التواجد العسكري السعودي في اليمن”المواقع والدوافع”

أحمد محمد القانص

مقدمة

طرأ على التواجد العسكري السعودي في اليمن تغييرات وتحولات أثَّرت على طبيعته، من الحضور العسكري المباشر إلى إدارة النفوذ عبر الفواعل المحلية من جهةٍ أخرى؛ ففي سياق عجز “التحالف” بقيادة السعودية عن الحسم العسكري، لم يعد التواجد ثابتاً أو عسكرياً محضاً، بل اتخذ أشكالاً متغيرة تستجيب لموازين القوى المتحركة.

استغلت المملكة في العام 2015 الوضع السياسي والأمني المتأزم في اليمن، لتسويغ تدخل عسكري غير قانوني انتهك السيادة الوطنية ومبادئ حسن الجوار، تحت لافتات حماية الحدود والدفاع عن الأمن القومي العربي، واستعادة “الشرعية”، وأسهم هذا التدخل في تفكيك البنية المؤسسية للجمهورية اليمنية، وتكريس منطق الوصاية الأمنية، وإعادة إنتاج الأزمة اليمنية وتعقيدها، ضمن مطامح النفوذ الإقليمي.

تنطلق الورقة من فرضيةٍ أن المقاربة السعودية للأزمة في اليمن شهدت تحوّلاً جذرياً؛ فبعد وصول العمليات العسكرية إلى طريق مسدود، انتقلت السياسة السعودية إلى سياسة التحكم في المجال الاستراتيجي عبر إعادة توزيع أدوات القوة في المناطق الواقعة خارج نطاق السيادة الوطنية، وتفكيك هذه الجغرافيا إلى مناطق نفوذ تؤدي أدوارا أمنية وسياسية محددة. ووفقاً لذلك، تهدف الورقة البحثية إلى تحليل أنماط هذا التواجد من حيث مواقعه وأدواره ودوافعه، مع التركيز على الآليات التي تعتمدها الرياض لإدارة نفوذها في اليمن.

ويتتبع الباحث تطور التدخل السعودي منذ العام 2015، وتحليل خارطة الانتشار العسكري المباشر، وفحص دور التشكيلات المحلية المدعومة سعودياً بوصفها أداةً مركزية لإدارة النفوذ، وصولاً إلى تقييم موقع ومستقبل الميليشيا الحليفة، خصوصاً في سياق الصراع المتصاعد على الشرق اليمني، وما يحمله ذلك من دلالات على اتجاهات السياسة السعودية المقبلة تجاه اليمن.

خلفية تاريخية

أقدمت السعودية في 26 مارس 2015 على تشكيل تحالف عسكري بمشاركة نحو 17 دولة، وباشرت عمليات عسكرية مكثفة على الأراضي اليمنية تحت مسمى ” عاصفة الحزم”. وعملت السعودية قبل ذلك على ضبط العملية السياسية في اليمن عقب أحداث 2011، وما يعرف بـ”الربيع العربي” حتى لا تفقد مصالحها مع التغيرات السياسية في البلد، لكن المخاوف من فقدان السيطرة على اليمن، تفاقمت مع المتغيرات التي شهدتها صنعاء في 21 سبتمبر 2014، وبروز أنصار الله كفاعل سياسي وأمني يمني من خارج القوى اليمنية التقليدية المرتبطة بالسعودية ([1]).

قادت السعودية خلال الفترة 2015-2017 تدخلا عسكرياً واسعاً، اعتمد على القوة الجوية، بدعوى إعادة “الشرعية” وتأمين حدودها الجنوبية([2])، مع حضور بري محدود، مقابل انخراط إماراتي أوسع في الجنوب والساحل الغربي. إلا أن تعقيدات الميدان وفشل الحسم السريع أدّيا إلى استنزاف اقتصادي للمملكة وتأثير على سمعتها الدولية([3])، ما دفع الرياض إلى الانتقال من منطق “الحرب الخاطفة” إلى إدارة الصراع الذي امتد زمنياً.

منذ 2018، اتجهت السعودية إلى إعادة تموضع عسكرية، خفّضت فيها الانخراط العسكري المباشر مقابل السيطرة على مناطق جغرافية معينة ذات أهمية بالنسبة لها، خصوصاً في حضرموت والمهرة والحدود الجنوبية مع اليمن، مع الاعتماد على وكلاء محليين مواليين لها.

