محاولات تحرير اليمن من قيود التبعية في دراسة أكاديمية حديثة

اليمن في محيطه الاقليمي بين التكامل والتبعية

مراجعات │ 4 فبراير 2026

  • من خلال أبواب ثلاثة، يطرُق الدكتور ماجد أحمد الوشلي أبواباً عديدة تنفتح وتنغلق على اليمن في محيطه الإقليمي، تبعاً للأحداث والتغيرات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، إقليمياً ودولياً.

ورغم أن دراسته الأكاديمية (في الأصل أطروحة دكتوراة)، التي تألفت منها تلك الأبواب الثلاثة، قد اتخذت من الفترة (1970-2020) حدودها الزمنية؛ إلا أنها قد انفتحت على ما هو أوسع كثيراً من هذه الحدود؛ ولعل ذلك يعود إلى طبيعة موضوع الدراسة ذاته.

وقد هدفت الدراسة -فيما هدفت- إلى “فهم طبيعة العلاقات اليمنية الإقليمية وتطورها وفقاً للمصالح المشتركة التي تخدم اليمن في محيطه، وأسس هذه العلاقات وفقاً للقوانين الدولية والأعراف المحلية”، وكذا معرفة التأثيرات، الداخلية والخارجية، على تلك العلاقات، و”فهم قضايا الخلاف والوفاق بين اليمن ومحيطه الإقليمي، ومعرفة ما إذا شكلت أساساً للتكامل والتعاون بينهما، أم للتبعية والهيمنة”.

وكما يذكر الباحث في مستهل دراسته الموسومة بـ”اليمن في محيطه الإقليمي بين التكامل والتبعية (1970-2020)”، فإنه قد قارب هذا الموضوع من أبعاد ثلاثة؛ إذ تحدث في البعد الأول عن حدود اليمن مع دول الجوار، وخصوصاً دول الخليج والقرن الأفريقي، وما اعتراها من إنكار واعتراف، وتطورات العلاقات مع تلك الدول بهذا الخصوص، وتجاذباتها السياسية والدبلوماسية والعسكرية والأمنية. كما تناول أبرز محطات التكامل وكذا التبعية، ومراحل التصادم والاختلاف بين اليمن والدول ذات الحدود المشتركة، وبالذات خلال الفترة المذكورة.

وأشار إلى أن اختياره لهذه الفترة التاريخية تحديداً، جاء من كون العام 1970 مثّل بداية مرحلة جديدة في تاريخ اليمن اتسمت ببناء الدولة الحديثة والسعي لعلاقات تكامل حقيقي بعيداً عن علاقة التبعية مع دول الإقليم وعموم دول العالم، سواء تحقق النجاح في ذلك أم لم يتحقق.

أما العام 2020 فيتضمن خلاصة لإرهاصات ما سبقه من أحداث جسام، خصوصاً ثورتي شباط/ فبراير 2011 و21 أيلول/ سبتمبر 2014، وما تلاهما من عدوان على اليمن شنه تحالف عسكري بقيادة المملكة العربية السعودية في العام 2015، وتم إعلانه من العاصمة الأمريكية واشنطن.

وفي البعد الثاني، حاولت الدراسة مقاربة محددات السياسة الخارجية اليمنية وتطبيقاتها، وأبرز تلك المحددات: الموقع الجغرافي، الإرث الحضاري، الأيديولوجيا الثقافية، والمقدرات المادية والبشرية، من حيث العلاقة بين هذه المحددات وبين السياسة اليمنية، مع دور الفاعل الإقليمي والدولي في هذه السياسة، وانعكاساته وتداخلاته.

ويتعلق البعد الثالث برؤية السياسة العامة وتجلياتها، والجانب التطبيقي لرسم العلاقات اليمنية إقليمياً، وطبيعة علاقات اليمن بالدول الأخرى وتبايناتها وتقلباتها بين التكامل والاحترام المتبادل وبين التبعية والانصياع للتدخلات الخارجية وأبرز الفاعلين والمؤثرين الخارجيين فيها، خصوصاً خلال الفترة المحددة.

وهذان الوجهان (التكامل والتبعية) يمثلان المسارين اللذين تقلبت بينهما سياسة العلاقات اليمنية الإقليمية خلال الفترة التاريخية (1970-2020). ويشير الباحث إلى أن وصول إبراهيم الحمدي إلى سدة الرئاسة في الجمهورية العربية اليمنية، في العام 1974، يعد أبرز محطات النضال اليمني لوضع العلاقات اليمنية الإقليمية في مسار التكامل والشراكة والاحترام المتبادل للسيادة والاستقلال، باعتباره المسار الطبيعي الذي يقوم على دعائم من المبادئ والثوابت الوطنية والقومية والإسلامية.

كما تقدم الدراسة رؤية عامة تمثل محاولة لاستشراف مستقبل العلاقات اليمن وآفاقها.

وبالمجمل فإن الدراسة تعد محاولة للبحث في أسباب المؤثرات السلبية في علاقات اليمن بمحيطه، سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً واقتصادياً.

