الفاعلون غير الرسميين وأدوارهم في النزاع الإثيوبي– الإريتري

ملخص:

تستعرض الدراسة أدوار الفاعلين غير الرسميين في النزاع الإثيوبي–الإريتري، بوصفهم عناصر فاعلة في مسار الصراع، لا مجرد أطراف هامشية، وترى أن النزاع تطوّر من مواجهة ثنائية إلى منظومة متعددة الفاعلين والمستويات منذ الحرب الحدودية (1998–2000) وصولًا إلى حرب تيغراي (2020–2022).

وتعتمد الدراسة على مناهج (تحليل النزاع، والمنهج الوظيفي، وتحليل الشبكات)، وتصنف الفواعل غير الرسمية إلى: (جبهة تحرير تيغراي- الحركات الإريترية المعارضة- الميليشيات الحدودية الزعامات التقليدية- شبكات التهريب والاقتصاد غير الرسمي- شبكات الشتات)، مع دراسة وتحليل أدواتها العسكرية والمالية والإعلامية والعابرة للحدود، وأثرها في مسار النزاع الإثيوبي- الإرتيري.

وتُظهر النتائج أن الفاعلين غير الرسميين أسهموا في التصعيد وإطالة أمد النزاع، بينما أدى بعضهم أدوار وساطة محدودة وهشة، كما تكشف أن علاقتهم بالفاعلين الرسميين اتسمت بالتقلب والبراغماتية.

وخلصت الدراسة إلى أن النزاع يعكس نمطًا أوسع في النزاعات الإفريقية المعاصرة؛ إذ تُدار الصراعات عن طريق منظومات فاعلين متداخلة تتجاوز الدولة-المركزية، ما يستدعي إدماج الفاعلين غير الرسميين في أي تحليل مستقبلي لمسار النزاع أو احتواء تداعياته الإقليمية.

خريطة تظهر الخط الحدودي الفاصل بين إثيوبيا وإرتيريا ومناطق النزاع بينهما (المصدر: https://2u.pw/hmizYD)

المقدمة وإشكالية البحث

يُعدّ النزاع الإثيوبي– الإريتري من أكثر نزاعات القرن الإفريقي تعقيدًا واستمرارية؛ إذ لا يقتصر على الخلافات الحدودية أو التنافس الجيوسياسي بين دولتين، بل يتجاوز ذلك ليشمل شبكة واسعة من الفاعلين غير الرسميين الذين باتوا جزءًا بنيويًا من معادلة الصراع، فمنذ اندلاع الحرب الحدودية أواخر التسعينيات، وما تلاها من مراحل “اللاحرب واللاسلم” واتفاق السلام عام 2018، وصولًا إلى تداعيات حرب تيغراي، شهد النزاع تحوّلًا نوعيًا في بنيته الفاعلة، مع تصاعد أدوار الجماعات المسلحة، والحركات المعارضة، وشبكات الشتات، والاقتصاد غير الرسمي، بوصفها قوى مؤثرة في مسار النزاع وتوازناته.

في هذا السياق، برزت أطراف مثل جبهة تحرير تيغراي، والحركات الإريترية المعارضة، والجاليات واللوبيات في الخارج، إضافة إلى شبكات التهريب العابرة للحدود، بوصفها «فواعل موازية» تمارس أدوارًا تتجاوز الهامش التقليدي للدولة، سواء عن طريق التأثير العسكري أم المالي أم الإعلامي، أم عن طريق إعادة تشكيل السرديات السياسية المرتبطة بالنزاع، وقد أسهم هذا التداخل البنيوي بين الفاعلين الرسميين وغير الرسميين في تحويل النزاع إلى صراع متعدد المستويات، تتقاطع فيه المصالح المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية، بما يعقّد إمكانات الاحتواء والتسوية.

على الرغم من ذلك، لا تزال كثير من المقاربات التحليلية السائدة أسيرة منظور دولة مركزية تركّز على سياسات الحكومات وتفاعلاتها الرسمية، مع إغفال نسبي للأدوار المتنامية للفاعلين غير الرسميين؛ الأمر الذي يحدّ من القدرة على فهم ديناميات النزاع، ولا سيما في لحظات التصعيد والانفراج، وتبرز هنا فجوة بحثية تتعلق بغياب تحليل مدمج يربط بين أدوار هذه الفواعل وتحولات مسار النزاع الإثيوبي–الإريتري، بما يحول دون تفسير أسباب تعثّر التسويات، أو سرعة انهيار التهدئات، أو اتساع رقعة الصراع خارج الأطر الثنائية التقليدية.

لذا، تعتمد الدراسة على المزج بين (منهج تحليل النزاع، والمنهج الوظيفي، ومقاربة تحليل الشبكات) لفهم طبيعة النزاع الإثيوبي– الإريتري بوصفه صراعًا متعدد الفاعلين والمستويات، ويتيح هذا الدمج تحليل بنية الصراع ومحركاته، وتفسير الأدوار الوظيفية التي تؤديها الفواعل غير الرسمية في ملء الفراغات السياسية والأمنية، ولا سيما في المناطق الحدودية، كما يسمح برصد العلاقات الشبكية ومسارات التأثير غير المباشر التي تمكّن هذه الفواعل من تعظيم نفوذها على رغم محدودية مواردها، في محاولة لتقديم قراءة أكثر عمقًا لطبيعة الصراع ومساراته المحتملة، بما يُسهم في تطوير في فهم أوسع للنزاعات متعددة الفاعلين في سياق منطقة القرن الإفريقي بشكل كامل.

وتأسيسًا لما سبق، تنطلق الدراسة من إشكالية رئيسة مفادها: كيف يسهم الفاعلون غير الرسميين بمختلف أنماطهم في إعادة تشكيل النزاع الإثيوبي– الإريتري؟ وتثير هذه الإشكالية تساؤلات تتعلق بأدوات التأثير التي تمتلكها هذه الأطراف، وحدود تفاعلها مع سياسات الدول، وطبيعة علاقتها بالفاعلين الرسميين، ومدى تأثيرها الفعلي في ديناميات التصعيد والتهدئة، إضافة إلى أثر المتغيرات الإقليمية الحديثة، ولا سيما حرب تيغراي، في توسيع أدوارها وتعقيد حضورها ضمن منظومة الصراع.