سعت الرياض خلال هذه المرحلة إلى موازنة النفوذ الإماراتي في حضرموت، بينما تطور حضورها في المهرة إلى سيطرة على المنافذ وخطوط الإمداد، ما أثار سخطاً واعتراضاً محلياً([4]).

ومع تصاعد الرد العسكري اليمني العابر للحدود منذ 2020، وكذا استمرار الضغوط الدولية في الجانب الحقوقي والإنساني، تبنّت السعودية نمطاً أكثر براغماتية يقوم على تقليص التواجد العسكري المباشر وإعادة هندسة النفوذ عبر تشكيلات محلية وأدوات أمنية هجينة، من بينها ميليشيا “درع الوطن”.

خارطة الانتشار العسكري السعودي في اليمن

يقوم التواجد العسكري السعودي في اليمن على التحكم في المفاصل الجغرافية الحساسة، بعد استنزاف السعودية منذ 2015، من خلال الإنفاق الضخم على الذخائر والأسلحة، أو السمعة السيئة التي باتت تعرف بها في الأوساط الدولية، لذا فضّل النظام السعودي النفوذ من خلال الاكتفاء بتدريب وتسليح الميليشيات الموالية واستخدم القواعد والمواقع بوصفها أدوات ضبط سياسي وأمني ولوجستي تحفظ عبرهم مصالحها ونفوذها([5]).

ويمكن فهم التواجد العسكري السعودي في اليمن باعتباره شبكة مواقع متغيرة الوظيفة، لا خارطة انتشار ثابتة، تتوزع بين:

  • مواقع أُنشئت لأداء دور مرحلي ثم جرى الانسحاب منها.
  • مواقع استُبدل فيها الوجود السعوي المباشر بتشكيلات محلية موالية.
  • مواقع محدودة احتفظت فيها المملكة بحضور مباشر نظراً لقيمتها الاستراتيجية.

يعكس هذا التدرج في أنماط الانتشار تحوّل الاستراتيجية السعودية من الحرب المفتوحة إلى إدارة تفكك المجال الجغرافي اليمني، بحيث لم تعد الأرض ميداناً للقتال بقدر ما أصبحت مساحة للضبط الأمني وتقاسم النفوذ، في غياب أي أفق للحسم العسكري أو الحل السياسي.

أولاً: عدن ولحج وشبوة

ظل الحضور السعودي في مدينة عدن منذ البداية أقل كثافة وتأثيراً من نظيره الإماراتي، واتخذ طابعاً تنسيقياً–رمزياً، واقتصر الانتشار السعودي على حماية مقار الحكومة العميلة مثل قصر المعاشيق، ومعسكر قيادة التحالف في البريقة، والتواجد في مواقع حيوية مثل مطار وميناء عدن، إضافة إلى إحكام السيطرة على حركة أعضاء الحكومة بحجة تأمينها، وإدارة قنوات الاتصال السياسية والأمنية مع الميليشيا والتحالفات القبلية الموالية، وقد تموضعت بوصفها ضامناً سياسياً وأمنياً، خصوصاً بعد أحداث أغسطس 2019 ([6])، حيث انحصر دورها في إدارة التوازن بين حكومة المنفى والمجلس الانتقالي. ومع تصاعد النفوذ الإماراتي من خلال الانتقالي، تراجع الحضور السعودي تدريجياً، وصولاً إلى انسحابه من قصر المعاشيق في مطلع ديسمبر 2025، في لحظة عكست انكماش الدور السعودي المباشر في عدن، مقابل انتقال مركز الثقل نحو الشرق اليمني([7]). وفي الأحداث الأخيرة استطاع الانتقالي التوسع إلى حضرموت والمهرة، لكن المعركة أفضت إلى تراجع قوات الانتقالي تحت ضغط سعودي سياسي، وعسكري، انسحبت قوات الانتقالي من كل معظم مناطق تواجدها في المحافظات الجنوبية، وكذلك في عدن، فتسلمت “درع الوطن” في 8 يناير 2026، معسكري جبل حديد ورأس عباس في عدن([8]).

