القرن الإفريقي بعد اعتراف إسرائيل بـ «أرض الصومال»: تحالف عربي تركي وخرائط جديدة للنفوذ

منذ توغل الكيان الإسرائيلي في القرن الإفريقي عن طريق بوابة “أرض الصومال” تحولت المنطقة إلى ساحة مواجهة محتملة بين تحالفات جيوستراتيجية جديدة بدأت بالتشكل بعيد الاعتراف الإسرائيلي بـ “أرض الصومال” غير المعترف بها دوليا ([1])، الذي أطلق جرس إنذار للعدد من دول المنطقة من تهديدات أمنية بسعي إسرائيل وحلفائها لرسم خرائط نفوذ جديدة في القرن الإفريقي والبوابة الجنوبية للبحر الأحمر.

مظاهر هذا الحراك برز في التحالف غير المعلن بين (القاهرة، الرياض، أنقرة، مقديشو) الذي ظهر كأول محور دفاعي؛ لمواجهة محاولات توسع تقودها إسرائيل بالتنسيق مع دولة الإمارات وإثيوبيا عن طريق إقليم “أرض الصومال” الانفصالي بعد أن أبدت سلطات الإقليم استعدادًا لمنح إسرائيل موطئ قدم في سواحله المطلة على خليج عدن مقابل الحصول على اعتراف دولي يخرجها من نفق العزلة التي تحاصرها منذ 35 عامًا.

جاء ذلك بعد تحركات سياسية ودبلوماسية واسعة شرعت فيها جمهورية الصومال الفيدرالية؛ لمنع تحويل خطوة الاعتراف الإسرائيلية إلى واقع دولي، وأثمرت عن تشكل تحالف إقليمي غير معلن رسميًا، لكنه مشترك في الأهداف، شمل مصر والسعودية وتركيا، التي أعلنت دعم وحدة الأراضي الصومالية ورفض الاعتراف الإسرائيلي بالجمهورية الانفصالية، فضلًا عن شروعها بخطوات منسقة لدعم الحكومة الصومالية عسكريًا ومخابراتيًا وسياسيًا لحرمان إسرائيل من أي غطاء إقليمي قد تستند عليه لمشاريعها بالمنطقة.

وعلى رغم أن حكومة “أرض الصومال” وقعت العام الماضي مذكرة تفاهم مع إثيوبيا لم تفض إلى اعتراف رسمي من أديس أبابا، إلا أن الخطوة الإسرائيلية كانت مثيرة للقلق؛ لأنها تجاوزت “مذكرة التفاهم” الموقعة مع إثيوبيا، إلى اعتراف قانوني كامل وتعاون وشراكة اقتصادية وتكنولوجية مع إسرائيل، تكللت بزيارة أولى لوزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى هرجيسا بعد 9 أيام فقط من توقيع اتفاقية الاعتراف المتبادل أو ما سمي ” إعلان القدس” ([2]).

التوجسات من الخطوة الإسرائيلية ازدادت حدة بسبب تزامنها مع سيناريو مشابه في جنوب اليمن بإعلان المجلس الانتقالي الجنوبي مشروعًا للانفصال مدته عامان، في تحولات أشعلت عاصفة تحركات سياسية ودبلوماسية وعسكرية قادتها بعض دول الإقليم المرتبطة بمصالح حيوية في المنفذ الجنوبي للبحر الأحمر، وكذلك تركيا المرتبطة باتفاقيات دفاعية وحماية أمنية مع الصومال، ما حوّل منطقة القرن الإفريقي إلى مسرح لسباق تموضع استراتيجي حاد وسط توترات جيوستراتيجية غير مسبوقة.

زاد من ذلك إعلان إسرائيل عن ترتيبات أوسع تشمل التبادل الدبلوماسي بافتتاح سفارة إسرائيلية في هرجيسا مقابل مكتب تمثيل دبلوماسي كامل لأرض الصومال في تل أبيب، وإعلان الاستعداد لتعيين سفراء مقيمين قبل نهاية الربع الأول من العام الجاري 2026، فضلًا عن إعلانها تحريك عجلة التعاون الأمني والعسكري عن طريق إنشاء مركز مراقبة تقني واستخباراتي إسرائيلي في ميناء بربرة بذريعة تأمين خطوط الملاحة الدولية في باب المندب.

هذه التوجهات أشعلت مخاوف لدى كل الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن من أن المنطقة على وشك أن تخضع لسيطرة إسرائيلية فعلية من الضفتين الشرقية والغربية، ممثلة بسلطات “أرض الصومال” وسلطة المجلس الانتقالي في جنوب اليمن، لا سميا أن كليهما مدعومان من الإمارات التي تؤدي الدور الأبرز في توسيع “اتفاقيات إبراهام” بالمنطقة.

