وليد مانع
كاتب صحفي
كثيرة هي الحلقات المفقودة في تاريخ اليمن، وكثيرة أيضاً محطاته ومنعطفاته التي ما تزال مثار نقاش وجدل كبيرين. لا ينطبق هذا الأمر على التاريخ اليمني في عمومه فحسب، بل ويمكن قوله أيضاً بشأن كل مرحلة من مراحله التاريخية.
ولا يشذ عن ذلك تاريخ اليمن المعاصر، الذي ما يزال ينقصه كثير من الحلقات، كما أثار ويثير نقاشات وجدلاً واسعاً في كثير من محطاته ومفاصله، وإن كان هو الأقل في هذا الشأن، إذا ما قورن ببقية مراحل التاريخ اليمني عموماً؛ وذلك نتيجة الثراء النسبي في المادة المكتوبة، من بحوث ودراسات ومؤلفات ومذكرات ومقالات، تناولته بالبحث والنقاش والاهتمام.
في هذا السياق جاءت مذكرات القاضي عبدالرحمن بن يحيى الإرياني، رئيس المجلس الجمهوري أعلى سلطة تنفيذية في “الجمهورية العربية اليمنية” (من نوفمبر 1967 إلى يونيو 1974)، والتي صدر مؤخراً جزؤها الرابع (822 صفحة من القطع المتوسط، طباعة وتوزيع مكتبة خالد بن الوليد – صنعاء، والدار اليمنية للكتب والتراث – القاهرة).
وقد قسّم صاحب المذكرات هذا الجزء إلى ثمانية فصول، مضافاً إليها قسم خصصه للملاحق.

استهل القاضي الإرياني هذا الجزء بفصل تناول فيه “مباحثات الوحدة ونتائجها”، انطلاقاً من الحديث عن “اتفاق القاهرة”، الذي وقّعه رئيسا وزراء الشطرين (محسن العيني – شمال، وعلي ناصر محمد – جنوب). وكان العيني قد وصل إلى القاهرة في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 1974، بينما تأخر علي ناصر محمد إلى اليوم التالي، وتردد -فيما يبدو- في لقاء نظيره الشمالي، ليطلق العيني “تصريحاً مطولاً لأنباء الشرق الأوسط، قال فيه إنه إذا لم يتم اللقاء والسلام في اليمن فإنه سيضطر إلى التخلي عن الحكم؛ لأنه يخشى، بل وينذر بأن فيتنام أخرى ستنشأ في اليمن، ويعني بذلك أن الدول الأخرى ستدخل في المسرح (اليمني)”، كما يذكر القاضي الإرياني في هذا الجزء من مذكراته.
بيان القاهرة الذي فاجأ الإرياني
التقى الطرفان في 27 تشرين الأول/ أكتوبر، وصدر “بيان القاهرة” بشأن ما اتفقا عليه. ورغم أن القاضي الإرياني يدافع عن الاتفاق، إلا أنه يتبرأ من العلم ببنوده، وأنه لم يسمع إلا من الإذاعات بشأن البيان، الذي تضمن: سحب الحشود وفتح الحدود، انسحاب الجانبين من المناطق التي تم الاستيلاء عليها بعد 26 أيلول/ سبتمبر 1972، عودة جميع النازحين إلى الشمال والجنوب الراغبين بالعودة، إيقاف ومنع جميع الأعمال “التخريبية” والنشاطات السلبية من الجانبين، تسوية المشاكل التي تؤثر على العلاقات بين الطرفين، تعيين ممثلين شخصيين لرئيسي الدولتين لمتابعة تنفيذ الاتفاق، اجتماع رئيسي الدولتين في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه، وأخيراً تنفيذ هذا الاتفاق في مدة أقصاها شهر.
أما مواد الاتفاق فيمكن إجمال أبرزها في التالي: تقوم وحدة بين الدولتين تذوب فيها الشخصية الدولية لكل منهما في شخص دولي واحد يكون له علم واحد وشعار واحد وعاصمة واحدة ورئاسة واحدة وسلطات (تشريعية وتنفيذية وقضائية) واحدة، تحت ظل حكم “جمهوري وطني ديمقراطي”، بدستور “يضمن جميع الحريات الشخصية والسياسية والعامة للجماهير ولمختلف مؤسساتها ومنظماتها الوطنية والمهنية والنقابية…”. كما تضمن الاتفاق عدداً من المواد المتعلقة بوسائل وبعض آليات التنفيذ.