تحديات الجيوبوليتيك

ومن هنا فإن هذه الدراسة تكتسب أهميتها من عوامل عديدة، لعل أبرزها الأهمية الجيوسياسية لليمن، وفق رؤية جيوبوليتيكية، وما يتمتع به اليمن من إرث حضاري ومقومات اقتصادية ووجود ثقافي، ناهيك عن أهمية الفترة التاريخية التي مثلت الحدود الزمنية للدراسة، وما شهدته تلك الفترة من أحداث وتغيرات وتقلبات تراوحت بين الاستقرار النسبي، والاضطرابات والصراعات السياسية والعسكرية.

وفي (608) صفحات، احتوت الدراسة على ثلاثة أبواب تحت كل منها فصول ومباحث ومطالب وفقرات، قبل الخلوص إلى الخاتمة والاستنتاجات، مشيرة قبل ذلك إلى عدد من الدراسات السابقة ذات العلاقة بهذا الموضوع.

وقد ولج الباحث إلى موضوعه هذا من خلال مدخل نظري عرض فيه المفاهيم والسياقات النظرية لفهم واقع سياسات العلاقات الخارجية اليمنية وعمقها الإقليمي، وكذا الأهمية الاستراتيجية والجيوبوليتيكية لليمن. وهنا كان لا بد من التطرق إلى الأهمية الاستراتيجية والجيوبوليتيكية أيضاً للبحر الأحمر ومضيق باب المندب، وكذا خليج عدن وبحر العرب، وما يحتويه هذا المسطح المائي الطويل والواسع من جزر ذات مواقع استراتيجية وأهمية جيوبوليتيكية. وهي “النعمة” التي تحولت، بفعل ضعف –وأحياناً غياب- الدولة اليمنية، إلى “نقمة” في كثير من الأحيان؛ إذ جعلت من اليمن محط أنظار القوى الدولية الطامعة في مد نفوذها وسيطرتها وتوسيع رقعة مصالحها إلى هذه المنطقة، نظراً لأهميتها تلك.

من هنا فلا بد لليمن من “أن يضع استراتيجية قوية في مواجهة التحديات الجيوبوليتيكية للأمن والاستقلال الوطني اليمني… وكبح تأثيرات تلك التحديات وتجاوزها وتحويلها إلى عناصر قوة”، تأخذ في الاعتبار تعزيز الوحدة الوطنية وقيم الاستقلال والسيادة، وبناء اقتصاد قوي، واستغلال المواقع الاستراتيجية بما يخدم المصالح والأهداف العليا لليمن، بعيدا عن قيود التبعية.

كما تحدث الباحث عن وجهي العلاقات السائدة بين الدول عموماً؛ إذ لا تخرج تلك العلاقات عن أحد الوجهين: إما علاقة شراكة وتكامل واحترام متبادل، وإما علاقة تبعية أحد طرفيها يملك من القوة والقدرة ما يمكنه من فرض إرادته على الطرف الآخر ليتبعه ويرضخ لإملاءاته وتدخلاته.

وهنا يتناول الباحث العوامل التي حكمت مسار العلاقات اليمنية مع دول الإقليم. وتتمثل هذه العوامل بحسب الدراسة في:

  • القرب الجغرافي.
  • المعادلة الاقتصادية والفجوة الهائلة بين اليمن ومحيطه في هذا الشأن.
  • الأهمية الديمغرافية: الموارد والطاقات البيئية، كما وكيفاً، والتنوع الثقافي والمذهبي.
  • الطبيعة الاجتماعية والقبلية.
  • الانتماء الأيديولوجي والفكري.

تتناول الدراسة أيضا، وبشيء من التفصيل المدعوم ببعض التوثيق، أبرز التدخلات والتأثيرات الإقليمية والدولية في تحديد مسار العلاقات السياسية الخارجية اليمنية، ليس فقط الفترة (1970-2020)، بل وفي مراحل تاريخية عديدة، وكذا أبرز الفاعلين الخارجيين فيها، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، الولايات المتحدة الأمريكية، دول الخليج، مصر، تركيا، إيران، روسيا، والصين.

وقد أفرد الباحث مبحثاً كاملاً تكون من ثلاثة مطالب خصصها للنظر في التأثير الأمريكي والتأثير الخليجي والتأثير الروسي، في مسار العلاقات اليمنية الإقليمية. كما استعرض تلك التدخلات والتأثيرات عبر مراحل زمنية ومحطات تاريخية خلال الفترة المذكورة. وأشار إلى أن ثمة “ثلاث قضايا شكلت -تاريخيا، وما زالت- محور الاهتمام والتدخل الإقليمي في الشأن اليمني، وهي: من يحكم؟ وكيف يحكم؟ ولصالح من يحكم؟ ومع كل عملية تغيير في الخريطة، الجغرافية أو السياسية، لليمن، تبرز هذه القضايا مجدداً في العلاقات اليمنية الإقليمية. وقد تجلى ذلك في المنعطفات التاريخية التالية: 1962، 1974، 1990، 1994، 2011، 2014”.