وفي مقابل التحالف الإقليمي الأول الذي تشكل بفعل تشارك المواقف والأهداف بين مصر والسعودية وتركيا وجمهورية الصومال الفيدرالية، ظهرت معالم تحالف مغاير اشتركت أطرافه بالمواقف والأهداف وضم إسرائيل وإثيوبيا والإمارات مع جمهورية “أرض الصومال” غير المعترف بها دوليًا، في ظل تباين استراتيجي عميق بشأن ما يحمله كل محور تجاه توازنات الأمن الإقليمي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

ويمكن القول: إن التحالف الأول تشكل بفعل المخاوف من أجندة جديدة تقودها إسرائيل لتوسيع النفوذ قد تهدد مصالح الدول الثلاث وأمنها القومي من البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وخصوصًا بعد الكشف عن توجهات إسرائيلية لبناء قاعدة عسكرية ومركز رقابة مخابراتي في ميناء بربرة الذي تديره دولة الإمارات العربية المتحدة في “أرض الصومال” منذ سنوات.

زاد من ذلك دخول إثيوبيا القوي في المعادلة الجيوستراتيجية الجديدة بعد أن وجدت في التوغل الإسرائيلي الجديد في القرن الإفريقي فرصتها التاريخية لتحقيق طموحاتها بالحصول على منفذ بحري يمنحها فرصة إعادة تشكيل –جغرافيًا- الدولة الحبيسة بمنفذ بحري يضمن ربط أراضيها مباشرة بالعالم.

الدور السعودي… تحركات متسارعة من عدن إلى مقديشو

ظهر الدور السعودي في خارطة التحالفات الجديدة إلى الواجهة مؤخرًا بقيادة الرياض عملية عسكرية لاستعادة السيطرة على المحافظات الشرقية اليمنية التي سيطرت عليها قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من دولة الإمارات، ثم في شروعها بتفكيك وإنهاء النفوذ السياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي بعد سنوات من تقديم نفسه حاملًا لمشروع استعادة الدولة الجنوبية.

على الضفة الأخرى (مقديشو) باشرت الرياض بتحركات سياسية ودبلوماسية مع إطلاق ترتيبات لمشروع سعودي غير مُعلن لبناء قاعدة عسكرية سعودية في ميناء لاسقوري بإقليم بورتلاند الصومالي الانفصالي بالتنسيق مع حكومة مقديشو التي طالبت الرياض “بدور عسكري يضمن تأمين الأقاليم الانفصالية، ويمنع تكرار تجربة “أرض الصومال”.

خلال أيام قليلة أفضت اللقاءات والاجتماعات المكثفة بين المسؤولين السعوديين والصوماليين، مطلع العام الجاري إلى خطوات متقدمة في تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي استنادًا إلى اتفاقية التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب الموقعة بين البلدين التي استهدفت التنسيق لمواجهة الجرائم العابرة للحدود ([3]).

شرعت الرياض كذلك بتحركات سياسية لتعزيز علاقتها مع مقديشو، بالتوجه نحو تفعيل الاتفاقية الدفاعية بعد لقاء وزيري خارجية البلدين في الرياض، وتفعيل عملي لمذكرات التفاهم العسكرية والأمنية التي شملت تقديم دعم لوجستي وتدريبي للجيش الصومالي ([4]).

وإلى ذلك بدأت الرياض بتحركات عملية لتفعيل دور منظومة الدول المشاطئة، ومجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر؛ سعيًا إلى إرساء حضور بديل لأي تحالفات “خارجية” قد تقودها إسرائيل أو إثيوبيا في المنطقة.

تركيز السعودية على دعم سيادة الصومال ووحدة أراضيه في ظل التوترات الإقليمية المتعلقة بـ “أرض الصومال”، بدا مظلة لتعاون عسكري أوسع نطاقًا في ظل طموحات الرياض لبناء قواعد عسكرية في الأراضي الصومالية بالتوازي مع القواعد العسكرية التابعة لدولة الإمارات، خصوصًا في ظل التوجس السعودي من أن يؤدي التدخل الإسرائيلي في الصومال إلى استقطاب صراعات دولية إلى سواحلها الغربية.

وأظهرت سائر أشكال الدعم المقدمة من السعودية للصومال في إطار التحول إلى حليف استراتيجي قادر على صناعة معادلات أمنية جديدة، في مقابل المشروع الذي أدت فيه دولة الإمارات العربية المتحدة دورًا محوريًا؛ لدعم المصالح الجيوستراتيجية لإسرائيل، وكذلك لمصالح واشنطن الباحثة عن وكلاء إقليميين يضمنون لها السيطرة على البحر الأحمر، بما يقود إلى خنق نصف تجارة الصين مع الغرب والشرق الأوسط.