المحور الأول: الإطار النظري والمفاهيمي للدراسة

تستند الدراسة إلى مقاربة نظرية تتجاوز التفسير التقليدي- الدولة المركزية، وتنطلق من افتراض أن النزاعات المعاصرة في القرن الإفريقي تُدار وتُعاد صياغتها عن طريق شبكة معقدة من الفاعلين غير الرسميين الذين يتحركون ضمن فضاءات اجتماعية واقتصادية وأمنية عابرة للحدود([1])؛ لذا، يركز هذا الإطار على الآتي:

  1. الفاعلون غير الرسميين في دراسات النزاع

تشير الأدبيات إلــى تراجع احتكار الدولة لاستخـــدام القــــوة وإدارة النزاع، لاسيما فـــــي البيئات الهشّــــة أو الحدودية؛ إذ تظهر قوى غير رسمية تمتلك موارد وقدرات تمكنها من التأثير في مسار النزاع سواء عن طريق العمل العسكري أم التعبئة السياسية أم التمويل أم التحكم في شبكات الاقتصاد غير الرسمي([2]).

في هذا السياق، تشير الأدبيات إلى تراجع احتكار الدولة لاستخدام القوة وإدارة النزاع، لاسيما في البيئات الهشّة أو الحدودية؛ إذ تظهر قوى غير رسمية تمتلك موارد وقدرات تمكّنها من التأثير في مسار النزاع، وفي الحالة الإثيوبية– الإريترية، تشمل هذه الفئة جماعات مسلحة مثل جبهة تحرير تيغراي، والحركات الإريترية المعارضة، إضافة إلى شبكات التهريب والاقتصاد غير الرسمي، والميليشيات المحلية، وشبكات الشتات الداعمة ما يجعل الصراع متعدد الفاعلين ومتداخل المستويات([3]).

ولا تقتصر هذه الديناميات على حالة القرن الإفريقي؛ إذ تُظهر نزاعات إفريقية أخرى أنماطًا مماثلة لدور الفاعلين غير الرسميين، ففي منطقة الساحل، ودارفور، والصومال، أسهمت الجماعات المسلحة والميليشيات المحلية وشبكات الاقتصاد غير الرسمي في إعادة تشكيل التوازنات الأمنية والسياسية، مستفيدة من هشاشة الدولة وضعف الرقابة الحدودية.

هذا السياق المقارن، يؤكد أن تحليل الفاعلين غير الرسميين ينبغي أن يتجاوز الخصوصية المحلية لفهم طبيعة النزاعات الهشّة والمتعددة الفاعلين في منطقة القرن الإفريقي وإفريقيا عمومًا.

تجدر الإشارة إلى وجود فاعلين غير رسميين آخرين في سياق النزاع محل الدراسة، إلا أن تحليلنا ينحصر في الفواعل ذات الأثر البنيوي والمستدام في مسار النزاع، وقد انصبّ التركيز على الجهات التي امتلكت قدرة متواصلة على التأثير في ديناميات التصعيد والتهدئة، وإعادة تشكيل أنماط التفاعل الحدودي والعابر للحدود، أما الفواعل الأخرى فغلى رغم حضورها وتأثيرها الظرفي، فقد اتسمت أدوارها بالتقطّع أو الارتباط بسياقات زمنية محدودة، ما يضعها خارج النطاق التحليلي للدراسة، مع الإقرار بإمكانية تناولها في دراسات لاحقة أكثر تخصّصًا.

  • مقاربة النزاعات متعددة الفاعلين

ترى هذه المقاربة أن النزاع ليس ثنائية “دولة ضد دولة”، بل هو نتاج تفاعل مستمر بين أطراف رسمية وغير رسمية، لكل منها أجنداتها وأدواتها الخاصة، وتعد أن فهــــم العلاقات البينية بين الفاعلين وليس فقط مواقفهم المعلنة- شرطًا أساسيًا لتحليل ديناميات التصعيد والتهدئة([4]).

وتُظهر هذه المقاربة أن بعض الفاعلين غير الرسميين قد يعملون أدوات بيد الدولة في مرحلة معينة، ثم يتحولون إلى خصـــوم أو عناصر تعطيل في مرحلة لاحقة، وهو نمط متكرر في تاريخ العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا وجبهة تحرير تيغراي([5]).

  • تحليل الشبكات والعلاقات العابرة للحدود

تستفيد الدراسة من مقاربة تحليل الشبكات، عن طريق فهم تشكّل علاقات الدعم والتمويل والتنسيق بين الفاعلين غير الرسميين، مع التركيز علـى موقع كل فاعل ضمن شبكة أوسع تشمـــل روابط عرقية وأيديولوجية واقتصادية وعلاقات في الشتات([6]). في هذا السياق، تؤدي الحدود في النزاع الإثيوبي– الإريتري دورًا وظيفيًا أكثر منه سياديًا، عن طريق تحول المناطق الحدودية إلى فضاءات للتفاعل بين شبكات التهريب والمجتمعات المحلية والجماعات المسلحة، ما يعيد تعريف مفاهيم السيادة والأمن والاستقلال([7]).

وبصورة عامة، تُظهر النزاعات الحدودية الإفريقية أن الحدود لا تمثّل خطوط فصل بقدر ما تشكّل موارد سياسية واقتصادية، تُدار عبر شبكات محلية قادرة على التكيّف مع تغيّر موازين القوة الرسمية([8]).

  • الحوكمة الهشّة واقتصاديات الصراع في المناطق الحدودية

يندرج مفهوم النزاع ضمن إطار الحوكمة الهشّة؛ إذ تضعف قدرة الدولة على فرض السيطرة الكاملة، ويصبح المجال مفتوحًا أمام الفاعلين غير الرسميين لملء الفراغات الأمنية والاقتصادية، هذا المفهوم يفسر العلاقة الجدلية بين الصراع والاقتصاد غير الرسمي؛ إذ يؤدي النزاع إلى ازدهار هذه الشبكات، بينما تعمل الأخيرة بدورها على تقويض أي فرص للتسوية([9]).