ويرى الباحث أن ضعف الدولة اليمنية، وخصوصاً اقتصادياً وعسكرياً، كان من أبرز العوامل التي سمحت بتلك التدخلات والتأثيرات، رغم الإمكانات والمقومات الاقتصادية والبشرية والجيوبوليتيكية، التي لم تستغلها السلطات اليمنية المتعاقبة الاستغلال الأمثل للتحرر من ربقة التبعية للخارج الإقليمي والدولي، ورغم الفرص التي أتيحت لذلك، مثل حركة التصحيح التي قادها الرئيس الحمدي في العام 1974، وكذا إعادة تحقيق الوحدة اليمنية في العام 1990. وهنا أشار الباحث إلى أبرز المحاولات في هذا الاتجاه، مثل السياسة والموقف اليمني تجاه غزو العراق للكويت؛ إلا أن ارتدادات تلك المحاولات غالباً ما كانت تأتي بنتائج على النقيض من غاياتها.

وعددت الدراسة أيضاً بعض أساليب ووسائل التدخلات الخارجية في مسار السياسة اليمنية، والتي تراوحت بين الضغوط الاقتصادية وحتى التدخلات العسكرية والأمنية، ووصلت حد الاغتيالات السياسية، كما حدث بالنسبة للرئيس إبراهيم الحمدي في العام 1977.

وإذا كانت الفترة (1970-1977) قد شهدت اعترافاً دولياً باليمن الجمهوري، وبدء عملية بناء دولته الحديثة، ومحاولاته الجادة للتحرر من التبعية، فإن الفترة (2014-2020) قد شهدت استعادة اليمن سيادته واستقلال قراره وتوجهاته ومواقفه السياسية، كثمرة من ثمار ثورة 21 أيلول/ سبتمبر 2014.

انتزاع السيادة من مخالب العدوان

وفي حين يتحدث البعض عن علاقة “تبعية” بين أنصار الله والجمهورية الإسلامية في إيران، فإن الدراسة الأكاديمية التي بين أيدينا تفند هذه المزاعم، وبشهادات موثقة لسياسيين وباحثين مختصين ومهتمين، أفراداً ومؤسسات، من الدول الغربية.

ورغم أن اليمن كان قد عجز مراراً عن استخدام الأداة العسكرية بالشكل اللازم لحماية سيادته واستقلاله ومصالحه، إلا أن العام 2015 شهد تحولاً هاماً في هذا الاتجاه. فرغم أن السعودية قد شكلت “تحالفاً عربياً” تحت قيادتها، لشن الحرب، التي أطلقت عليها اسم “عاصفة الحزم” (ولهذه التسمية دلالتها بهذا الخصوص)؛ إلا أن تلك الحرب العدوانية قد جرت بعكس اتجاه سفن دول تحالف العدوان ورعاته الدوليين، وتمكنت صنعاء من تغيير المعادلات، وقدمت نموذجاً لائقاً من السيادة والاستقلال، وبناء وتطوير قدرات وقوة عسكرية جديرة وقديرة في حماية اليمن وشعبه واستقلاله وسيادته.

لذلك فإن انسداد الأفق أمام التحالف الذي قادته الرياض في حربها على الجمهورية اليمنية، يقتضي من دول الإقليم، والسعودية في مقدمتها، القبول بالواقع السياسي اليمني الجديد، وأن تدرك أن ما بقي لها من نفوذ في اليمن صار منحصراً في بعض الجماعات أو الفصائل التي لا يمكن ضمان ولائها ولا قدرتها مستقبلاً؛ “وبالتالي التعامل بنظرة واقعية للأحداث، وفتح قنوات تواصل وحوار مع القيادة اليمنية؛ لأنه ليس لديها خيار آخر، بعد فشل الخيار العسكري، الذي ثبت أنه جاء بتداعيات سلبية”.

أخيراً فإن من العسير الإلمام بكل ما تضمنته هذه الدراسة الأكاديمية القيمة، والأفضل قراءتها في ذاتها، نظرا لأهميتها وما بُذل فيها من جهد يستحق التقدير، مع الأخذ في الاعتبار ما أشار إليه الباحث من صعوبات ومعوقات واجهته أثناء إنجاز الدراسة، مثل قلة المصادر والمراجع، وصعوبة الوصول إلى المتوفر منها؛ إلا أن الأكثر تعقيداً -بحسب الباحث- هو الطرق المطروحة لمعالجة الموضوع في الكثير من تلك المصادر.

ولعل من اللازم الالتفات إلى ما شاب الدراسة في طبعتها هذه من بعض الأخطاء الإملائية والمطبعية، وهي على قلتها إلا أن أهمية الدراسة تستدعي مزيداً من الاهتمام بهذا الجانب، خصوصا ما يتعلق ببعض المصطلحات والوقائع وأرقام تواريخها.