الحضور المصري… مواجهة التهديد المباشر للأمن القومي 

في مقابل المخاوف السعودية من الخطوة الإسرائيلية بتوقيع اتفاقية الاعتراف المتبادل مع “أرض الصومال” أثارت الخطوة مخاوف أكبر لدى القاهرة التي عبرت عن رفضها القاطع للتوغلات الإسرائيلية في أراضي الدولة الصومالية، كما رأت في الوجود الإسرائيلي عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وباب المندب تهديدًا مباشرًا لأمن قناة السويس، معتبرة أن أي مساس بسيادة الصومال هو مساس بالأمن الجيوبوليتي للممرات المائية.

ومنذ اليوم الأول تعاملت مصر مع خطوة الاعتراف على أنها تهديد مباشر لأمنها القومي، ليس فقط لأنها دولة عربية ترتبط بالقرن الإفريقي بمصالح استراتيجية، بل لأنها ترى في الصومال الموحد “خط الدفاع الأول” عن قناة السويس التي يمثل باب المندب بوابتها الجنوبية ([5]).

سجلت القاهرة وفقًا لذلك حضورًا أكثر في الساحة الصومالية عن طريق ربط منظومتها للرصد البحري بالسلطات الصومالية لمراقبة أي “تسلل إسرائيلي” تحت غطاء تجاري إلى سواحل أرض الصومال، ناهيك عن التلويح بجهوزية قواتها للتدخل السريع تحت مظلة “الدفاع المشترك”؛ لحماية المؤسسات السيادية الصومالية في حال تعرضت لتهديد عسكري من الإقليم الانفصالي أو حلفائه.

يضاف إلى ذلك توجهها نحو تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك واتفاقية أغسطس 2024 لتوريد أسلحة متطورة للجيش الصومالي، وتدريب قوات النخبة الصومالية، وتوفير غطاء أمني للسواحل الصومالية، والتصدي لأي محاولات لفرض واقع انفصالي عسكري في الإقليم الشمالي الصومالي.

تحركات القاهرة انطلقت من مخاوف وجودية تتجاوز مجرد التضامن الدبلوماسي؛ إذ رأت القاهرة أن الوجود العسكري أو الاستخباراتي الإسرائيلي في “أرض الصومال” يمنح تل أبيب “مفتاح” التحكم في مدخل البحر الأحمر، مما يجعل قناة السويس التي تمثل شريان الاقتصاد المصري رهينة لأي توترات سياسية أو عسكرية إسرائيلية.

لم تكن المخاوف المصرية بعيدة عن التقارير التي تحدثت عن احتمال أن يكون الاعتراف الإسرائيلي بـ “أرض الصومال” مرتبطًا بخطط إسرائيل لتهجير الفلسطينيين من غزة إلى “أرض الصومال” تحت غطاء إنساني أو تنموي، وهو ما اعتبرته القاهرة خطًا أحمر قد يؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية.

أكثر من ذلك فقد أدركت القاهرة مبكرًا أن اعتراف إسرائيل بـ “أرض الصومال” مثَّل “هدية مجانية لإثيوبيا” التي طالما ترددت في الاعتراف بالإقليم الانفصالي الصومالي، وصار بوسعها اليوم إعلان ذلك رسميًا أملًا في الحصول على منفذ بحري، مما يقوي موقف أديس أبابا في ملف سد النهضة، ويخلق محورًا إثيوبيا-إسرائيليا جديدًا يحاصر المصالح المصرية في حوض النيل والقرن الإفريقي.

وفقا لذلك قادت القاهرة حراكًا داخل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي لإصدار قرار يدين الاعتراف الإسرائيلي بوصفه “سابقة خطيرة” تهدد استقرار القارة السمراء وتفتح باب الانفصالات، ونجحت في حشد موقف دولي (يضم 23 دولة ومنظمتين دوليتين) يرفض الاعتراف الإسرائيلي؛ سعيًا إلى حرمان “أرض الصومال” من أي شرعية مالية أو قانونية للتعامل مع المؤسسات الدولية.

وتقود مصر منذ نهاية العام الماضي حراكا دبلوماسيًا وقانونيًا غير مسبوق داخل أروقة جامعة الدول العربية، مستهدفة تحويل “التضامن الكلامي” إلى إطار دفاعي ملزم لمواجهة التداعيات الخطيرة للاعتراف الإسرائيلي بـ “أرض الصومال”، بعد أن كانت نجحت خلال الاجتماع الطارئ الذي عقد في 28 ديسمبر 2025، في حشد مجلس الجامعة لإصدار قرار يعتبر الاعتراف الإسرائيلي “باطلًا ولاغيًا” وعدوانًا على سيادة الصومال([6]).