أما في محافظة لحج، فاقتصر الوجود السعودي على قاعدة العند الجوية ضمن إطار تنسيقي محدود، دون محاولة تحويلها إلى مركز نفوذ مستقل، وكان الحضور السعودي في شبوة منذ دخوله عام 2019 رمزياً ومؤقتاً، هدفه الأساسي منع الانفراد الإماراتي الكامل بالمحافظة الغنية بالطاقة، ومراقبة التوازن بين التشكيلات المحلية([9]).غير أن الانسحاب من مطار عتق في نوفمبر 2021 شكّل مؤشراً واضحاً على انتقال الدور السعودي من الميدان إلى الإدارة غير المباشرة، وإخراج شبوة من دائرة الانتشار العسكري المباشر([10]). وعقب أحداث ديسمبر2025، وانسحاب الانتقالي بضغط سعودي، أعلنت سلطات أبين وشبوة ولحج ترحيبها بالميليشيا الموالية للسعودية.

ثانياً: حضرموت

تعتبر السعودية حضرموت عمقاً أمنياً واستراتيجياً لها، وقد اتسم الانتشار السعودي في المحافظة النفطية بالهدوء والتدرج، وتحديدا في الوادي والصحراء، مع تركيز على مطار سيئون وبعض المعسكرات، بينما سيطر الانتقالي الموالي للإمارات على المدن الساحلية.

أشرفت السعودية عملياً على المنطقة العسكرية الأولى، وقادت عملية إعادة هندسة المشهد الأمني عبر دعم ميليشيات موالية، مع الإبقاء على نقاط ارتكاز استراتيجية، وفي مقدمتها منفذ الوديعة. ومع نهاية 2021، انسحبت القوات السعودية المباشرة من عدد من المواقع، لكنها لم تغادر حضرموت فعلياً، بل أعادت تموضعها عبر استبدال الحضور العسكري المباشر بنفوذ أمني–قيادي، يتحكم بالقرار العسكري المحلي وبتوازنات القوة، ويدعم تشكيلات جديدة مثل “درع الوطن”([11]).

سعت السعودية في حضرموت إلى احتواء النفوذ الإماراتي المتصاعد، لتظل المحافظة تحت إشرافها مع استخدامها كأداة توازن استراتيجية.

ثالثاً: المهرة

بدأ التواجد السعودي في المهرة منذ نوفمبر 2017، والذي جاء تحت غطاء محاربة التهريب وضبط الحدود مع سلطنة عُمان، فتمركزت القوات السعودية في مطار الغيضة – الذي جرى تحويله إلى قاعدة عسكرية – وميناء نشطون، ومنفذي شحن وصرفيت، إضافة إلى إنشاء ما يقارب عشرين موقعاً عسكرياً ([12]).

غير أن كثافة البنية العسكرية التي أُنشئت في محافظة خالية من وجود أنصار الله كشفت أن الدور السعودي تجاوز مسألة حماية حدوده والحد من توسع أنصار الله كما هو معلن. فالمهرة تمثل للرياض عقدة جيوسياسية حساسة، مرتبطة بالتدخلات في الحدود الشرقية لليمن مع سلطنة عُمان([13]). ومشاريع نقل الطاقة، وفي مقدمتها مشروع خط أنابيب نفطي محتمل إلى بحر العرب يتيح تجاوز مضيق هرمز([14])، وقد قامت المملكة في السنوات الأخيرة بترجمة ذلك بمحاولات وضع علامات لشق القناة قوبلت باستنكار واسع من قبل أبناء المحافظة وخصوصاً لجنة الاعتصام السلمي التي تصدرت المشهد. ومع تصاعد الكلفة السياسية والإعلامية، بدأت السعودية منذ 2021 بسحب قواتها المباشرة من معظم المواقع، مع الإبقاء على نفوذ أمني غير مباشر عبر الإشراف الحدودي والتأثير في القرار المحلي([15]).

رابعاً: المناطق الشمالية والحدودية

حافظت السعودية على وجود عسكري مباشر ومكثف نسبياً على امتداد الشريط الحدودي مع اليمن، عقب معارك امتدت إلى عمق أراضيها رداً على عدوانها، وأثبت المقاتل اليمني تفوقه رغم إمكاناته العسكرية المتواضعة. وقد انتشر مئات الجنود السعوديين ومرتزقة من السودان في المناطق المحاذية لمحافظتي صعدة وحجة، في مواقع بمحاذاة الظاهر وشدا والملاحيط وميدي وحرض.