إن غياب الإجراءات القانونية، والتجريد من الحقوق، وغياب آليات الإنصاف يقود بالضرورة إلى([10]):

  • دفع الأفراد للاعتماد على شبكات غير رسمية للحماية والعيش.
  • خلق بيئة مثالية لازدهار الاقتصاد غير الرسمي والتهريب.

بمعنى أن شبكات التهريب والاقتصاد غير الرسمي ليست ظواهر غير فاعلة، بل آليات بنيوية تسهم في إدامة النزاع وإعادة إنتاجه([11])، ولعل القول: إن الاقتصاد غير الرسمي تنتجه الهشاشة- ليس دائما صحيحًا؛ إذ يمكن أيضًا إثبات أنه نتاج مباشر لسياسات الدولة أثناء الحرب، وليس مجرد سبب لفشل إداري لاحق.

مما سبق، يمكن توظيف هـــذه الأطـــر النظرية مجتمعة، في تفسير أدوار الفاعلين غير الرسميين عن طريق: تحليل موقع كل فاعل داخل شبكة الصراع([12])، وفهم تفاعله مع الدولة ومع الفاعلين الآخرين([13])، بالإضافة إلى تقييم قدرته على التأثير في مسارات التصعيد أو التهدئة([14]).

المحور الثاني: خلفية تاريخية موجزة لتطور النزاع الإثيوبي- الإريتري

يعود النزاع الإثيوبي–الإريتري إلى جذور تاريخية متشابكة تتعلق بإشكاليات الحدود والهوية والسيادة، تصاعدت حدّتها عقب إعلان استقلال إريتريا عام 1993، بعد عقود من الصراع المسلح ضد الحكم الإثيوبي، وقد مثّل هذا الاستقلال نقطة تحوّل في طبيعة العلاقة بين الدولتين؛ إذ تحوّلت من تحالف عسكري سابق إلى تنافس سياسي وأمني سرعان ما اتخذ طابعًا صداميًا.

اندلعت الحرب الحدودية الشاملة بين البلدين خلال المدة (1998–2000)، وأسفــرت عن خسائر بشرية ومادية جسيمة، وأحدثت تحولات استراتيجية عميقة في بنية الأمن الإقليمي في القرن الإفريقي([15])، ولم تقتصر هذه المواجهة على الصدام العسكري المباشر بين الدولتين، بل ترافقت مع بروز فاعلين محليين غير رسميين، أسهموا في تعقيد مسار الحرب، سواء عبر الدعم اللوجستي أم الانخراط في القتال أم استثمار النزاع لتعزيز مواقعهم المحلية([16]).

ومع توقيع اتفاق السلام في الجزائر عام 2000، دخل النزاع مرحلة اتسمت بحالة من “اللاحرب واللاسلم”؛ إذ توقفت المواجهات العسكرية الواسعة دون الوصول إلى تسوية سياسية نهائية، وقد شكّلت هذه المرحلة بيئة خصبة لتنامي أدوار الفاعلين غير الرسميين، من ميليشيات محلية وشبكات تهريب إلى جاليات فاعلة في الشتات، التي أدت أدوارًا محورية في التمويل، والتجنيد، والتأثير السياسي والإعلامي، مستفيدة من هشاشة الترتيبات الأمنية وضعف آليات الضبط الحدودي([17]).

وعلى رغم دخول النزاع طورًا جديدًا من التفاعل عقب توقيع اتفاق السلام بين أديس أبابا وأسمرة عام 2018، إلا البنية غير الرسمية للصراع لم تفكك؛ فقد أعادت جبهة تحرير تيغراي والحركات الإريترية المعارضة تنظيم حضورها، بالتوازي مع توسّع شبكات الدعم المالي والاقتصاد غير الرسمي، ما انعكس بصورة مباشرة على مسارات التصعيد والتهدئة خلال حرب تيغراي (2020–2022) ([18]).

مما سبق، يتبين أن النزاع الإثيوبي– الإريتري لا يمكن فهمه بمعزل عن أدوار الفاعلين غير الرسميين، الذين غالبًا ما أسهموا في رسم خطوط التأثير والسيطرة، وربط السياسات الرسمية بالتحولات المجتمعية والاقتصادية في المناطق الحدودية، وأن الصراعات على السلطة والموارد أدت إلى انتقال النزاع من مواجهة ثنائية إلى شبكة معقّدة من المصالح المتقاطعة التي تضم فاعلين رسميين وغير رسميين على حد سواء([19]).

المحور الثالث: تصنيف الفاعلين غير الرسميين في النزاع الإثيوبي– الإريتري

يُظهر النزاع الإثيوبي– الإريتري بنية فاعلة معقّدة، لا تقتصر على الحكومتين المركزيتين، بل تضم طيفًا متنوعًا من الفواعل غير الرسميين التي تختلف أدوارها وأدواتها وأنماط تفاعلها مع الدولة، وهو ما يتسق مع مقاربات النزاعات متعددة الأطراف/ الفواعل في إفريقيا([20])، وانطلاقًا من الإطار النظري المعتمد، يمكن تصنيف هؤلاء الفاعلين وفق طبيعة تنظيمهم، ووظائفهم داخل النزاع، ومستوى تأثيرهم في مساراته إلى ست فواعل أساسية، هي:

  1. جبهة تحرير تيغراي (TPLF)

تُعدّ جبهة تحرير تيغراي من أبرز الفاعلين غير الرسميين فـــي النزاع الإثيوبي–الإريتري؛ نظرًا لموقعهــا المركّب الذي يجمع بين كونها حركة تمرد سابقة، ثم نخبة حاكمة سابقة في إثيوبيا، وفاعلًا مسلحًا ذا امتداد محلي وإقليمي يمتلك خبرة طويلة في إدارة الصراع والتأثير في موازينه([21]).

يتركز وجود الجبهة أساسًا في إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا الذي يُقدَّر عدد سكانه بنحو 6 إلى 7 ملايين نسمة قبل حرب تيغراي، وتتمثل مناطق النفوذ التاريخي للجبهة في المدن والمناطق الرئيسة التي يتألف منها الإقليم، مثل ميكيلي (العاصمة الإقليمية) التي تعد الأكثر كثافة سكانية؛ إذ يتجاوز سكنها النصف مليون نسمة، تليها مناطق أديغرات، شير، أكسوم، وهي مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة نسبيًا، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 320 ألف نسمة([22])، هذه المناطق مثلت عمقًا بشريًا واجتماعيًا مهمًا للجبهة مكَّنها من الحفاظ على قاعدة تعبئة واسعة، وقدرة عالية على الصمود.

