم أن قوات “قسد” نشأت تحالفًا عسكريًا جمع بين مكونات كردية وعربية ومكونات أخرى لمحاربة “داعش” دون أن يكون هناك توافق عميق على مشروع سياسي موحد، في ظل خلافات غير معلنة هيمن عليها التيار الكردي بصورة منفردة ([7]).
يشار أيضًا إلى التناقص الكبير للحاضنة الشعبية الكردية والعربية؛ إذ أدت سياسات “قسد” القسرية وسوء إدارتها للمناطق ذات الأغلبية العربية مثل دير الزور والرقة إلى تحول دعم العشائر المحلية ضدها، مما سهل دخول الجيش السوري دون مقاومة.
وبصورة أعمق عانت قوات “قسد” من دوامة صراع خفي بين تيار متشدد مرتبط بحزب العمال الكردستاني الذي تعتقد بعض الأطراف بأنه يهيمن على القرار، ويرفض التسويات السياسية، ويدفع نحو تعطيل أي اتفاقيات مع الحكومة السورية ودفع “قسد” نحو المواجهة في مقابل تيارات أخرى أكثر مرونة تراهن على خيارات التفاوض والدمج تحت مظلة الدولة السورية وليس لها تأثير في صناعة القرار ([8]).
هذا الانقسام التنظيمي والعسكري، ظهر جليا في الآونة الأخيرة بسلسلة أوامر متخبطة أدت إلى انسحابات جماعية غير منظمة وسقوط مناطق بسهولة بيد قوات الجيش السوري، في حين كان انشقاق المقاتلين العرب وتفكك التحالفات العشائرية عاملًا حاسمًا في السقوط السهل والسريع للمناطق العربية التي تحولت من خط دفاع إلى ثغرة أمنية.
الموقف الكردي… انعدام الثقة ومطالب الهوية المستقلة
حتى اليوم لا تزال قوات “قسد” التي تخوض مفاوضات أخيرة مع الحكومة السورية الانتقالية ترفض المطالب الحكومية بالاندماج الفردي ودمج مؤسسات الإدارة الذاتية المدنية والعسكرية ضمن مؤسسات الحكومة السورية، وهي المطالب التي تصر عليها الحكومة السورية لضمان تفكيك العقيدة العسكرية لـ “قسد”.
في المقابل ظلت “قسد” متمسكة بمطالبها الحفاظ على الهيكل العسكري لها والاندماج كتلة موحدة، وعدم المساس بهياكلها وتعيين نائب لوزير الدفاع من قادة “قسد”، وعدم إحداث أي تغيير بالقيادات إلا بموافقة قيادات “قسد” الذين سيكونون جزءًا من هيكل قيادات أركان الجيش ([9]).
ويمكن الإشارة هنا إلى عدة أسباب معقدة حالت دون استجابة قوات “قسد” لمطالب السلطات السورية، خلال المدة الماضية، أكثرها على صلة بالتركيبة التنظيمية الخاصة ومطالب الهوية المستقلة، وانعدام الثقة بالحكومة ولا سيما في نموذج الحكم اللامركزي الديموقراطي الذي تطالب به “قسد”.
علاوة على أن “قسد” ترى نفسها قوة منظمة ومتعددة الإثنيات؛ لأن تشكيلاتها العسكرية تتكون من عرب وأكراد وسريان، وتطالب بالاندماج في الجيش الوطني السوري كتلة موحدة دون تفكيك هيكلها التنظيمي؛ للحفاظ على فاعليتها وهويتها، فهي تعتقد أن الحكومة السورية الانتقالية غير مستعدة لتأسيس نظام حكم لا مركزي يضمن مسارًا ديموقراطيًا يحافظ على حقوق جميع الأقليات في المجتمع السوري.
وخلال سنوات سيطرتها، أقامت “قسد” جهازًا إداريًا موازيًا شاملًا يشمل التعليم والأمن وإدارة الموارد، في حين أن مطالب الاندماج الكامل تعني التخلي عن هذه السلطات.
وتواجه “قسد” أزمة انعدام ثقة مع الحكومة السورية المؤقتة التي ترفض القبول بإقامة نموذج حكم لا مركزي يمنح الأقليات حق المشاركة والتمثيل العادل، وتعتقد أن أفرادها لن يحصلوا على حقوقهم في حال قبلوا الاندماج بمؤسسات الدولة، كما تخشى على حقوق المجتمع الكردي عمومًا في ظل غياب ضمانات دستورية واضحة وإشراف دولي ([10]).