اتسم هذا الانتشار بطابع اعتمد على التحصينات والمراقبة والتكنولوجيا المتقدمة أكثر من العمليات البرية العميقة. وهو البعد الوحيد في التواجد العسكري السعودي الذي لم يخضع لمنطق إعادة التموضع، نظراً لارتباطه المباشر بمخاوف عابرة للحدود. كما شهدت محافظة مأرب تواجداً سعودياً محدوداً جرى سحبه مع اقتراب المعارك من المدينة في 2021، في خطوة عكست أن الهدف لم يكن النفوذ داخل مأرب، بل تحييد التهديد المباشر للأراضي السعودية ([16]).

 

خامساً: الجزر والمناطق الساحلية الاستراتيجية

شهدت جزيرة سقطرى تواجداً سعودياً منذ 2018 تحت مسمى “قوة الواجب”، تولت إدارة المطار وبعض المرافق، قبل أن تنسحب لاحقاً لصالح نفوذ إماراتي أوسع، في إطار إعادة توزيع الأدوار داخل التحالف([17]). في المقابل، احتفظت السعودية بتواجد محدود لكنه بالغ الأهمية في جزيرة ميون عند باب المندب، باعتبارها نقطة تحكم بحرية استراتيجية لا تحتمل الفراغ، أما في الساحل الغربي، فقد تسلمت السعودية مواقع من الإمارات في سياق تنسيقي، دون تحويلها إلى مراكز انتشار دائمة([18]).

هذه المقاربة مهّدت للانتقال المنهجي إلى الاعتماد على التشكيلات المحلية، وعلى رأسها قوات درع الوطن، التي تمثل الذراع العملياتي الجديد للنفوذ السعودي، وتفتح الباب لفهم المرحلة التالية من الدور السعودي في اليمن.

ميليشيا درع الوطن

أولاً: النشأة والسياق السياسي–الأمني

انتقل النفوذ السعودي في اليمن منذ 2021، من التدخل العسكري المباشر إلى إدارة المجال الأمني عبر أدوات محلية مُعاد تصميمها. في هذا الإطار، برزت ميليشيا درع الوطن كنموذج عسكري–أمني هجين، لا هو امتداد للقوات الحكومية المدعومة من التحالف ولا ميليشيا محلية تقليدية، بل أداة نفوذ منخفضة الكلفة، وموالية للسعودية، وقابلة لإعادة التوظيف بحسب الجغرافيا ومتطلبات الصراع.

نشأت هذه الميليشيا في سياق تآكل فعالية التشكيلات النظامية، وتصاعد الانقسامات داخل المعسكر الموالي للسعودية والإمارات، واتساع الفراغات الأمنية في الشرق والجنوب، مقابل غياب قوة محلية موثوقة. بدأت نواتها بتأسيس ميليشيا “العمالقة”، التي سميت لاحقاً “قوات اليمن السعيد” ثم “العمالقة الجديدة” قبل أن يكتمل تشكيلها مع التحول السياسي في أبريل 2022، بتنحية عبد ربه منصور هادي ونقل صلاحياته إلى مجلس رئاسي بقيادة رشاد العليمي([19]).

وظيفياً، صُمّمت ميليشيا درع الوطن للانتشار الانتقائي في المناطق الحساسة، بهدف ملء الفراغات الأمنية، وتأمين الطرق والمرافق الحيوية، وموازنة الميليشيات الموالية للإمارات، ضمن دور أمني محدود بلا أفق سياسي، بما عكس المقاربة السعودية الجديدة القائمة على إدارة التنافس لا حسمه.

ثانياً: الهيكل والتنظيم والولاء

تتسم ميليشيا درع الوطن ببنية تنظيمية هجينة، تجمع بين الشكل الرسمي والانضباط العسكري من جهة، والمرونة العملياتية للميليشيا شبه النظامية من جهة أخرى. تتوزع الميليشيا على ثلاث فرق تشغيلية رئيسة، تضم نحو 22 لواءً قتالياً([20]) وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن قوامها قد يصل إلى 80 ألف عنصر، إلا أن نمط الولاء يقوم على علاقة رعاية–أمن مع القيادة السعودية([21]) ما منح الرياض السلطة المطلقة في الضبط والتوجيه، وقلل من مخاطر الانشقاق أو التسييس الحزبي. بهذا المعنى، تؤدي المليشيات وظيفة مباشرة بدون امتداد اجتماعي سياسي كأي شركة أمنية.

ثالثاً: الانتشار الجغرافي

لم يُصمَّم انتشار ميليشيا درع الوطن ليكون واسعاً عددياً أو شاملاً جغرافياً، بل انتقائياً وموجهاً نحو المفاصل الحيوية.