وتكتسب مناطق انتشار الجبهة أهمية استراتيجية واقتصادية لوقوعها على تماس مباشر مع الحدود الإريترية والسودانية، فضلًا عن إشرافها على طرق إمداد وطرق تجارية غير رسمية استُخدمت خلال مدد النزاع في نقل السلاح والموارد والسلع، وخلال حرب تيغراي (2020–2022)([23]).

وقد امتد نفوذ الجبهة بصورة مؤقتة إلى بعض المناطق الحدودية المتاخمة لإريتريا، ما منحها هامش مناورة عسكرية، وأعاد تدويل الصراع في بعده الحدودي خلال مراحل النزاع، من أبرزها مدينة زالامبسا على الحدود الشمالية لإقليم تيغراي، ومنطقة تاهايتاي أدييابو (بما في ذلك محيط شيرارو) قرب الخط الحدودي، إضافة إلى محيط سيرو الذي يقع على الطريق بين أدغرات وأدوا قرب الحدود مع إريتريا([24])، هذه المناطق الحدودية لم تكن مجرد خطوط تماس جغرافية، بل شكلت نقاط ضغط استراتيجية -سواء لوجستيًا أم عسكريًا- على امتداد جبهة الصراع.

وعلى المستوى العسكري، تشير تقارير تحليلية إلى أن الجبهة كان لديها قوة محلية واسعة تشمل قوات نظامية سابقة وميليشيات محلية وتعبئة شعبية، مع امتلاك أسلحة خفيفة ومتوسطة وأنظمة دفاع جوي قصيرة المدى مثل (S-75 وS-125)، ما جعلها قوة قادرة على الصمود في مواجهة الجيش الفيدرالي الإثيوبي حتى لو كانت غير متكافئة في العتاد الكامل، وتشير تقديرات مركز الأزمات الدولي إلى أن العدد الإجمالي للقوات والميلشيات التي يمكن حشدها في الإقليم وصل إلى مئات الآلاف، مع عشرات الآلاف من المقاتلين الفاعلين بحسب مرحلة النزاع وظروف التعبئة المحلية([25]).

قاد الجبهـــــة تاريخيًا، عدد مــــن القيادات البارزة، أبرزهم ملس زيناوي خلال مرحلة ما بعد إسقاط نظـــــــام منغستو هيلا مريم، وسيبهات نيغا أحد مؤسسي الجبهة وأبرز منظّريها الأوائل، ومن بين القادة البارزين في تاريخ الجبهة، يبرز أباي ولدُو الذي تولّى رئاسة الإقليم والجبهة بين 2012 و2017، ودبريصيون قبر ميكائيل الذي يعد القائد الأبرز خلال مراحل النزاع حاليا، لا سيما في مدة المواجهة مع الحكومة الفيدرالية الإثيوبية بعد 2018([26]).

خريطة تبرز موقع إقليم تيغراي الإثيوبي ومناطقه المتاخمة لإرتيريا (المصدر: الجزبرة نت:https://2u.pw/Dvn2Ti)

  • الحركات الإريترية المعارضة

شكّلت الحركات الإريترية المعارضة أحد الفواعل غير الرسمية التي تداخل حضورها مع مسارات النزاع الإثيوبي–الإريتري، سواء بوصفها أطرافًا سياسية في المنفى أم فواعل مسلّحة محدودة التأثير في الخطوط الحدودية، وقد ضمّت الساحة الإريترية في المنفى طيفًا متنوعًا من الحركات المعارضة التي اختلفت في مرجعياتها التنظيمية والأيديولوجية، لكنها التقت في معارضتها لنظام الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة.

وتعد (الجبهة الوطنية الإريترية للخلاص) من أبرز التنظيمات المعارضة، قادها -مدة طويلة- أحمد محمد ناصر، قبل وفاته، ثم واصل قيادتها عدد من الشخصيات التنظيمية من بينها د. هابتي تسفاماريام، وقد تميزت جبهة الخلاص بالتركيز على العمل السياسي والدبلوماسي الخارجي، كما برزت (الجبهة الديمقراطية الشعبية الإريترية) بقيادة توالدي غيبريسلاسي بوصفها تيارًا معارضًا ذا توجه إصلاحي ديمقراطي([27]).

وفي السياق الإثني، نشطت (منظمة عفر البحر الأحمر الديمقراطية) بقيادة محمد يزيد غافور، متبنية مطالب جماعة العفر في الحكم الذاتي والحقوق السياسية، كما ظهرت الحركات الإسلامية الإريترية، وعلى رأسها (حركة الجهاد الإسلامي) التي غيرت اسمها إلى (حركة الخلاص الإسلامي) بقيادة محمد عامر([28]).

وفي مرحلة أحدث، برزت تنظيمات ناشئة في أوساط الشتات مثل (لواء نحميدو) التي قادها نشطاء معارضون ركّزوا على التعبئة السياسية والإعلامية ضد النظام، لا سيما في أوروبا وأمريكا الشمالية، وقد عكست هذه التعددية القيادية والتنظيمية حالة التشظي داخل المعارضة الإريترية، وأثّرت في قدرتها على التحول إلى فاعل موحّد ذي تأثير حاسم.

وتتمحور المطالب الرئيسة لهذه الحركات حول قضايا أساسية أبرزها: (إنهاء الحكم الفردي، وتفعيل الدستور، وإطلاق الحريات السياسية، وإنهاء الخدمة العسكرية المفتوحة)، فضلًا عن مطالبة الخلاص الإسلامي بالإطاحة القسرية بحكومة إريتريا واستبدالها بحكومة إسلامية، وقد رفعت هذه الحركات شعارات الإصلاح السياسي أو إسقاط النظام في أسمرة، مستفيدة من الدعم أو التسامح الإثيوبي، لا سيما خلال مدة القطيعة بعد حرب 1998–2000([29])، كما استفادت تاريخيًا مـــــن التوتر الإثيوبي- الإريتري، ســــواء بالدعــــم غير المباشر مــــن أطراف إقليمية، أم بنشاطها في الأراضي الإثيوبية والسودانية([30]).