وقادت القاهرة اجتماع وزراء الدفاع والخارجية العرب تحت مظلة الجامعة العربية لتفعيل بنود معاهدة الدفاع العري المشترك سعيا إلى توفير غطاء عربي قانوني لأي تحرك عسكري مصري أو عربي داخل الصومال يقود إلى قطع الطريق على أي مخطط إسرائيلي لإقامة قواعد عسكرية في “أرض الصومال” قد تهدد أمن قناة السويس والملاحة العربية، وإجهاض أي مخططات للتهجير الطوعي أو القسري للفلسطينيين ([7]).

كما سعت عن طريق هذه التحركات إلى تحجيم الطموح الإثيوبي بما يضع إثيوبيا أمام “كتلة عربية عسكرية” في حال فكرت في تنفيذ اتفاقها مع “أرض الصومال” للحصول على منفذ بحري عسكري.

الحضور التركي… تحركات لتعزيز الوجود العسكري والاقتصادي

على مدى سنوات ظلت أنقرة تنظر إلى الصومال بوصفها حليفا استراتيجيًا وقاعدة لانطلاق نفوذها في إفريقيا، وطبقًا لذلك رأت في الخطوة الإسرائيلية الاعتراف الإسرائيلي بـ” أرض الصومال” محاولة لتقليص نفوذها في المنطقة، وشرعت بتحركات لتعزيز وجودها العسكري والاقتصادي؛ إذ أعلنت عن خطط للتنقيب عن النفط وبناء منشآت حيوية في الصومال تحت شعار حماية “بوابة إفريقيا”.

المباحثات الهاتفية التي أجراها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد في 5 يناير 2026 كانت مرتبطة بشكل مباشر ووثيق بالتحولات المتسارعة في القرن الإفريقي، وجاءت خطوة تركية استباقية لإدارة مشهد معقد يتقاطع فيه نفوذ قوى إقليمية متنافسة.

وعلى أن تركيا ارادت استطلاع موقف أبو ظبي بعد الاعتراف الإسرائيلي، ومحاولة ثنيها عن اتخاذ خطوة مماثلة قد تضفي شرعية عربية على الانفصال، فقد أكد الرئيس التركي بشكل حاسم على “وحدة أراضي الصومال”، في رسالة شديدة الوضوح موجهة للإمارات بأن أي دعم للانفصال سيصطدم بالمصالح التركية الحيوية ([8]).

أكثر من ذلك التأكيد على أن تركيا لن تسمح بتغيير خرائط النفوذ في بلد تعده “مجالًا حيويًا” لها استنادا إلى اتفاقية “الإطار الاقتصادي والدفاعي” الموقعة بينها والصومال في فبراير 2024 التي حصلت تركيا بواسطتها على حقوق في حماية المياه الإقليمية الصومالية لمدة 10 سنوات، وهي الخلفية القانونية للرسائل التي وجهها أردوغان خلال هذا الاتصال التي تندرج تحت مفهوم “الردع الدبلوماسي” للحفاظ على الوضع الراهن.

ومبادرة تركيا لهذه المباحثات كان لها أسبابا استراتيجية يتصدرها مساعي تركيا تقديم نفسها “ضامنًا للاستقرار” في ملفي اليمن والصومال، وحمل الإمارات على عدم التحالف مع أطراف أخرى مثل (إسرائيل أو إثيوبيا) لتأمين مصالحها البحرية ناهيك عن مساعيها لاحتواء التباين مع الإمارات التي صارت اليوم الأكثر قربًا من “أرض الصومال” عن طريق استثمارات “موانئ دبي العالمية” وقاعدتها في بربرة.

وهناك مخاوف جدية لدى تركيا من “الحضور الإسرائيلي” في القرن الإفريقي تعده تهديدًا مباشرًا لنفوذها في القرن الإفريقي، ولا سيما الصومال التي استثمرت فيها تركيا مليارات الدولارات، كما شيدت فيها أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها (تُرك سوما)، ما جعلها تتوجس من الوجود الإسرائيلي في “أرض الصومال” الذي يعني بالنسبة لها، مراقبة استخباراتية وعسكرية لصيقة لتحركاتها في خليج عدن.

وأكثر من ذلك فقد دخلت تركيا مؤخرًا في ماراثون المنافسة على النفوذ؛ إذ أعلنت نهاية العام الماضي عن خطط لبناء ميناء جديد وقاعدة فضائية وقيادة مشاريع للتنقيب عن النفط في الصومال، في حين أن وجود إسرائيل بالقرب منها سيعمل على “تشويش” هذه الطموحات عن طريق خلق كيان موازٍ يسحب البساط من تحت الحكومة المركزية في مقديشو([9]).

