تحت العنوان أعلاه، نشر معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي مطلع فبراير الجاري تقريرًا عن التداعيات المحتملة للتغيير المتوقع لطبيعة المساعدات الأمريكية المباشرة التي تقدمها لإسرائيل، وشارك في إعداد التقرير أفيشاي بن ساسون-غوردس، وتومر بادلون، وإستيفان كالور، (والأخير يعمل باحثًا أول في المعهد).
ترجمة (بتصرف)│ غسان محمد
- لطالما شكّلت المساعدات الأمنية الأمريكية لإسرائيل، ركيزة أساسية في العلاقة الاستراتيجية بين البلدين لعقود، فضلًا عن أنها عنصر جوهري في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، وبعيدًا عن نطاقها المالي، تُعدّ هذه المساعدات بمقام ركيزة مؤسسية وسياسية ورمزية للتحالف بين تل أبيب وواشنطن، وتجسّد التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل في بيئة إقليمية مليئة بالتحديات، وتحدد الاتفاقية الحالية متعددة السنوات (2019-2028)، الموقعة عام 2016، حجم المساعدات بـ 3.8 مليارات دولار سنويًا، منها 3.3 مليارات دولار مساعدات خارجية مباشرة، و500 مليون دولار سنويًا مساعدات لوزارة الدفاع؛ لتمويل التطوير المشترك لأنظمة الدفاع الصاروخي، كما تُقدّم الولايات المتحدة مساعدات لدول أخرى في المنطقة؛ إذ تتلقى الأردن ومصر حوالي ملياري دولار سنويًا لكل منهما، مع ذلك، تُعدّ المساعدات المُقدمة لإسرائيل الأكبر منذ اندلاع الحرب مع روسيا، باستثناء حالة أوكرانيا الاستثنائية.
في السنوات الأخيرة، تصاعد النقاش العام والمهني حول مستقبل المساعدات، وتعكس التصريحات العلنية لشخصيات سياسية في إسرائيل- بما في ذلك تصريحات رئيس الوزراء الأخيرة حول الرغبة في خفض المساعدات تدريجيًا خلال العقد المقبل- تحولًا في التصورات: من نقاش فني حول بنود الاتفاقية إلى نقاش مبدئي حول الاستقلال الأمني، والمرونة الاقتصادية، والآثار الاستراتيجية للاعتماد المطوّل على المساعدات الخارجية، وفهمًا لتغيّر موقف إسرائيل في السياسة الأمريكية، وفي الوقت نفسه، يتصاعد النقاش العام والسياسي في الولايات المتحدة حول نطاق المساعدات الخارجية عمومًا، والمساعدات المُقدمة لإسرائيل خصوصًا، في ظل التغيرات التي تشهدها الساحات السياسية والأمنية المحلية والدولية.
تحلل هذه المقالة الآثار الاقتصادية لتغيير ملامح المساعدات الأمريكية المباشرة لإسرائيل، وتُقدّم توصيات سياسية لاستمرار العلاقات الأمنية بين البلدين.
اعتبارات إسرائيلية داخلية:
من منظور اقتصادي، يختلف وضع إسرائيل اليوم اختلافَا جوهريَا عما كان عليه وقت توقيع الاتفاقية السابقة، فعلى مدى العقد الماضي، شهد الاقتصاد الإسرائيلي نموًا متواصلًا، انعكس في توسع ملحوظ على الناتج المحلي الإجمالي، وفي تعزيز القدرة على مواجهة الأزمات الاستثنائية، بما في ذلك أزمة كورونا و[حرب السيوف الحديديةٍ]، ونتيجة لذلك، انخفضت النسبة المئوية للمساعدات الأمريكية في الناتج القومي إلى نصف بالمئة فقط؛ فقد باتت إسرائيل قادرة على تحمل عبئًا ماليًا أكبر مما كانت عليه في السابق.
بالإضافة إلى ذلك، تغيّرت شروط المساعدات نفسها بما يقلل من إسهاماتها المباشرة في الاقتصاد الإسرائيلي، فبينما كان من الممكن في السابق تحويل جزء من أموال المساعدات إلى مشتريات محلية، فقد تراجع هذا التوجه تدريجيًا، ومن المتوقع أن يختفي تمامًا بحلول عام ٢٠٢٨، هذا يعني أن المساعدات تُوجه بالكامل تقريبًا إلى المشتريات في الولايات المتحدة، مما يُقلل من مساهمتها في تعزيز الصناعات الدفاعية المحلية مقارنةً بالماضي.