“بعد إعلان البيان ومعرفة نصوصه، جاء الشيخ محمد علي عثمان (عضو المجلس الجمهوري) والقاضي عبدالله الحجري (عضو المجلس الجمهوري)، والشيخ عبدالله الأحمر (رئيس مجلس الشورى)، والشيخ سنان أبو لحوم (محافظ الحديدة)، والشيخ أحمد علي المطري، وكانوا كلهم يغلون بالغضب مما جاء في البيان والاتفاقية”. وكانت مآخذهم عليها أنها تضمنت أن “نظام الحكم في اليمن ديمقراطي”، وهذا “شعار شيوعي”، كما أنها تسمح ببقاء الجبهة القومية كحزب، ولا يمكن للشمال القبول بالحزبية… لذلك فقد عارض هؤلاء إذاعة البيان والاتفاق؛ “ولكني أبديت تصميمي على إذاعتهما…”.
أما الضباط “رئيس الأركان حسين المسوري، والعقيد محمد الإرياني (القائد العام للقوات المسلحة) والعقيد إبراهيم الحمدي وأولاد أبو لحوم وأحمد الغشمي” فعقدوا اجتماعاً أرادوا منه الاتفاق على تنفيذ “انتفاضة بيضاء” لتغيير النظام، كما قدموا استقالاتهم اعتراضاً على اتفاق القاهرة، إلا أنه تم رفضها برجاء من رئيس الوزراء نفسه…
كما أشار صاحب المذكرات إلى أن الموقف نفسه أبداه النازحون الجنوبيون في الشمال، حتى أن عبدالقوي مكاوي قد انتقل للإقامة في جدة بالسعودية رافضاً اتفاق الوحدة.
وانطلاقاً من هذه المواقف الرافضة للوحدة، فقد قرر مجلس الشورى، برئاسة الشيخ الأحمر، تأجيل البت في موضوع الاتفاقية، موصياً بتعديلها على أسس المبادئ الدستورية المتمثلة في: الإسلام دين الدولة والشريعة الإسلامية مصدر القوانين، الملكية الفردية مصونة، والحزبية ممنوعة.
ثم جاء “اليوم المشهود” (26/ 11/ 1972)، يوم وصول رئيسي الدولتين (القاضي الإرياني وسالم رُبيِّع علي) إلى العاصمة الليبية طرابلس للتباحث حول الوحدة بين الشطرين. والتقى الرئيسان في اليوم نفسه وعقدا جلسة بحضور القذافي؛ ولكن “لم نصل إلى اتفاق. كنت أنا مصمّماً على أن تسير الوحدة على هدي الشريعة الإسلامية، وكانوا يعارضون ذلك بإصرار”.
في جلسة صباح اليوم التالي، تم “الاتفاق على أن يقال إن دينهم الإسلام”. أما جلسة المساء فقد “تجاوزنا فيها أكثر الخلافات”. في الأخير صدر “بيان طرابلس”، متضمناً الاتفاق على عدد من الأسس تمثلت في: إقامة دولة واحدة تسمى الجمهورية اليمنية، ذات علم واحد، وعاصمتها صنعاء، ودينها الإسلام وتؤكد على القيم الروحية وتتخذ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، ولغتها العربية، وتهدف إلى تحقيق الاشتراكية مستلهَمة من الطراز الإسلامي العربي… وتعمل –عن طريق إقامة علاقات اشتراكية في المجتمع- على تحقيق كفاية في الإنتاج وعدالة في التوزيع بهدف تذويب الفوارق بين الطبقات، والملكية العامة هي أساس تطوير المجتمع، والملكية الخاصة غير المستغِلة مصونة، وبنظام حكم وطني ديمقراطي، وإنشاء تنظيم سياسي موحد يضم جميع فئات الشعب المنتجة… ودستور الجمهورية اليمنية يعيّن حدودها. كما اتفق الطرفان على تشكيل عدد من اللجان المشتركة.
ورغم الترحيب الذي حظي به الاتفاق على مختلف المستويات، ورغم أن مجلس الشورى قد وافق على الوحدة على أسس اتفاقية طرابلس، إلا أنها بقيت حبراً على ورق؛ فقد تحرك الجميع ضد الوحدة، بدفع من السعودية، التي كانت الوحدة تشكل لها مصدر قلق، ولقد كان هذا أحد أبرز نقاط خلاف القاضي الإرياني مع المملكة و”عملائها”، كما مثل تخاذل المملكة عن تقديم الدعم العسكري المطلوب نقطة خلاف أخرى، إذ إن السعودية لا تريد بناء جيش يمني قوي “خوفاً من اليمن وتقلبات الزمن”، بحسب القاضي الإرياني.