ويتعين الإشارة هنا إلى أن أنقرة تخشى من “كماشة” إسرائيلية حيث تتواجد إسرائيل من الشمال في ميناء إيلات وحاليا في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر (سواحل أرض الصومال)، ما يجعل الوجود البحري التركي في البحر الأحمر محاصرًا جغرافيًا بالتحالفات الإسرائيلية الجديدة.

التحالف العربي التركي… مصالح متقاطعة وأهداف مشتركة

يمكن القول: إن التحالف المصري السعودي التركي، أنتجه تقاطع المصالح الجيوسياسية ومساعي الدول الثلاث للتكامل الاستراتيجي في هذه المنطقة المطلة على المنفذ الجنوبي للبحر الأحمر، خصوصًا بعد أن تجاوزت الدول الثلاث خلافات العقد الماضي، وباتت ترى في الصومال والقرن الإفريقي ساحة لتعزيز الأمن القومي المشترك([10]).

زاد من ذلك أن خطوة إسرائيل بتوقيع اتفاقية الاعتراف المتبادل مع “أرض الصومال” في ديسمبر 2025، جعلت الدول الثلاث تنخرط في خندق واحد لمواجهة ما تعده “خنجرًا” في خاصرتها الأمنية في ظل مخاوف مشتركة من أن تتحول “أرض الصومال” إلى ساحة صراع دولي يلقي بتأثيرات سلبية في مصالحها الاستراتيجية وأمنها القومي.

السعودية -على سبيل المثال- تعتقد أن أمن شواطئ الصومال تمثل امتدادًا طبيعيًا لأمنها القومي في ظل مشاريعها للتأدية دور محوري في تأمين طرق الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وكانت لذلك من أوائل الدول التي تحركت عمليًا لدعم جهود الاستقرار في الصومال، وتقليص مستوى التهديدات التي تواجهها.

ومن جانب آخر فإن السعودية التي ظلت لشهور تراقب بقلق صامت تزايد استقلالية السياسة الخارجية الإماراتية في القرن الإفريقي عن طريق موانئ دبي والقواعد العسكرية في بربرة، وهي الإجراءات التي اعتبرتها تجاوزًا خطيرًا لمستويات التنسيق الخليجي الموحد، خصوصًا مع توسع نطاق السيطرة الإماراتية على موانئ “بربرة” و”بوصاصو” الذي أثار مخاوف الرياض من مخاطر أن يقود ذلك إلى منح أبوظبي تفوقًا في الإدارة المنفردة لحركة الملاحة في البحر الأحمر، والتأثير في طموحات الرياض في أن تكون المركز اللوجستي الأول في الممرات المائية جنوبي البحر الأحمر.

ومصر صاحبة العمق الأمني والسيادي في القرن الإفريقي تُعد أي حضور سياسي أو أمنى أو عسكري لها في الصومال ضرورة ليس فقط لحماية البوابة الجنوبية لقناة السويس، بل لمراقبة وتطويق النفوذ الإثيوبي لاسيما بعد أزمة سد النهضة واتفاقية أديس أبابا مع “أرض الصومال”.

ويبدو أن الرياض والقاهرة تشاركتا مخاوف استراتيجية عميقة من التقاطع الحالي بين المصالح الإسرائيلية والإماراتية في “أرض الصومال”؛ إذ تخشى القاهرة والرياض من نشوء “قوس نفوذ” يبدأ من إيلات، ويمر من الموانئ التي تديرها الإمارات في اليمن، وصولًا إلى “أرض الصومال”، وهو القوس الذي يهدد بالحد من حرية حركة الملاحة المصرية والسعودية في البحر الأحمر.

وأكثر من ذلك المخاوف من أن وجود مراكز رقابة مخابراتية وقواعد تنصت أو رادارات إسرائيلية في “أرض الصومال” سيمثل اختراقًا لأمنها القومي ولعمقها الاستراتيجي الجنوبي.

يمكن القول: إن المنطقة تعيش اليوم مرحلة إعادة تشكل للتحالفات الإقليمية تتلاشى فيها الخلافات القديمة بين الدول لصالح تعاون أمني وعسكري وثيق لمواجهة التمدد الإسرائيلي في القرن الإفريقي.

ويمكن رصد عدد من المؤشرات التي تؤكد أن التنسيق السعودي المصري تحديدًا وصل إلى مستويات “تطابق الرؤى” لمواجهة الاندفاع الإماراتي والإسرائيلي في المنطقة، في حين أن تحالف الدولتين مع تركيا جاء استنادًا إلى ما تملكه أنقرة من إمكانات عسكرية وتقنية في القرن الإفريقي المتمثل بأكبر قاعدة عسكرية في مقديشو (ترك سوم)، ناهيك عن توقيعها اتفاقية دفاعية شاملة مع حكومة الصومال تمنحها حق حماية المياه الإقليمية الصومالية، وإعادة بناء القوات البحرية ما جعلها تبدو كالذراع العسكرية للتحالف الناشئ.