وعلى رغم محدودية قدرة هذه الحركات على إحداث تغيير مباشر في بنية النظام الإريتري بسب ضعف غياب التنسيق فيما بينها، فإنها أدت دورًا مزدوجًا في النزاع؛ إذ شكّلت من جهة أدوات ضغط على النظام، ومن جهة أخرى استُخدمت أحيانًا ورقة تفاوض أو ردع في الصراع بين الدولتين([31]). كما أدّت أدوارًا غير مباشرة ذات أثر نسبي، تمثلت في إرباك البيئة الأمنية والسياسية، وتوظيفها ضمن حسابات الصراع الإقليمي أدوات ضغط متبادلة، ما أسهم في تعقيد ديناميات النزاع وتوسيع نطاق تدويله، دون أن يرقى ذلك إلى مستوى تهديد وجودي مستدام للنظام القائم.

وعقب توقيع اتفاق التقارب بين أديس أبابا وأسمرة عام 2018، تراجع هامش تدخل هذه الحركات؛ إذ جرى تحييدها سياسيًا وأمنيًا وفقدت معظم منصاتها الإقليمية؛ لتتحول من فاعل مؤثر نسبيًا إلى عنصر هامشي، في دلالة على الطابع البراغماتي لتوظيف الفاعلين غير الرسميين في نزاعات القرن الإفريقي متعددة الفاعلين.

تضم فئة الميليشيات والمجتمعات المسلحة تشكيلات مسلحة غير نظامية تنشط في المناطق الحدودية بين إثيوبيا وإريتريا، ولا سيما في إقليمي تيغراي والعفر، وترتبط في الغالب ببنى قبلية ومجتمعية محلية، ومن أبرز هذه التشكيلات المسلحة (الميليشيات العفرية)، المنتشرة على جانبي الحدود، التي ترتبط بعشائر (الدناكل، والعصيمرة) المنتمية لقبائل العفر، وقد قاد بعضها زعماء محليون أدوا أدوارًا مزدوجة قادة مجتمعيين وعسكريين في آن واحد، كما برزت في مناطق تيغراي الشمالية ميليشيات محلية مرتبطة بمجتمعات زراعية ورعوية، إضافة إلى ميليشيات أمهرة (فانو) التي شاركت في الديناميات الأمنية على الحدود([32]).

تتحرك هذه الميليشيات بدوافع تتصل بحماية الموارد المحلية، والسيطرة على طرق التجارة والرعي، وتأمين المجتمعات في ظل ضعف الدولة أو غيابها، وقد تجلّت هذه الروابط القبلية في وقائع اشتباكات متكررة بين مجموعات عفرية وتيغراوية حول الأراضي والممرات الحدودية، لاسيما في مناطق مثل بادمي والمناطق المحاذية للمثلث الحدودي، وفي هذا السياق، لم تكن هذه التشكيلات مجرد أدوات عنف، بل فواعل محلية ذات أجندات خاصة تستند إلى شرعية اجتماعية داخل مجتمعاتها.

أثّرت هذه الميليشيات بصورة مباشرة في الأمن الحدودي، وأسهمت في إدامة حالة السيولة الأمنية، كما أدت دورًا في تسهيل أو عرقلة تحركات الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، سواء بتوفير الحماية أم بفرض الإتاوات أم التحكم في المسارات الحدودية، ما جعلها جزءًا من البنية الوظيفية لاقتصاديات الصراع، كما أظهرت طبيعة العلاقة بينها وبين الفاعلين الرسميين درجة عالية من البراغماتية؛ إذ جرى توظيف بعضها ظرفيًا، قبل أن تتحول في حالات أخرى إلى فواعل مستقلة يصعب ضبطها أو احتواؤها.

  • الزعامات التقليدية في تيغراي والعفر

تمثل الزعامات التقليدية في مجتمعات التيغراي والعفر فاعلًا غير رسمي من نوع خاص؛ إذ تستمد تأثيرها من الشرعية الاجتماعية والقدرة على الوساطة وحشد المجتمعات المحلية، غير أن طبيعة هذا التأثير تختلف تبعًا لاختلاف البنية الاجتماعية والتنظيمية لكل جماعة.

فالتيغراي يشكلون مجتمعًا زراعيًا مستقرًا نسبيًا، ذا تاريخ طويل من التنظيم السياسي والاندماج في مؤسسات الدولة الإثيوبية، ولا سيما خلال مرحلة هيمنة جبهة تحرير تيغراي، ما جعل زعاماتهم التقليدية (من وجهاء محليين ورجال دين وأعيان قرى) تميل إلى التداخل مع النخب الحزبية والسياسية، وتؤدي أدوارًا تراوحت بين التعبئة الاجتماعية، وتوفير الغطاء المحلي لبعض خيارات الصراع، أو تأدية أدوار وساطة محدودة في مدد التهدئة([33]).

في المقابل، ينتمي العفر إلى مجتمع رعوي قبلي عابر للحدود، ينتشر في إقليم العفر شمال شرق إثيوبيا، والمناطق الساحلية والجنوبية الشرقية من إريتريا، إضافة إلى جيبوتي، ويقوم تنظيمه الاجتماعي على البنية القبلية والسلطة العرفية([34])، وقد احتفظت زعاماتهم التقليدية- من شيوخ قبائل وسلاطين محليين- بهامش أوسع من الاستقلال النسبي عن الدولة، واضطلعت بأدوار تركزت على إدارة النزاعات المحلية، وتنظيم الوصول إلى الموارد، والتوسط بين المجتمعات الحدودية والسلطات الرسمية، فضلًا عن أدوار أمنية غير رسمية في المناطق ذات السيولة الحدودية.

وقد اكتسبت هذه الزعامات أهمية خاصة في مدد الانفراج أو التهدئة؛ إذ تُستخدم قنوات تواصل غير رسمية، لكنها قد تتحول فــي أوقات التصعيد إلــى أدوات تعبئة أو اصطفاف، تبعًا لمصالحهـــا وموقعهـــا داخل شبكة الصراع([35]).