سر معارضة الأحمر والزنداني
قد وصل الخلاف حد إقالة حكومة العيني، وتكليف القاضي عبدالله الحجري بتشكيل الحكومة (إلى جانب عضويته في المجلس الجمهوري)، وهو القريب جداً من السعودية ومن الشيخ الأحمر. لكن لم يلبث هذان الاثنان (الحجري والأحمر) أن اختلفا وتوترت علاقتهما بعدما حاول رئيس الوزراء ضبط بعض أبناء قبيلة “بلاد الروس” (الحاشدية) أطلقوا النار على الشركة الألمانية – الإنجليزية أثناء عملها في طريق “صنعاء – تعز”، وهو ما كان قد فعله أيضاً الشيخ قعشة من قبل؛ إلا أنه واجه اعتراضاً وحدثت مشادة بينه وبين الشيخ الأحمر، الذي حال دون ضبط رجال القبائل أولئك ومعاقبتهم.
وبلغ التوتر بين القاضي الحجري والشيخ عبدالله الأحمر حد أن طرح الأول على رئيس المجلس الجمهوري فكرة الاستقالة، كما أبدى رغبته بعدم العودة إلى صنعاء (من تعز، التي جاءها رفقة آخرين لحضور اجتماعات المكتب السياسي للاتحاد اليمني) بسبب ذلك.
وفي 1/ 5/ 1973، “وصلتنا من محافظ صعدة، الشيخ محمد بن ناجي القوسي، رسالة تلقاها من الشيخ عبدالمجيد الزنداني يطلب نشر وتأييد بيان قبيلة همدان ضد الوحدة، وأن الشيخ الأحمر قد وافق على قرارات همدان”. وكان أكثر مشايخ قبيلة همدان (الحاشدية) قد اجتمعوا في كتاف، وأصدروا بياناً قالوا فيه صراحة: “نطالب بإلغاء اتفاقية الوحدة مع الملحدين الطغاة في عدن، والعمل على استتابتهم وإعلان رجوعهم عن ردتهم وكفرهم…”. واشترطوا لذلك عدداً من الشروط، منها “التخلي عن الانتماء إلى المعسكر الشرقي الشيوعي… وإعلان براءتهم (يقصدون الجنوبيين) وتخليهم عن النصراني جورج حبش، واليهودي نايف حواتمة”. كما طالبوا بإحالة أمر الاتحاد اليمني “إلى مجلس الشورى إلى مؤتمر شعبي لدراسة نظامه وأهدافه والتأكد من مطابقته كاملاً للشريعة الإسلامية… واتخاذ كافة الإجراءات لتطهير البلاد، وخاصة الأجهزة الحكومية والقوات المسلحة، من الأحزاب الإلحادية…”.
كما ذهب الشيخ الزنداني يطوف بين القبائل خطيباً ضد النظامين الشمالي والجنوبي، ومحرضاً ضد الوحدة.
رغم ذلك، ورغم ما يشير إليه صاحب المذكرات من التحركات والضغوط والتهديدات التي هدفت لعرقلة تنفيذ اتفاق الوحدة، إلا أن القاضي الإرياني يعود ليشير بأصبع الاتهام إلى الجنوبيين بعدم الجدية في تنفيذ بنود الاتفاق؛ مع أن بعض رسائل الرئيس سالم رُبيّع علي إلى نظيره في صنعاء توجِّه التهم نفسها إلى الشمال ومراكز القوى فيه، وهو ما خصّص له صاحب المذكرات الفصل الثاني، وعنونه بـ”استمرار التوتر الداخلي ودعم الجنوب للتخريب”. وفي هذا الفصل تنتقل المذكرات من الإشارة إلى التصريح بحقيقة “موقف الشيخ عبدالله الأحمر من الوحدة ومن إقامة تنظيم سياسي”، منطلقة من أولى رسائل الشيخ الأحمر إلى رئيس المجلس الجمهوري بعد التشكيل الحكومي الجديد، “وهي (يقصد رسالة الشيخ الأحمر) وإن جاءت بأسلوب عادي خالٍ من التهديد، فقد عبّرت عن المعارضة الشديدة للوحدة ولكل تطور وتجديد، وعبّرت عمّا كنا نواجهه من عراقيل”. وفي 19/ 1/ 1973 “جاءنا رئيس الأركان يقول إن الشيخ عبدالله بن حسين عاد من الحج ولديه قناعات معيّنة وأفكار سوداء ضد الوحدة، لأنه قد استلم مبالغ كبيرة من السعودية على أساس العمل ضد الوحدة”.