وتبدو الدول الثلاث مرتبطة اليوم بهدف واحد، وهو إفشال مشاريع التحالف الثلاثي (إسرائيل – إثيوبيا – الإمارات) الذي يسعى إلى إيجاد موطئ قدم دائم في خليج عدن ومضيق باب المندب من بوابة “أرض الصومال” التي برزت إلى الواجهة مؤخرا بالقاعدة العسكرية في ميناء “بربرة” مع كشف تقارير إسرائيلية عن استعدادات لتسلمها من جهاز الموساد بهدف تطويرها وإدارتها.

هذا الأمر أدى بالعواصم الثلاث إلى التشارك في “خطة بحرية ثلاثية” (سعودية ـ تركية ـ مصرية) لتسيير دوريات مشتركة ودعم خفر السواحل الصومالي؛ لمنع أي محاولات من إسرائيل وحلفائها لفرض الأمر الواقع في المناطق الانفصالية الصومالية.

والتنسيق المشترك بين الدول الثلاث صار واقعًا عن طريق الجهود المشتركة لدعم مقديشو لتنشيط موانئ استراتيجية في مناطق قريبة من “أرض الصومال”، مثل ميناء “لاسقوري”؛ لقطع الطريق على التمدد الخارجي هناك، فضلًا عن التوافق الاستخباراتي الذي تجلى في سلسلة لقاءات رفيعة المستوى جمعت بين رؤساء استخبارات الدول الثلاث في الرياض والقاهرة نهاية العام الماضي؛ لمراقبة الأنشطة الإسرائيلية في القرن الإفريقي.

كما أن التفاعلات الأخيرة على الأرض عكست تنسيقًا ثلاثيًا واسعًا للدعم العسكري للحكومة الصومالية بقيام تركيا بتدريب وحدات القوات الخاصة الصومالية، وتقديم مصر الأسلحة والمدرعات الحديثة، بينما تتكفل السعودية بالتمويل اللوجستي والغطاء السياسي داخل الجامعة العربية والمنظمات الدولية.

تُزاحم الدول الثلاث اليوم إسرائيل والإمارات في الصومال عن طريق دعم الحكومة الصومالية الفيدرالية بقوة، ليس لمجرد المنافسة، بل لمنع تحول “أرض الصومال” إلى منصة نفوذ إسرائيلية دائمة؛ ما دفع الرياض للتقارب مع مصر وتركيا بشكل غير مسبوق على رغم التباينات وتعارض المصالح.

اتجهت كل من مصر والسعودية وتركيا والصومال إلى التنسيق الدبلوماسي؛ لتشكيل جبهة صد إقليمية تواجه أي محاولات لتفتيت الصومال، بالتوازي مع دعم حكومة مقديشو سياسيًا ودبلوماسيًا، مع تسريع وتيرة تدريب وتسليح الجيش الصومالي، ونشر منظومات دفاعية بحرية على السواحل الصومالية؛ سعيًا إلى فرض واقع جديد يصعب على إسرائيل وحلفائها تجاوزه.

وعقدت الدول الثَّلاث لقاءات مكثفة مع حكومة مقديشو لمواجهة الخطوة الإسرائيلية، بوصفها سابقة خطيرة تهدد الأمن الإقليمي، وسط استعدادات للانخراط السياسي والعسكري والأمني في أي تحركات تقوم بها مقديشو لحماية الأراضي الصومالية من أي وجود عسكري أجنبي غير شرعي.

تكللت جهود التنسيق السياسي والدبلوماسي والأمني بإصدار الحكومة الصومالية قرارًا بإنهاء جميع الاتفاقيات الموقعة بينها وحكومة دولة الإمارات، بما في ذلك الوكالات الحكومية، والكيانات ذات الصلة، والإدارات الإقليمية داخل جمهورية الصومال الفيدرالية في خطوة قالت مقديشو أنها تسري على جميع اتفاقيات التعاون الأمني والدفاعي الثنائية والتعاون في موانئ بربرة، وبوصاصو، وكسمايو.

توسعات مُرجحة… من الهند إلى الصين

أكثر التقديرات ترجح أن خارطة التحالف العربي التركي الذي يسميه بعضهم بـ ” تحالف الأمر الواقع”، وكذلك التحالف الإسرائيلي الإثيوبي الذي يسميه آخرون بـ “تحالف التغيير” لن تبقى على حالها على المدى المنظور في ظل التقديرات التي تُرجح أن يشهد المحوران توسعًا بانضمام دول كبرى مؤثرة ترتبط بمصالح وثيقة بمنطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر وفي المقدمة الهند والصين.