خريطة تظهــر انتشار قبائل التيغراي والعفر في إثيوبيا وإرتيريا (المصدر: Passpart,2020 – ترجمة مركز آفاق اليمن للأبحاث والدراسات)

  • شبكات التهريب والاقتصاد غير الرسمي

تُعد هذه الشبكات أحد أكثر الفاعلين غير الرسميين استمرارية وتأثيرًا في النزاع الإثيوبي– الإريتري؛ إذ تعمل في الحدود مستفيدة من ضعف الحوكمة وسيولة السيطرة الأمنية، وتشمل أنشطتها تهريب السلاح، والوقود، والسلع، والبشر([36])، ما يجعل منها عنصرًا اقتصاديًا وأمنيًا في آن واحد.

ولا تقتصر أدوار هذه الشبكات على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى تمويل بعض الجماعات المسلحة، وربطها بمسارات إقليمية أوسع([37])؛ الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع وتقويض فرص التسوية، ويعزز من الطابع الشبكي والعابر للحدود للصراع.

وتبرز خطورة هذه الفواعل في قدرتها على الاستمرار بعد توقف العمليات العسكرية المباشرة؛ إذ تظل مصالحها مرتبطة ببقاء حالة اللايقين والصراع منخفض الحدة، وهو ما يجعلها من أكثر الفاعلين مقاومة لمسارات التسوية الشاملة، وأحد العوامل البنيوية التي تعيد إنتاج النزاع في صور جديدة، حتى بعد توقيع الاتفاقات السياسية بين الدول.

وتعد شبكات تهريب الذهب والموارد المعدنية في إقليم تيغراي من أبرز الشبكات التي حولت الذهب إلى سلعة غير رسمية محورية ضمن اقتصاد الحرب؛ إذ تشير التقديرات إلى أن ما يصل نحو 6 أطنان من الذهب تُهرَّب سنويًا من الإقليم خارج القنوات الرسمية، بقيمة تقدر بمليارات الدولارات، وهو

ما يفوق بكثير حجم الصادرات الرسمية الحالية([38]).

وتوجد في الإقليم نفسه شبكات تهريب أخرى عابرة للحدود والطرق غير الرسمية، تضم طرقًا معقدة تمتد من مناطق التعدين إلى الخارج عبر طرق غير مراقبة، بعضها يمر من طرق إريترية قبل أن يتجه إلى مراكز تجارية إقليمية مثل “دبي”، وبعضها من طرق مخفية تستخدم من قبل تجّار مهربين تحت شعارات المنظمــــات الدولية أو المـــركبات المدنية لتفادي المراقبة الرسمية، كمـا تشير تقارير إلى تورط جهات عسكرية محلية في إدارة وحماية هذه الطرق وتحصيل إتاوات على مرور البضائع المهربة([39]).

6- شبكات الدعم في الشتات

تُعدّ شبكات الدعم في الشتات من الفاعلين غير الرسميين ذوي التأثير المتنامي في النزاع الإثيوبي–الإريتري، على رغم ابتعادها الجغرافي عن مسرح الصراع، وتضم هذه الشبكات جاليات إثيوبية وإريترية، ولا سيما من التيغراي، تنشط أساسًا في الولايات المتحدة وأوروبا، وقد انتظمت في أطر تنظيمية ومدنية وإعلامية مكّنتها من تأدية أدوار سياسية مؤثرة تتجاوز حدود الدعم الرمزي أو الإنساني، ومن أبرز هذه الأطر منظمات وجمعيات مثل Tigray Advocacy Group (TAG)، وOmna Tigray، وTigray Development Association (TDA)، إضافة إلى شبكات ضغط يقودها ناشطون في المهجر، عملت على تنسيق المواقف، وحشد الموارد، والتأثير في الرأي العام وصنّاع القرار في الدول المضيفة([40]).

وخلال مراحل مختلفة من النزاع، لاسيما أثناء حرب تيغراي (2020–2022)، اضطلعت هذه الشبكات بأنشطة متعددة شملت جمع التبرعات المالية لدعم الجبهة الإنسانية والسياسية، وتنظيم مظاهرات واعتصامات أمام البرلمانات والمؤسسات الدولية، وتقديم مذكرات ضغط إلى الحكومات الغربية والمنظمات الأممية، كما أدت دورًا مركزيًا في المجال الإعلامي، عن طريق دعم منصات رقمية ووسائل إعلام ناطقة باللغات الأجنبية، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لبناء سرديات سياسية وحقوقية حول النزاع، وتسويقها في الفضاء الدولي، بما أسهم في تدويل الصراع ونقل بعض معاركه من الميدان العسكري إلى الساحة السياسية والإعلامية العالمية([41]).

يكشف هذا الدور أن الشتات لا يعمل بوصفه امتدادًا اجتماعيًا محايدًا للمجتمعات المحلية، بل فاعلًا غير رسمي يمتلك أدوات تأثير مستقلة نسبيًا، ويتفاعل مع بقية الفاعلين داخل منظومة الصراع، سواء بتعزيز مسارات التصعيد عن طريق الضغط الإعلامي والسياسي، أم بالتأثير في فرص التهدئة عن طريق توظيف الخطاب الحقوقي والإنساني، وبذلك يغدو الشتات عنصرًا بنيويًا في ديناميات النزاع العابر للحدود، لا مجرد نتيجة من نتائجه، لاسيما في ظل تزايد أهمية الإعلام الرقمي وشبكات الضغط العابرة للدول في النزاعات المعاصرة([42]).

المحور الرابع: أدوات التأثير لدى الفاعلين غير الرسميين في النزاع الإثيوبي– الإريتري

لا يستمد الفاعلون غير الرسميين في النزاع الإثيوبي– الإريتري تأثيرهم من حضورهم العسكري فحسب، بل من امتلاكهم مجموعة متنوّعة من الأدوات السياسية، والاقتصادية، والإعلامية، والاجتماعية، وبصورة عامة، تُظهر أدبيات النزاعات المعاصرة في القرن الإفريقي أن هذه الأدوات غالبًا ما تكون مرنة وقابلة لإعادة التوظيف وفقًا لتحولات السياق السياسي والأمني([43]).