تُعد حضرموت المحافظة الساحة الأهم لدرع الوطن، حيث انتشرت في الفترة الأخيرة وخصوصاً العام 2025، في ظل سياسة تدريجية وجه بها رشاد العليمي لتقليص انتشار المنطقة العسكرية الأولى الموالية للإخوان، في الطرق الدولية الاستراتيجية مثل خط العبر–الخشعة وخط العبر–الوديعة، وتولت السيطرة على مواقع عسكرية حساسة مثل اللواء 23 ميكانيكي في مديرية العبر، إضافة إلى انتشارها في مناطق وادي وصحراء حضرموت، بما فيها مناطق حدودية مثل مديرية زمخ ومنوخ، وتتوزع مراكز القيادة بين الوديعة وسيئون، في دلالة على الربط بين البعد الحدودي والبعد الداخلي([22]).

ومؤخراً-ديسمبر 2025- تجمع ما يصل إلى 20 ألف عنصر من ميليشيا درع الوطن على الحدود اليمنية السعودية، في ظل محاولة المجلس الانتقالي التوسع في محافظة حضرموت ([23]) لكن الانتقالي تراجع بعد ذلك أمام التدخل والضغط السعودي، وأوعزت السعودية لميليشيا درع الوطن بالانتشار في المكلا التي ظلت بيد الانتقالي لسنوات.

في المهرة، تمركزت ميليشيا درع الوطن في مرافق سيادية مثل مطار الغيضة الدولي، واتخذت من مدينة قشن مركز قيادة لوحدات تنتشر في المحافظة. جاء هذا الانتشار ليحقق بقاء النفوذ السعودي دون كلفة الحضور العسكري المباشر.

أما في عدن ولحج والضالع، فتتركز قيادة الميليشيا في قاعدة العند الجوية، التي تمثل القلب الإداري والعملياتي للتشكيل، فيما انتشرت وحدات الفرقة الأولى في عدن لتأمين المدينة وأطرافها، مع امتدادات عملياتية تصل إلى أطراف تعز (انسحبت من عدن ديسمبر 2025م، ثم عادت للانتشار من جديد مطلع يناير 2026، بعد انسحاب ميليشيا الانتقالي الانفصالية). وفي محافظة أبين، تمركزت وحدات من اللواء الرابع في المنطقة الوسطى ولودر، بوصفها مناطق تماس حساسة مع البيضاء التي تديرها الحكومة في صنعاء. كما تنتشر وحدات أخرى في أطراف مأرب والجوف، تضم عناصر من الشمال والجنوب، بما يعزز فرضية انها تقوم بوظيفة العزل الحدودي أكثر منها هجومية.

وعلى الرغم من اتساع رقعة الانتشار، فإن دور هذه المليشيا ظل محصوراً في إدارة التوازنات القائمة ومنع انهيارها أو انفراد طرف محلي أو إقليمي بالسيطرة([24])، لكن تطور الأحداث في ديسمبر 2025م، قد تؤدي إلى المزيد من الانتشار للميليشيا المدعومة سعودياً.

رابعاً: الوظيفة الاستراتيجية

ليست الوظيفة الأساسية لميليشيا درع الوطن خوض معارك كبرى أو تغيير موازين الحرب مع صنعاء، بل إدارة الفراغات الأمنية، وضبط التوازنات المحلية، وحماية الطرق والمرافق الحيوية، خصوصاً في المناطق التي تعتبرها السعودية خطوط تماس استراتيجية مع مشاريع منافسة. فهي أداة احتواء أكثر منها أداة صدام، ووسيلة لإدارة الصراع لا لحسمه.

بهذا المعنى، تشكّل هذه الميليشيا حلقة وصل بين الانسحاب العسكري السعودي المباشر وبين استمرار النفوذ، وتسمح للرياض بالتحكم بالمجال الأمني دون تحمّل كلفة سياسية أو عسكرية مرتفعة. كما تمنحها قدرة على إعادة توزيع الأدوار داخل ميليشياتها المحلية، وموازنة النفوذ الإماراتي، دون الدخول في مواجهات مفتوحة مع الانتقالي والأحزمة الأمنية التابعة للإمارات.