“والحقيقة أن المشايخ عقبة كأداء في سبيل كل إصلاح إداري أو مالي، وبالأخص الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر؛ لأن الآخرين يمكن تجاوزهم؛ وفي الدرجة الثانية الشيخ سنان أبو لحوم، إلا أنه ذكي ولديه شيء من الوعي، فهو لا يتصدّر لمعارضة الإصلاح، بل كثيراً ما يقترح إجراءات إصلاحية تمس مصالحه ومصالح أصحابه؛ ولكنه يكل أمر تخريبها إلى الشيخ عبدالله”.
والملاحظ هنا، أن القاضي الإرياني يحلّل شخصيتي الشيخين، الأحمر وأبو لحوم؛ إلا أنه يقع في ما يمكن وصفه بالسطحية (التي لا نظنها أصيلة فيه، بل عمدية، وإن غابت عنا دوافعها الحقيقية) حين يتناول بالتحليل وقائع وشخصيات أخرى معلومة الدوافع والأهداف، خصوصاً من غير اليمنيين؛ باستثناء الروس وحلفائهم في الشطر الجنوبي من اليمن؛ الذين لا نجد -على الأقل في هذا الجزء من المذكرات- أي حسن ظن بهم. وعلى سبيل المثال فإن عضواً في البرلمان البريطاني “كان له صولات وجولات في أيام الحرب اليمنية، وكان يعمل مع الملكيين، أو على الأصح مع السعوديين، ولكنه تعلّق باليمن بعاطفة تجعله يسعى لدن السعودية أو لدن بريطانيا للحصول على مساعدات لليمن، أو هو الشعور بالذنب الذي يدفعه إلى ذلك”.
ويشير القاضي الإرياني إلى أن مراكز القوى في الشمال كانت تحاول استغلال أي حدث أو حتى إشاعة ليصنعوا منها أزمة، كما حدث بخصوص “أزمة الجُزُر” التي تسبّب بها تصريح لوزير “إسرائيلي” قال فيه إن “إسرائيل احتلت جزيرة زُقَر…”، وقد ثبت زيف ما قاله ذلك الوزير، وكما حدث من توترات بشأن تأسيس “الاتحاد اليمني” كإطار سياسي جامع.
تداعيات اغتيال الشيخ محمد علي عثمان
ويشير أيضاً إلى الأزمة التي تسبّب بها بيان أصدره رئيس الوزراء عضو المجلس الجمهوري (القاضي عبدالله الحجري) خلال زيارة قام بها إلى السعودية، وتطرق فيه إلى اتفاقية الحدود… وكذلك تحرك الإخوان المسلمين والمشايخ ضد الوحدة بدفع من السعودية، وتهجُّم السفير السعودي على رئيس المجلس الجمهوري، وكذا التحريض ضد الوحدة. كما تطرق إلى اغتيال الشيخ محمد علي عثمان، عضو المجلس الجمهوري، مبدياً أسفاً وحزناً شديداً لمقتله، ومشيراً إلى اتهام الجنوب بالعملية والدفع نحو ذلك، خصوصاً من المشايخ.
فقد نشب خلاف حول الكلمة التأبينية والبيان الصادر عن اجتماع المجلس الجمهوري؛ إذ أراد رئيس الوزراء (الحجري) والواصلون معه، اتهام الجنوبيين تصريحاً، لا تلميحاً، كما طالبوا بإعدام عدد من المعتقلين بدون محاكمة، وطالبوا أيضاً بعدم السماح بدخول وزير الإعلام الجنوبي للمشاركة في التشييع. كما اقترح الحجري والشيخ سنان أبو لحوم “الحزم، وإغلاق الحدود مع الجنوب، وطرد الخبراء الروس، وإعدام من ثبت انتماؤه إلى عصابة التخريب (المقصود بها الأحزاب التقدمية القريبة من الجبهة القومية الحاكمة في عدن)”.
ونتيجة للضغوط التي مثّلتها تداعيات اغتيال الشيخ محمد علي عثمان، عقدت جلسة ضمّت المجلس الجمهوري ومجلس الوزراء والمكتب السياسي للاتحاد اليمني والقيادة العامة للقوات المسلحة ومحافظي الألوية (المحافظات لاحقاً)، و”استمرت ثلاثة أيام، وصدرت عنها عدة قرارات، منها… إعطاء المحافظين التفويض الكامل، بمساعدة الجيش والأمن، وأهبنا بمشايخ المناطق والمواطنين والحكام والعمال اليقظة لمتابعة عناصر الفساد والقبض عليهم… وتم صرف النظر عن إصدار بيان، اكتفاء بما قد صدر… وقد وصل الشيخ عبدالله عائداً من أمريكا، ومن سويسرا التي قصدها للاجتماع بالملك فيصل الذي كان يستشفي هناك، لهذا فقد جاء متحمساً ضد الجنوب أكثر مما تسمح به المصلحة”.