وانضمام الهند المُرجح إلى ما يُعرف بـ “تحالف التغيير” يستند إلى علاقاتها الدبلوماسية والسياسية والأمنية الوطيدة بإسرائيل، كما يستند إلى مصالحها الاستراتيجية مع إثيوبيا، التي تعد ثالث شريك استثماري أجنبي للهند، وترتبط مع الهند بشراكة استراتيجية عميقة في مشروع “الممرات التجارية السيادية” الذي تقوده الهند بديلًا لمشروع الصين في ممرات الحزام والطريق، وهو الوضع الذي يمثل بالنسبة لإثيوبيا فرصة ذهبية للحصول على منفذ بحري يخرجها من طوق العزلة البرية.

ترى الهند في محور (إسرائيل – إثيوبيا) أداة مثالية لكسر احتكار القوى التقليدية (التحالف العربي التركي)، ولكسر القوى الصاعدة (الصين) للمدخل الجنوبي البحر الأحمر، وتطمح بذلك أن تكون لاعبًا يصعب تجاوزه في أي ترتيبات أمنية مستقبلية في القرن الإفريقي.

هذا الطموح يستند إلى رؤية الهند لأمنها القومي التي تعد القرن الإفريقي حدودًا غربية لمجالها الحيوي، في حين أن الدخول في محور تقوده إسرائيل سيوفر لها “عيونًا رقمية” وتكنولوجيا استخباراتية، في مقابل ما ستوفره لها إثيوبيا من عمق بري لتأمين هذا الوجود([11]).

وأي ترتيبات جديدة يقودها هذا المحور ستعمل بالضرورة على منح الهند حصة من الكعكة على شاكلة ضمان وصول بضائعها إلى السوق الإثيوبي الكبير (نحو 120 مليون مستهلك) بعيدًا عن التعقيدات السياسية في مقديشو، وزيادة حصة صادراتها من السلاح بالوصول إلى إثيوبيا و”أرض الصومال” وغيرها من دول شرق ووسط إفريقيا.

وأكثر من ذلك فإن انخراط الهند بهذا المحور سيتيح لها تحقيق طموحاتها بمنع الصين من الهيمنة على المحيط الهندي، خصوصًا أن نيودلهي لا تزال تنظر لحليفة الصين الصغيرة في القرن الإفريقي (جيبوتي) أنها مستعمرة لنفوذ بكين؛ ما دعا الهند إلى البحث عن بديل يمكنها بالتنسيق مع إثيوبيا من إنشاء ممر تجاري وأمني بديل تسيطر عليه إسرائيل بدلًا من هيمنة الصين.

أما بكين فإن انخراطها المحتمل ضمن المحور العربي التركي يأتي استنادًا إلى مصالحها الاستراتيجية التي تتقاطع مع المصالح الإسرائيلية الأميركية في القرن الإفريقي، ولا سيما في مشروعها ممرات الحزام والطريق.

ومعلوم أن أكثر ما تخشاه الصين هو الوجود العسكري والاستخباراتي لإسرائيل في ميناء بربرة، الذي تنظر إليه بكين تهديدًا حقيقيًا لأمن الملاحة الخاصة بمبادرة الحزام والطريق، خصوصا أنه سيتيح لقوى خارجية مراقبة السفن التجارية والنفطية الصينية، وربما اعتراضها أو التضييق عليها في أوقات الأزمات الدولية.

ولدى بكين مخاوف من احتمالات أن يقود الحضور الإسرائيلي في “أرض الصومال” إلى تطويق قاعدتها في جيبوتي التي تعد القاعدة العسكرية الخارجية الوحيدة لبكين في القرن الإفريقي، خصوصًا أن الوجود الإسرائيلي في “أرض الصومال” سيعني وجود “عين استخباراتية” أميركية قريبة من المركز اللوجستي الصيني، ما قد يحد من حرية نشاطه.

وقد استثمرت الصومال بالفعل هذه المخاوف إلى جانب مخاوف بكين السياسية من أن يقود الاعتراف الإسرائيلي بـ “أرض الصومال” الانفصالية إلى سيناريو مشابه مع تايوان، ما أفضى إلى تعهدات من بكين بدعم مقديشو استخباراتيًا وعن طريق “المراقبة الفضائية” لرصد أي أنشطة عسكرية إسرائيلية في الإقليم الانفصالي؛ لتشكل الصين مركز قيادة لحلف دولي مناهض للمشاريع الإسرائيلية في المنطقة.