مع ذلك، فإن النظر إلى الأمر من منظور ميزانية الدفاع يُظهر صورة أكثر تعقيدًا وتحديًا، لا سيما في ظل الزيادة الحادة في الاحتياجات الأمنية عقب حرب طويلة الأمد وبيئة استراتيجية غير مستقرة. لا تزال المساعدات الأمريكية تُمثل حوالي ١٥٪ من ميزانية الدفاع، ومن ثَمَّ فإن خفضها أو إيقافها يستدعي تعديلات كبيرة في الميزانية في وقت بالغ الحساسية، وفي هذا الواقع، قد يُثقل العجز في الميزانية الناتج عن انخفاض المساعدات الأمريكية كاهل النظام الدفاعي، ويُعيق قدرته على تحقيق جميع أهدافه، بل ويُفاقم التوترات بين الاحتياجات الأمنية والاحتياجات المدنية المتنافسة.
قد تشمل التعديلات المطلوبة في الميزانية زيادة الإنفاق الدفاعي المحلي، وتأجيل أو تقليص مشاريع التوريد والتطوير غير العاجلة، بالإضافة إلى تحسين كفاءة الميزانية، مع ذلك، ونظرًا لحجم التحديات الأمنية والدروس المستفادة من حرب طويلة، فإن هامش المناورة المتاح للمؤسسة الدفاعية في الميزانية أصبح أضيق مما كان عليه في السابق؛ لذا، لا يمكن أن يستند خفض المساعدات إلى تخفيضات فنية فحسب، بل يتطلب مراجعة شاملة للأولويات، وإعادة التوازن بين الاستثمارات في القدرات الفورية والتطوير طويل الأجل، وتحديدًا أوضح للقدرات الأساسية الضرورية.
حتى في ظل هذه الظروف، لا يستلزم خفض المساعدات بالضرورة استبدالًا كاملًا بالشيكل، بل يُتيح فرصًا كبيرة لرفع الكفاءة وتعزيز الصناعة المحلية، وقد تُسهم عملية مُخططة ومُتدرجة في تحسين جودة الإنفاق الدفاعي، وزيادة الشفافية والرقابة على الميزانية، وتعزيز آليات التخطيط متعددة السنوات، بالإضافة إلى ذلك، قد يُتيح خفض المساعدات لوزارة الدفاع زيادة مشترياتها من المعدات العسكرية، وتعزيز قاعدة المعرفة والإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية، وبهذا المعنى، فإن التحدي المالي الناجم عن انخفاض محتمل في المساعدات الأمريكية قد يُسهم -على المدى البعيد- في الكفاءة الهيكلية وتعزيز المرونة المالية للمؤسسة الدفاعية، ولكن هذا مشروط بإدارته بعناية بما يتوافق تماما مع السياق الأمني المتغير.
وبعيدًا عن الاعتبارات المالية، تؤدي المساعدات الأمريكية دورًا محوريًا في الحفاظ على القدرات العسكرية الإسرائيلية؛ فهي تُتيح الوصول المنهجي إلى الأسلحة المتطورة، والاندماج في برامج التطوير الأمريكية، والتعاون التكنولوجي واسع النطاق، ويُعدّ إسهامهًا بارزًا في تطوير أنظمة الدفاع الجوي والأنظمة متعددة الطبقات بشكل خاص، التي أثبتت أهميتها العملياتية في النزاعات العسكرية خلال العامين الماضيين، وبهذا المعنى، لا تُمثل المساعدات مجرد مصدر تمويل، بل جزءًا من علاقة أمنية-تكنولوجية عميقة تُشكّل بنية القوات المسلحة الإسرائيلية؛ لذلك، طالما لم تُوقَّع اتفاقية بديلة تُرسّخ نهج إسرائيل تجاه الصناعة العسكرية الأمريكية، يمكن الحفاظ على هذه العلاقة بل وتوسيعها.
اعتبارات تتعلق بالعلاقات مع الولايات المتحدة:
يُبرز الدعم نفسه وارتباطه باتفاقية فريدة طويلة الأمد على الساحة الدولية العلاقات الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة، ويُحدد نطاق المرونة والتغييرات السياسية المتعلقة به خلال الانتقال من إدارة أمريكية إلى أخرى، وقد شكّلت هذه العلاقات وارتباطها وتعبيرها العلني عنصرًا أساسيًا من عناصر قوة إسرائيل على مر السنين، أما الجانب الآخر من هذه القضية فيتمثل في التكاليف الاستراتيجية والسياسية؛ فوجود هذا الدعم يمنح الولايات المتحدة نفوذًا وتأثيرًا في السياسة الإسرائيلية، وحتى عندما لا يُمارس هذا النفوذ بشكل مباشر أو علني، فإنه يُقيّد إلى حد ما حرية إسرائيل في العمل، ويزيد من حساسيتها للتغيرات في الساحة السياسية الأمريكية.