وخصص القاضي الإرياني الفصل الثالث من هذا الجزء للاستقالة الأولى، وجاء بعنوان “الاستقالة من صلنفة” السورية، وبدأه بالحديث عن “تصاعد الخلاف مع المشايخ” ودعاة الحرب مع الجنوب. كما أشار فيه إلى فشل كل محاولات الإصلاح الإداري ومحاربة الفساد المالي والإداري، وكذا “متاعبنا مع الجنوب” وعدم التزامهم بما تم الاتفاق عليه؛ رغم أنه يورد رسالة من الرئيس سالم رُبيّع علي يحذره فيها من السفر إلى سوريا، لأن ثمة مخططاً لانقلاب في صنعاء.
كما أشار إلى بعض تصرفات الضباط غير المنضبطة، مثل “الموافقة على زيارة الوفد العسكري السعودي إلى باب المندب قبل العرض علينا”، والخلاصة أنه “إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك”. وانطلاقاً من هذا، يقول صاحب المذكرات إنه قرر أن يستقيل من رئاسة المجلس الجمهوري، فأرسل الرسائل بذلك من مقر إقامته في صلنفة بسوريا، متذرعاً بتقدم سنه وإعيائه من حمل متاعب المسؤولية، غير مفصح عن الأسباب الحقيقية حينها؛ غير أن وكالات الأنباء التي أذاعت الخبر تحدثت عن “التدخل السعودي، عن طريق العملاء، في الشؤون الداخلية”.
إلا أن وساطات يمنية وعربية، وضغوطاً داخلية وتعهدات بالإصلاح، دفعته للعودة عن الاستقالة، ليعلن موافقته على المشاركة في قمة الجزائر التي ستنعقد بعد شهر من الاستقالة.
والملاحظ هنا أن صاحب المذكرات يورد -بالنصوص- كثيراً من خطاباته وكلماته التي ألقاها بعدة مناسبات في الداخل، في حين تجاهل تجاهلاً شبه تام خطاباته التي ألقاها في مثل قمة الجزائر أو القمة الإسلامية في باكستان، وغيرهما.
عموماً، فإن شيئاً لم يحدث مما تعهد به المشايخ والضباط ومراكز القوى، وظل التدخل السعودي في الشأن الداخلي هو سيد الموقف، حتى أن “مجلس الشورى تحول إلى مؤسسة سعودية”.
كما أن “من المشاكل التي تنجم عن استعمال المشايخ في الأعمال الحكومية… أنهم يعتبرون المنصب ملكاً لهم، ويعتبرون فصلهم منه إهانة لشرفهم؛ فإذا أساء عامل منهم وفُصل من عمله، قال: اليوم يوم الشهادة… وعلى هذا الأساس نحن عاجزون عن تحديث الدولة”.
ومن هنا كانت المشاكل مع الشيخ الأحمر والقاضي عبدالله الحجري الذي اعتكف ممتنعاً عن العمل ورافضاً أيضاً الاستقالة… وهذا ما تناولته المذكرات في الفصلين الرابع والخامس من الجزء الرابع. أما الفصل السادس فجاء بعنوان “الاستقالة” التي لا عودة عنها، وتمثلت حيثياتها في ما ورد سابقاً، بين الجنوب الذي يصر على أعمال “التخريب”، والشمال الذي يريد أن يعيدنا إلى الماضي لينهب ما يحلو له من الأموال ويشتري بها ذمم الناس خدمة لمصالح خارجية غير وطنية.
وتناول الفصل السابع “ما بعد الاستقالة”، وتطرق فيه إلى إصراره على الاستقالة وعدم العودة عنها، وتجاهل طلبه العودة إلى اليمن كمواطن عادي لا كرئيس، وكذا بعض الأحداث، مثل اغتيال الأستاذ محمد أحمد نعمان.
وفي الفصل الثامن يقدم لنا القاضي الإرياني “رسائل مختارة” تلقاها خلال السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات. ثم يختم الجزء الرابع والمذكرات عموما بمجموعة من الوثائق تحت عنوان “الملاحق”.