خامساً: مستقبل درع الوطن

يرتبط مستقبل مليشيا “درع الوطن” بالدور السعودي في اليمن، وقد كشفت الانسحابات الأخيرة المتوالية بداية من عدن وحتى المهرة أمام تقدم الانتقالي في أحداث مطلع ديسمبر 2025، محدودية قدرة هذه التشكيلات على التماسك والاستمرار، رغم ما ضُخّ فيها من موارد مالية وتنظيمية كبيرة.

ويكشف هذا التراجع طبيعة “درع الوطن” بوصفها تشكيلات وظيفية مؤقتة، تفتقر إلى الحاضنة الاجتماعية وإلى العقيدة القتالية، وتتحرك ضمن إطار مقاربة سعودية تقوم على إدارة النفوذ وتقاسم الجغرافيا مع الإمارات. غير أن انحسار دور هذه المليشيا يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى استمرارها، وإمكانية أن ينكمش الدور السعودي مستقبلاً ليقتصر على حماية نفوذه المباشر في حضرموت دون قدرة على التمدد خارجها.

ومع ذلك، أعادت السعودية درع الوطن إلى واجهة المشهد عبر انتشارها الجديد، مع تراجع الإمارات والانتقالي أمام الضغط السعودي

وفي حال أفضت المسارات السياسية إلى تفاهمات سعودية مع صنعاء تفرض انسحاباً شاملاً للقوات الأجنبية، يُرجّح أن تفقد “درع الوطن” وظيفتها بالكامل، لتتحول من أداة نفوذ مرحلية إلى عبء سياسي وأمني مرشح للتفكك.

ميليشيا حلف قبائل حضرموت

أولاً: الإطار الزمني والنشأة

تأسس حلف قبائل حضرموت رسمياً في 7 يوليو 2013 في منطقة “وادي نحب”، استجابة لدعوة قبائل الحموم، وفي سياق سياسي اتسم بتفكك السلطة المركزية، وتزامن مع انعقاد مؤتمر الحوار الوطني الشامل (مارس 2013 – يناير 2014). لم يكن التأسيس حدثاً عابراً، بل تعبيراً عن لحظة إعادة تنظيم للهوية السياسية–القبلية في حضرموت، في ظل شعور متزايد بالتهميش، وتصاعد مطالب الحكم الذاتي، وغياب الدولة عن إدارة الموارد والأمن. مثّل الحلف منذ نشأته محاولة لتحويل الثقل القبلي الحضرمـي من حالة احتجاج متفرّق إلى إطار جامع قادر على التفاوض وفرض الشروط، سواء على السلطة المركزية أو على الفاعلين السياسيين الصاعدين. وقد جرى انتخاب المقدم سعد بن حمد بن حبريش رئيساً للحلف، قبل اغتياله بعد أشهر، في حادثة كشفت هشاشة المرحلة الأولى، ودفعت إلى إعادة هيكلة القيادة وترسيخ الطابع الأمني–العسكري للحلف لاحقاً([25]). ضمن ما عرف حينها بالهبة الشعبية.

ثانياً: البنية التنظيمية والقوة العسكرية

تطور الحلف من طبيعته الاجتماعية إلى القيام بدور أمني منظم عبر جناحه العسكري المعروف باسم “قوات حماية حضرموت” والذي تلقى تدريبا عسكرياً سعودياً مباشراً في العام 2025، التي تمثل الذراع العملياتية للحلف. تتكون هذه الميليشيا القبلية من نحو ستة ألوية عسكرية، مدعومة بآليات وتسليح سعودي، ويُقدَّر قوامها البشري بحوالي 35 ألف مقاتل، مع خطط توسع إضافية في السنوات الأخيرة.

ينتشر هذا الجناح العسكري في وادي وصحراء حضرموت، مع مقر رئيسي في منطقة الهضبة، ويتولى مهام السيطرة على القطاعات البترولية، والسيطرة على الطرق الصحراوية. يقود الحلف حالياً الشيخ عمرو بن حبريش، الذي أشرف على تشكيل اللواء الأول في يونيو 2025، في خطوة عكست انتقال الحلف من صيغة المقاتلين القبليين إلى صيغة ” القوات النظامية”.

ثالثاً: الانتشار والمجال الحيوي

يتركز انتشار الحلف حالياً-ديسمبر 2025- في وادي حضرموت والهضبة والمناطق الصحراوية المحيطة بالحقول النفطية، مع نقاط مراقبة وتحصينات على الطرق المؤدية إلى منشآت الطاقة وخطوط النقل. هذا التمركز ليس اعتباطياً، بل يعكس وظيفة استراتيجية واضحة: السيطرة على المجال الاقتصادي–الأمني، لا على المراكز الحضرية.