ومن وجهة النظر الأمريكية أيضًا، طرأ تغيير على المنطق الاستراتيجي الكامن وراء هذا الدعم، فمن الناحية الاقتصادية، أدى الارتفاع الحاد في الإنفاق الدفاعي العالمي- في ظل الحرب في أوكرانيا وتفاقم التنافس بين القوى العظمى- إلى خلق طلب غير مسبوق على المعدات العسكرية، وفي هذا الواقع، تتمتع الصناعات الدفاعية الأمريكية بتراكم كبير في الطلبات حتى بمعزل عن المساعدات المُقدمة لإسرائيل، ومن ثَمَّ فإن الحافز الأمريكي للحفاظ على مستوى المساعدات الحالي لأسباب صناعية بحتة يتضاءل.
من منظور السياسة الأمريكية الداخلية، يتزامن تغيير هيكل مذكرة التفاهم مع إسرائيل مع الخطاب الأمريكي الداخلي في خضم تغيير هيكلي يتعلق بها. لطالما استندت المساعدات لإسرائيل سنوات على توافق واسع بين الحزبين، إلا أن التوجهات طويلة الأمد وتسارع وتيرة العمليات قد أدت إلى تآكل هذا التوافق، ففي العقد الماضي، يمكن رصد بوادر هذا التآكل، لا سيما على أطراف الخريطة السياسية، ففي أوساط التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي تتزايد الانتقادات الموجهة لسياسة إسرائيل ومدى الدعم الأمريكي لها، يُضاف إلى هذا الرأي الطرف الآخر من الخريطة السياسية، بمن فيهم مؤيدو نهج “أمريكا أولًا” الذي يقوده ترامب، الذين يشككون في الدعم الأمريكي لإسرائيل بأبعاده كافة، بما فيها الأبعاد الاقتصادية، وعلى الرغم من مطالبة ترامب نفسه مختلف الجهات الفاعلة الدولية بعدم الاعتماد على الولايات المتحدة لتلبية احتياجاتها، إلا أنه يدعم استمرار المساعدات بشكلها الحالي، وقد تسارع هذا التوجه خلال [حرب السيوف الحديدية]، وأدى إلى أزمة غير مسبوقة في الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل، شملت أيضا تزايد التأييد لتقييد المساعدات العسكرية لإسرائيل؛ إذ يُنظر إلى المساعدات العسكرية في هذا السياق على أنها أداة للتأثير في السياسة الإسرائيلية، ومبرر أخلاقي لفرض مطالب خاصة على إسرائيل في سلوكها السياسي، أي: أن بعض شرائح الرأي العام الأمريكي ترى أن تقديم الولايات المتحدة مساعدات عسكرية مباشرة لإسرائيل يجعل الأمريكيين أنفسهم متواطئين في أفعال إسرائيل، ومن ثَمَّ يستدعي الضغط عليها لتغيير سلوكها.
توصيات سياسية:
على الرغم من أن إسرائيل تعتمد بشكل أقل من السابق على المساعدات المالية المباشرة من الولايات المتحدة، إلا أن استمرار هذه المساعدات- بشكل أو بآخر- له أهمية سياسية؛ لأنه تعبير عن العلاقات بين البلدين، وأهمية عسكرية لضمان وصول إسرائيل إلى الأنظمة الأمريكية وقدرتها على الاندماج في تطويرها لتلبية احتياجاتها، وفي الوقت نفسه، قد يُسهم تغيير طبيعة المساعدة في تعزيز استقلالية إسرائيل ومكانتها وقدراتها في مجال الصناعات العسكرية، وعلى رغم أنه لن يُنهي انتقادات معارضي دعمها داخل الولايات المتحدة، إلا أنه سيُسقط حجةً أساسيةً من حججهم.
لذا، ينبغي السعي إلى إبرام اتفاقية رسمية جديدة تحل محل الاتفاقية الحالية، بما يُعبّر عن العلاقة بين البلدين ويُرسّخها، هذه الاتفاقية مناسبة وستُجسّد انتقالًا تدريجًا من المساعدة الأمنية إلى شراكة تجارية، وفي هذا الإطار، ينبغي تشجيع بناء قوة دفاعية مشتركة، بما في ذلك إزالة حواجز التصدير والاستيراد، وتعميق القدرات الإنتاجية في الولايات المتحدة وإسرائيل، ودمج إسرائيل بشكل شامل وعميق في البحث والتطوير الأمريكي.
التوصية الاقتصادية الكلية: زيادة ميزانية الدفاع سياسة بديهية، لكنها ليست السياسة الصحيحة، وينبغي تجنب استبدال كل دولار يُقتطع من أي اتفاقية مستقبلية، ولا يعني هذا أنه لا ينبغي زيادة ميزانية الدفاع على المدى القريب، بل يجب النظر في ذلك وفقًا للاحتياجات الفعلية وبعد مناقشات مُعمقة حول خفض المساعدات الدفاعية، بعبارة أخرى، يُتيح تغيير هيكل المساعدات فرصةً لتحقيق الكفاءة الهيكلية والتخصيص الأمثل للموارد، مما قد يُسهم في سدّ العجز المالي الذي سينشأ.