هذا الأمر فسر موقف الصين التي ظهرت أنها من أكثر القوى الدولية حزمًا في معارضة الاعتراف الإسرائيلي بـ “أرض الصومال”؛ إذ وصفت الخارجية الصينية هذه الخطوة بأنها “تآمر مع قوى خارجية” لتقسيم دولة ذات سيادة.

وفقا لذلك وقعت الصين مع الصومال في ديسمبر الماضي اتفاقيات لتعزيز قدرات مكافحة الإرهاب وخفر السواحل، تشمل تزويد مقديشو بطائرات بدون طيار ومعدات مراقبة متطورة لحماية مياهها الإقليمية.

وبدأت الصين بتفعيل “نظام مراقبة فضائية” عن طريق الأقمار الصناعية لمساعدة مقديشو في رصد أي أنشطة عسكرية أو إنشائية غير قانونية في سواحل “أرض الصومال”، وتزويد الجيش الصومالي ببيانات دقيقة عن التحركات الأجنبية.

وأكثر من ذلك فقد تعهدت بكين بضخ استثمارات في البنية التحتية في مقديشو والولايات الصومالية الأخرى؛ لتقوية مركز الحكومة الفيدرالية اقتصاديًا، مما يجعلها قادرة على “منافسة” الإغراءات الاقتصادية التي تقدمها إسرائيل والإمارات لـ “أرض الصومال”.

والدور الصيني الذي أصبح أمرًا واقعًا، سيفتح الطريق بلا شك لتنسيقٍ ما مع التحالف العربي التركي، ولا سيما مع مصر وتركيا الذي بواسطته ستؤدي بكين دور الممول والمراقب التكنولوجي، بينما تؤدي أنقرة والقاهرة دور “الضامن العسكري” على الأرض.

والهدف الصيني من كل ذلك ليس مجرد دعم الصومال، بل هو “حماية قواعد اللعبة الدولية” التي تخدم مصالحها، وإجهاض أي محاولة للاعتراف بالأقاليم المنفصلة؛ لضمان بقاء قضية تايوان قضية داخلية صينية، مع السعي لتحجيم النفوذ الغربي- الإسرائيلي، بما يضمن بقاء مدخل البحر الأحمر منطقة نفوذ متعدد لا تسيطر عليها إسرائيل وحلفاؤها المقربون من واشنطن.

المصادر والمراجع

[1] كان إعلان الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في فعالية توقيع رسمية في تل أبيب في 26 ديسمبر الماضي بثتها وسائل الإعلام الإسرائيلية والعربية والدولية، بينما لم يصدر بيان رسمي من وزارة الخارجية الإسرائيلية يؤكد الاعتراف القانوني الكامل حتى الآن

[2] – زيارة ساعر إلى أرض الصومال تكسر توازنات القرن الإفريقي، صحيفة “العربي 8 يناير 2026

[3] – صادقت السعودية على الاتفاقية في مايو 2025، بحسب وكالة الأنباء الوطنية الصومالية:

https://2u.pw/w8bS6

[4] – وزارة الخارجية السعودية (2025). بيان مشترك حول نتائج المباحثات الثنائية بين المملكة العربية السعودية وجمهورية الصومال الفيدرالية بشأن تعزيز التعاون الأمني والدفاعي

[5]– بيان الرئاسة المصرية حول القمة المصرية الصومالية بالقاهرة، 23 يناير 2025:

https://2u.pw/QTvMV

[6] – استندت القاهرة في تحركها هذا إلى “معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي” لعام 1950، وتحديدًا المادة الثانية التي تنص على أن “أي اعتداء على أي دولة متعاقدة هو اعتداء عليها جميعًا

[7]– وقائع الاجتماع الطارئ لوزراء خارجية الدول الإسلامية حول سبل التصدي لتقسيم الصومال، القاهرة الإخبارية، يناير 2026

[8] بيان دائرة الاتصال في الرئاسة التركية حول المباحثات الهاتفية بين الرئيس رجب طيب أردوغان والشيخ محمد بن زايد آل نهيان بشأن القضايا الإقليمية وأمن القرن الإفريقي. أنقرة، 5 يناير 2026

[9] – تركيا تعزز قدراتها بإنشاء ميناء فضائي في الصومال، وكالة أنباء الأناضول، ديسمبر 2025:

https://2u.pw/fk1mR

[10]– نقاط القوة بين تركيا والسعودية ومصر وباكستان، قراءات صومالية، يناير 2026:

https://2u.pw/gqfxe

[11] – معتصم سمارة: العلاقات الهندية الإسرائيلية… الأبعاد الاستراتيجية، مركز القدس، سبتمبر 2023:

https://2u.pw/IaJmMKH

كاتب