بهذا المعنى، يشكّل الحلف قوة ضبط محلية موجهة أساساً ضد أي اختراق خارجي غير مرغوب فيه، وخصوصاً محاولات تمدد المجلس الانتقالي الجنوبي أو النفوذ الإماراتي إلى عمق حضرموت، بما قد يهدد التوازن الذي تسعى السعودية إلى تكريسه في الشرق اليمني([26]) وبخلاف قوات درع الوطن فقوات الحماية الحضرمية لها امتداد اجتماعي حضرمي.

رابعاً: الدور المستقبلي لحلف حضرموت

يرتبط مستقبل حلف قبائل حضرموت بمدى امتثاله للإطار الأمني المدعوم سعودياً. فالمملكة تنظر إلى حضرموت بوصفها ركيزة استراتيجية طويلة الأمد، بسبب مواردها، وموقعها الحدودي ومواردها النفطية، واتصالها بالممرات الشرقية، وعليه، فإن الوظيفة الاستراتيجية للحلف تُختزل في ثلاث مهام رئيسة:

  • دور الحارس للموارد الحيوية وتسخيرها في خدمة النفوذ السعودي.
  • ضبط التوازنات المحلية ومنع انفراد الانتقالي وبالتالي التحكم الإماراتي بالمحافظة.
  • تأمين الحدود الجنوبية-الشرقية للسعودية، وضمان إبقاء هذا المجال الحيوي تحت نفوذ المملكة وسيطرتها الأمنية المباشرة.

تبقى استقلالية الحلف محدودة، ضمن هذا المنطق، مع احتمال دمج بعض تشكيلاته تدريجياً في أطر أمنية نظامية أو شبه نظامية، بما يمنع تحوله إلى قوة ذات قرار مستقل، ويضمن بقاءه ضمن منظومة النفوذ السعودي.

 

المراجع

[1] ناجي، أحمد، دراسة “مخاطر الاستراتيجية السعودية المرتكزة على الأمن في اليمن” مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط،27 يناير 2023.https://carnegieendowment.org/research/2022/10/the-pitfalls-of-saudi-arabias-security-centric-strategy-in-yemen?lang=ar

[2] قناة العربية يوتيوب “مؤتمر صحفي للسفير السعودي لدى واشنطن عادل الجبير” 26 مارس 2015.

 https://youtu.be/bBF84XCImUQ?si=whkQRYSsA8javgly

[3] روفيرا، دوناتيلا “المجزرة البشرية لحرب المملكة العربية السعودية في اليمن” موقع منظمة العفو الدولية،  27 أغسطس 2015.

https://www.amnesty.org/ar/latest/news/2015/08/the-human-carnage-of-saudi-arabias-war-in-yemen

[4] الجزيرة نت “السعودية والإمارات تتقاسمان كعكة النفوذ في حضرموت” 22 يوليو 2018م. https://aja.me/35nlly

 

[5] مركز المخا للدراسات، “أبعاد ودلالات سحب القوات السعودية من مناطق سيطرة السلطة الشرعية” 17 نوفمبر 2021. https://wp.me/pghRh9-1n6/

 [6]أحداث 7 أغسطس 2019: هي معارك دارت رحاها في عدن بعد دعوات هاني بن بريك نائب رئيس المجلس الانتقالي للنفير العام والسيطرة على قصر المعاشيق، بدعوى خضوع هادي وحكومته للإخوان، وضرورة مكافحة “الإرهاب” فقامت قوات الانتقالي باقتحام المعسكرات والمقار الحكومية ما أدى فرار أعضاء حكومة هادي إلى الرياض، وقد حصدت المعارك خلال أربعة أيام نحو سبعين قتيلا. تدخل بعدها التحالف لتهدئة الوضع لكن عادت المعارك متقطعة مع رفض الانتقالي الانسحاب، وفي 29 أغسطس قصف الطيران الإماراتي قوات هادي التي كانت تستعد لإستعادة عدن من سيطرة القوات التابعة للانتقالي، وأسفر القصف عن مقتل 300 جندي على الأقل.