وثمة عوامل أخرى على صلة بتأثير القيادة الخارجية وغياب الاستقلالية الكاملة؛ إذ إن النواة العسكرية لـ “قسد” هي “وحدات حماية الشعب” المرتبطة فكريًا وتنظيميًا ارتباطًا وثيقًا بـ “حزب العمال الكردستاني”، وعدد من القرارات الاستراتيجية الهامة لا تتخذ من قبل القيادة الظاهرة لـ “قسد”، بل بتوجيه من قيادات خارجية في حزب العمال الكردستاني، وهو ما فسر في مرات عدة عدم مرونة “قسد” في المفاوضات، وتغير مواقفها بين يوم وآخر.
أهداف محققة وأخرى تنتظر مفاوضات الفرصة الأخيرة
معلوم أن العملية العسكرية الواسعة التي شنها الجيش السوري على المناطق التي تسيطر عليها “قسد” جاءت بعد فشل الجانبين في تنفيذ اتفاق مارس 2025 للدمج، ورفض “قسد” التنازل عن هيكلها العسكرية المستقلة، وسط تبادل للاتهامات بين الجانبين بعدم الالتزام الكامل.
ومنذ مارس العام الماضي انخرط الجانبان في سلسلة مفاوضات بجهود وساطة دولية لوقف النار وتأمين معابر آمنة للانسحاب، وتخللها تمديد فترات الهدنة، وآخرها اتفاق 18 يناير 2026 الذي لا تزال المفاوضات بشأنه قائمة لدمج مقاتلي “قسد” وسط خلافات وحسابات من الجانبين.
والمفاوضات التي انطلقت أواخر يناير الماضي في العاصمة دمشق بين الحكومة الانتقالية ووفد قوات “قسد” برعاية أميركية فرنسية، أفلحت في تحقيق تقدم بتفاهمات مشتركة تجاه ملفات حساسة للغاية أبرزها دمج القوات والمؤسسات المدنية والأمنية الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع وقف للنار وضمان حقوق الأكراد، غير أن نتائجها لم تعلن بشكل رسمي ما يعني أن التفاهمات كانت أولية وليس حل نهائي شامل.
ويبدو أن الوضع على الأرض سيكون حاسمًا هذه المرة، وهو يتجه في صالح الحكومة السورية التي حققت أكثر أهدافها باستعادة السيطرة على الموارد النفطية والغازية شرق نهر الفرات، لاسيما في دير الزور، وكذلك المعابر الحدودية، ما قد يعزز فرصها لانتزاع تنازلات كاملة من جانب قوات “قسد” للاندماج بشكل فردي في صفوف الجيش السوري ووزارة الداخلية، على طريق إنهاء وجودها قوة مسلحة مستقلة، وحل المؤسسات المدنية التابعة للإدارة الذاتية الكردية ودمجها في مؤسسات الدولة المركزية، وإلغاء هياكلها الإدارية وإنهاء استقلاليتها.
والتقديرات الميدانية تؤكد أن الحكومة السورية الانتقالية صارت على وشك السيطرة الكاملة على مناطق شمال شرق سوريا، سوى أجزاء من محافظة الحسكة، كما صارت قريبة من تحقيق أهدافها الاستراتيجية بتفكيك قوات “قسد” وقطع روابطها الخارجية وإخراج القادة غير السورين المرتبطين بحزب العمال الكردستاني من البلاد.
مستقبل “قسد” بين التفاوض والانتحار السياسي
ما جرى لـ”قسد” خلال الأيام الماضية لم يمثل انهيارًا عسكريًا وحسب، بل تفككًا في البنية التنظيمية لتنظيم انتهت وظيفته، وأحد أبرز عوامل التفكك كان في التناقض الديموغرافي بين القيادة الكردية والحواضن الشعبية ولا سيما في دير الزور والرقة، مع اعتماد “قسد” على السلطة القسرية وعدم إشراك الحواضن العربية في إدارة هذه المناطق.
وفقا لذلك يمكن الحديث عن مسارين حول مستقبل “قسد” السياسي والعسكري، الأول: اندماج تفاوضي تحت مظلة الدولة السورية في ظل الضغط العسكري الكبير وفقدان “قسد” للموارد وغياب الدعم الدولي ولا سيما من جانب الولايات المتحدة التي تدفع الآن من أجل دمج “قسد” سلميا في الدولة السورية كخيار وحيد عوض الانتحار سياسيًا وعسكريًا .
والمسار الثاني يُرجح بدرجة أقل استمرار القتال على هيئة حرب العصابات في ظل إمكانات محدودة لقوات “قسد” التي قد تتحول إلى مقاومة داخلية في مناطقها، وهو وضع قد يطول لكن كلفته ستكون كبيرة على قوات “قسد” بسبب تراجع الموارد وتآكل القاعدة الشعبية وغياب الدعم اللوجيستي.