وعلى المستوى الإفريقي، تشير الأدبيات إلى أن الفاعلين غير الرسميين لا يعملون دائمًا خارج الدولة أو ضدها، بل يُعاد دمجهم أحيانًا ضمن استراتيجيات رسمية تهدف إلى توسيع هامش المناورة السياسية أو موازنة خصوم داخليين وخارجيين([44])، وفي هذا السياق، تتحول الجماعات المسلحة إلى أدوات ضغط غير مباشرة، تُستخدم لفــــرض وقائع ميدانية أو سياسية دون تحمّل الدولة كلفة المواجهة المباشرة.

ولم يقتصر النزاع محل الدراسة على المواجهة العسكرية المباشرة، بل تزامن مع تنامي شبكات تهريب أسلحة وموارد، مكّنت الفاعلين غير الرسميين من تعزيز تأثيرهم في مسارات النزاع([45])، وذلك عن طريق أدوات تأثير مختلفة ومتعددة، يمكن حصرها بالآتي:   

  1. الموارد المالية وشبكات الدعم

تُعــدّ الموارد المالية وشبكات الدعم- ولا سيما تلك المرتبطة بالشتات- من أهم أدوات التأثير لدى الفاعلين غير الرسميين في النزاع الإثيوبي–الإريتري، فقد أدت شبكات الشتات الإريتري التيغراي دورًا محوريًا في تمويل الأنشطة السياسية والإعلامية، وتوفير أشكال متنوّعة من الدعم اللوجستي والعسكري خلال مراحل مختلفة من النزاع، بما أتاح لهذه الفواعل قدرًا معتبرًا من الاستقلال النسبي عن سيطرة الدولة، وأسهم في تعزيز قدرتها على الاستمرار والمناورة داخل منظومة الصراع([46]).

ولا يقتصر هذا الدعم على التحويلات المالية المباشرة، بل يشمل تنظيم حملات تبرع عن طريق الجاليات في الولايات المتحدة وأوروبا، وتمويل وسائل إعلام ناطقة باسم أطراف النزاع، وتوفير دعم لوجستي غير مباشر، مثل شراء معدات اتصالات أو تأمين خدمات قانونية وإعلامية للناشطين المرتبطين بهذه الفواعل([47])، وفي هذا السياق، يشير “شين” إلى أن الشتات في القرن الإفريقي لا يعمل بوصفه مصدر تمويلًا فحسب، بل فاعلًا سياسيًا منظمًا، يمتلك القدرة على بناء شبكات ضغط وتأثير عابر للحدود، ولا سيما داخل البيئات السياسية الغربية؛ إذ تُستخدم الموارد المالية أداة للتأثير في الرأي العام وصنّاع القرار على حد سواء([48]).

وتؤكد تقارير “هيومن رايتس ووتش” أن سياسات التهجير القسري، ونزع الجنسية، والمصادرة الجماعية للممتلكات- التي رافقت النزاع- أسهمت في خلق شبكات اجتماعية واقتصادية جديدة خارج سيطرة الدولة، اضطلع بها متضررون، وجاليات في الخارج، ووسطاء محليون؛ لتأمين التمويل، والحماية القانونية غير الرسمية، ودعم أنشطة سياسية وإعلامية معارضة([49])، وقد شكّلت هذه الشبكات بنية موازية أعادت توجيه الموارد من فضاءات اللجوء والشتات إلى داخل مناطق الصراع أو محيطها الإقليمي.

كما تشير دراسات اقتصاديات الصراع في إفريقيا إلى أن شبكات التمويل غير الرسمية لا تعمل بمعزل عن العنف، بل تشكّل جزءًا من البنية التي تسمح باستمراره؛ إذ تتحول الموارد المالية العابرة للحدود إلى آلية لإدامة الصراع بدل احتوائه، سواء عبر تمويل الجماعات المسلحة أم دعم اقتصاديات الحرب والتهريب المرتبطة بها([50]).

وفي الحالة الإثيوبية–الإريترية، برز هذا النمط بوضوح خلال حرب تيغراي؛ إذ تداخل التمويل القادم من الشتات مع شبكات الاقتصاد غير الرسمي، ما صعّب من جهود الرقابة والاحتواء.

وتجدر الإشارة- في هذا السياق- إلى أن الانتهاكات الرسمية نفسها أسهمت في تمكين الفاعلين غير الرسميين، ليس فقط بدفع السكان نحو اللجوء والشتات، بل أيضًا بتحويل هذا الشتات إلى مصدر جديد للقوة السياسية والمالية، وبذلك لم يعد التحول إلى الشتات مجرد نتيجة للنزاع، بل أصبح أحد مكونات دينامياته البنيوية، وعنصرًا فاعلًا في إعادة إنتاجه واستمراره عبر الزمن.

  • التأثير الإعلامي والرقمي

برز الإعلام- ولا سيما الفضاء الرقمي- أداة مركزية في ترسانة الفاعلين غير الرسميين؛ إذ مكّنهم من تجاوز قيود الإعلام الرسمي وبناء سرديات بديلة للصراع، وخلال حرب تيغراي، استُخدمت وسائل التواصل الاجتماعي للتعبئة السياسية، وتدويل الصراع، والتأثير في مواقف المنظمات الدولية، بما جعل الإعلام الرقمي ساحة صراع موازية للميدان العسكري([51]).

وتندرج هذه الممارسات ضمن ما تصفه “كالدور” بـ«حروب السرديات» في النزاعات الجديدة؛ إذ تصبح السيطرة على الخطاب جزءًا لا يتجزأ من أدوات العنف المنظم([52]).

ولا يقتصر التأثير الإعلامي والرقمي للفاعلين غير الرسميين على التعبئة أو نقل الروايات البديلة فحسب، بل يمتد ليشمل إعادة تشكيل بيئة الصراع ذاتها بما يمكن وصفه بـ«تدويل السرديات المحلية»([53])؛ فقد مكّنت المنصات الرقمية- ولا سيما وسائل التواصل الاجتماعي- هذه الفواعل من تجاوز القنوات الدبلوماسية والإعلامية التقليدية، والتواصل المباشر مع الرأي العام الدولي، والمنظمات الحقوقية، وصنّاع القرار في العواصم الغربية.