[7] العربي الجديد “السعودية تعيد تموضعها العسكري في اليمن: خريطة النفوذ ومواقع الانتشار” 9 ديسمبر 2025. https://edgs.co/68g88

[8] وكالة الأناضول، ” اليمن.. قوات “درع الوطن” تتسلم معسكرين في عدن” 8 يناير 2026. http://v.aa.com.tr/3793342

[9] موقع عربي 21 “قوات يمنية شكلتها السعودية تتسلم قاعدة العند الجوية” 29 ديسمبر 2022. https://arabi21.com/story/1484635/ .

[10]   مركز المخا للدراسات، “أبعاد ودلالات سحب القوات السعودية من مناطق سيطرة السلطة الشرعية” (مصدر سابق)

[11] مطهر، حسين محمد حسين ” التواجد العسكري السعودي والإماراتي في اليمن وفقاً للنظرية الواقعية ونظرية التبعية في العلاقات الدولية” مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية – جامعة صنعاء، 6 مايو 2024. https://journals.su.edu.ye/index.php/jhs/article/view/319

[12] الجزيرة نت، “بالأرقام.. ما حجم وعتاد القوات السعودية في اليمن؟” 17 أكتوبر 2019.  https://aja.me/ltnbz3

[13] Dall’Asta, Lucia, Oman’s Neutrality Under Pressure: Al-Mahra as the New Test for Muscat’s Diplomacy, ISPI, 27 Nov 2025.  https://www.ispionline.it/en/publication/omans-neutrality-under-pressure-al-mahra-as-the-new-test-for-muscats-diplomacy-224253

[14] Lister, Tim, WikiLeaks documents reveal Arab states’ anxiety over Iran, CNN November 29, 2010. https://edition.cnn.com/2010/US/11/28/us.wikileaks.iran/index.html

[15] وكالة الأناضول، “رئيس اعتصام المهرة عامر سعد كلشات: التواجد السعودي بالمهرة “احتلال” (مقابلة)” 30 سبتمبر 2020. https://www.ispionline.it/en/publication/omans-neutrality-under-pressure-al-mahra-as-the-new-test-for-muscats-diplomacy-224253

[16] مركز المخا للدراسات، “أبعاد ودلالات سحب القوات السعودية من مناطق سيطرة السلطة الشرعية”. (مصدر سابق)

[17]العربي الجديد، “السعودية تعيد تموضعها العسكري في اليمن: خريطة النفوذ ومواقع الانتشار”. (موقع سابق)

[18] العربي الجديد، “التحالف السعودي الإماراتي يُقر بوجود “تجهيزات” في جزيرة ميون اليمنية بعد سخط واسع” 27 مايو 2021. https://2u.pw/G2UTu

[19]     الجزيرة نت، “درع الوطن”.. أول قوة عسكرية أنشأها مجلس القيادة الرئاسي باليمن، 7 ديسمبر 2025. https://aja.ws/yfs7jl

[20] (المصدر السابق).

[21] علي، سكينة، و باعويضان، عزت وجدي ” تحول محتمل في السياسة السعودية في اليمن” موقع قناة الحرة 24 ديسمبر 2025. https://alhurra.com/en/9429

[22] مركز واشنطن للدراسات اليمنية، “قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من الإمارات العربية المتحدة تتوسع شرقاً بينما ترسل السعودية لجنة أمنية لاحتواء التداعيات” 5 ديسمبر2025. https://wcys.org/uae-backed-stc-forces-expand-eastward-as-saudi-arabia-sends-security-committee-to-contain-fallout/

[23] The guardian “Saudi-backed forces gather on Yemen border as separatists face pressure to pull back” 18 Dec 2025. https://www.theguardian.com/world/2025/dec/18/saudi-backed-forces-yemen-border-separatists-stc

[24]   الجزيرة نت، “درع الوطن”.. أول قوة عسكرية أنشأها مجلس القيادة الرئاسي باليمن، 7 ديسمبر 2025. (مصدر سابق)

[25] مركز أبعاد للدراسات الاستراتيجية، “اليمن.. حلف قبائل حضرموت ومسارات التفكيك” 21 يناير 2023. https://2u.pw/zi5jU

[26] جلال، ابراهيم، “الخلافات السعودية الإماراتية تضع حضرموت على مفترق طرق” مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط 11 إبريل 2025. https://carnegieendowment.org/research/2024/12/saudi-emirati-divergences-lead-hadhramawt-to-a-crossroad?lang=ar

كاتب