والانخراط في مسار المفاوضات يبدو الخيار الأمثل لـ “قسد” في الوقت الراهن في ظل المؤشرات التي ترجح إدراك القيادات الكردية للمتغيرات العاصفة التي قللت من فرص صمودها العسكري وقدراتها على إدارة معارك منظمة، ودفعها بالمقابل نحو المسار السياسي التفاوضي.
التطورات الميدانية تشير إلى أن الحرب المفتوحة في طريقها إلى النهاية، لتحل محلها مفاوضات صعبة حول تفاصيل الدمج، في حين أن مستقبل “قسد” بوصفه كيانًا مسلحًا مستقلًا آخذ في الانحسار، ولم يعد هناك مجالا للمضي فيه سوى على طاولة المفاوضات، خصوصًا مع استمرار الضغوط الدولية والإقليمية ولا سيما مع الرغبة الدولية بالإسراع في تأمين ملف سجناء “داعش”.
والقول: إن “قسد” تخوض اليوم معركتها الأخيرة على طاولة المفاوضات يبدو واقعيًا؛ لضمان قدر من المكاسب السياسية والثقافية ضمن سوريا موحدة، بعد أن أصبح الخيار العسكري غير واقعي في ظل التحول الجذري في موازين القوى المحلية والدولية.
السبب في ذلك يعود الى امتلاك الجيش السوري اليوم الشرعية الداخلية والسيادة القانونية، كما يحظى بدعم دولي من جانب جميع الأطراف بما في ذلك روسيا التي أعلنت في مناسبات عدة دعمها لسوريا موحدة، في حين أن الضغط التركي المستمر على “قسد” يجعلها أقرب للتوافق مع دمشق طوق نجاة أخير.
وعلى أن قضية اندماج قوات “قسد” ضمن الجيش السوري كانت العقدة الأكبر في جولات التفاوض السابقة إلا أن التطورات العسكرية الأخيرة التي صبت في مصلحة الجيش السوري قلصت إلى حد كبير هذه الفجوة في حين أن تراجع الدعم الدولي لـ”قسد” جعل مسألة الاندماج من أكثر الاحتمالات الواردة بشروط دمشق؛ لضمان البقاء وقطع الطريق على أنقرة التي تبحث عن ذريعة لسحق الوحدات الكردية المتمركزة على حدودها بصورة كاملة.
ولا يبدو أن دمشق في ظل الضغوط الدولية الراهنة، ستتراجع عن تعهداتها بمنح الأكراد حقوقًا سياسية وثقافية، كما لا تبدو بوادر فرض شروط إضافية خلافًا للشروط المعلنة سابقا؛ لأنها لن تكون بحاجة في هذا التوقيت إلى فرض سيادتها بالقوة في مناطق متوترة، خصوصًا أنها تضم أهم المعابر الحدودية ومنابع الثروة السيادية التي تعلق عليها الدولة السورية الجديدة آمالا كبيرة في التعافي الاقتصادي وإعادة البناء.
[1] خريطة سيطرة قوات سوريا الديموقراطية (قسد) في سوريا، جسور للدراسات، 23 ديسمبر 2025
[2] الجيش السوري على مشارف محافظة الحسكة والقامشلي، الجزيرة نت، 21 يناير 2026
https://www.aljazeera.net/news/2026/1/21
[3] المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك دور “قسد” انتهى
https://ultrasyria.ultrasawt.com
[4] الجيش السوري يحكم الخناق على كوباني وعين العرب، يورو نيوز 27 يناير 2026
[5] واشنطن: مهمة “قسد” انتهت والحكومة السورية مستعدة لتولى الأمن، وكالة أنباء الأناضول، 20 يناير 2026
[6] عمر الهويدي: من اتفاق الدمج إلى الحسم الميداني: كيف أغلق ملف “قسد” في الرقة ودير الزور، القدس العربي
[7] لماذا خسرت “قسد” مناطقها شرق سوريا في أقل من 48 ساعة، المجلة 20 يناير 2026
[8] أحمد العكلة: تحولات كبرى …6 أسئلة عن انهيار قسد وسيطرة الجيش والعشائر، الجزيرة نت، 18 يناير 2026
[9] الشرق نيوز 8 يناير 2026
https://asharq.com/politics/167024
[10] تعتبر الحكومة السورية المؤقتة هذا المطلب خطًا أحمر، يمس الوحدة والسيادة الوطنية، وتصر على مبدأ “سوريا واحدة، وجيش واحد، وحكومة واحدة”، وترفض أي شكل من أشكال الفيدرالية أو التقسيم.