وخلال حرب تيغراي على وجه الخصوص، أدت شبكات الشتات دورًا محوريًا في إنتاج وترويج خطاب سياسي وإعلامي منظّم، استُخدمت فيه تقارير الانتهاكات والصور والشهادات، بوصفها أدوات ضغط سياسي وأخلاقي، وليس فقط مواد إخبارية، وأسهم هذا النمط من النشاط الرقمي في نقل الصراع من ساحته المحلية إلى فضاء دولي؛ إذ أصبح التفاعل مع النزاع يجري عن طريق المنصات الإعلامية، والبرلمانات، والمؤسسات الحقوقية، ما منح الفاعلين غير الرسميين قدرة غير مسبوقة على التأثير في مسارات النقاش الدولي حول النزاع.

كما أتاح الفضاء الرقمي لهذه الفواعل بناء شبكات عابرة للحدود تجمع بين ناشطين، وإعلاميين، ومنظمات مجتمع مدني، أسهم في تعزيز الاستقطاب وتكريس «حروب السرديات» بوصفها بعدًا مكمّلًا للصراع العسكري، وفي هذا السياق، لم يعد الإعلام مجرد أداة لنقل الحدث، بل تحوّل إلى ساحة صراع قائمة بذاتها، تُستخدم فيها المعلومة والتأطير الخطابي وسائل للتأثير السياسي وإعادة توزيع الشرعية داخل منظومة النزاع.

  • العلاقات العابرة للحدود

تشكل العلاقات العابرة للحدود أداة تأثير بنيوية في النزاع الإثيوبي– الإريتري، لاسيما في ظل هشاشة الرقابة الحدودية وتشابك الامتدادات العرقية والاجتماعية، وقد استفادت الفاعلون غير الرسميين من هذه الامتدادات لتأمين الحركة، وبناء شبكات دعم، وخلق ملاذات آمنة في الحدود، ما حوّل المناطق الحدودية إلى فضاءات تفاعل سياسي وأمني غير رسمي([54]).

وفي هذا السياق، يوضح “هاغمان، وبيكلار” أن الحدود في إفريقيا لا تؤدي وظيفة سيادية خالصة، بل تُدار من خلال تفاوض مستمر بين الدولة والفاعلين المحليين، بما يعيد تعريف مفاهيم الأمن والسيادة([55]).

  • الأدوات العسكرية وشبه العسكرية

علــــى الرغم مـــن افتقار الفاعلين غير الرسميين للجيوش النظامية، إلّا أنهــــم يوظفون أدوات عسكرية وشبه عسكرية فعّالة، تشمل الميليشيات المحلية، والقوات غير النظامية، وأساليب الحرب غير المتكافئة.

في هذا الإطار، يوثّق “ترونفول” كيف أدت هذه القوى أدوارًا حاسمة في النزاع الإثيوبي– الإريتري، سواء بوصفها قوى مساندة للدولة أم عناصر معطِّلة لمسارات التسوية([56])، كما تشير تقارير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن توظيف الفاعلين غير الرسميين عسكريًا في سياق النزاع نفسه غالبًا ما يكون بمنطق براغماتي؛ إذ تتبدل التحالفات بسرعة تبعًا لتغيّر المصالح السياسية([57]).

  • الوساطة غير الرسمية والضغط السياسي

إلى جانب أدوات التصعيد، يمتلك بعض الفاعلين غير الرسميين القدرة على تأدية أدوار وسيطة، عن طريق الزعامات التقليدية، أو عن طريق الشخصيات ذات النفوذ الاجتماعي، أو عن طريق شبكات الشتات، ويشير “بير كتياب” إلى أن هذه الأدوار قد تسهم أحيانًا في فتح قنوات تفاوض غير رسمية أو تخفيف حدّة التوتر، لكنها في الوقت ذاته قد تُوظَّف لخدمة أجندات خاصة([58])، ويعزز “دي وال” هذا الطرح، معتبرًا أن الوساطة غير الرسمية في القرن الإفريقي عمومًا، تُعد جزءًا من «السياسة الواقعية للصراع»؛ إذ تتداخل إدارة النزاع مع صفقات النفوذ والضغط غير المعلن([59]).

المحور الخامس: أثر الفاعلين غير الرسميين على مسار النزاع الإثيوبي- الإريتري

لا يمكن فهم مسار النزاع الإثيوبي– الإريتري بوصفه نتاجًا حصريًا لقرارات الدول أو لتوازنات القوة الرسمية؛ إذ أظهرت التجربة الممتدة منذ أواخر التسعينيات أن الفاعلين غير الرسميين أسهموا بصورة مباشرة وغير مباشرة في إعادة تشكيل ديناميات الصراع، سواء بدفعه نحو التصعيد، أم بتعطيل فرص التسوية، أم عن طريق التأثير في موازين القوى الإقليمية، ويتجلّى هذا الأثر في مستويات متعددة تتراوح بين الميدان العسكري، والفضاء السياسي، والاقتصاد غير الرسمي، والبيئة الإقليمية الأوسع.

  1. الإسهام في ديناميات التصعيد وإطالة أمد النزاع

أسهم الفاعلون غير الرسميين، ولا سيما الجماعات المسلحة والشبكات المرتبطة بها، في تعقيد مسار النزاع محل البحث وإطالة أمده، عن طريق إدخال اعتبارات تتجاوز الحسابات الاستراتيجية للدول، ففي حالات متعددة، أدى اعتماد الدول على قوى غير نظامية أو توظيفها أدوات ضغط إلى فقدان السيطرة على وتيرة التصعيد، وتحول هذه الفواعل إلى أطراف مستقلة تفرض منطقها الخاص على الصراع([60]).

في هذا السياق، تُظهر دراسة أبو ضيف أن الفاعلين غير الرسميين قد يتحولون- مع مرور الوقت- من أدوات تُستخدم لإدارة الصراع إلى أطراف فاعلة تُعرقل مسارات السلام نفسها، فمع ترسّخ مصالحهم الاقتصادية والأمنية، يصبح استمرار النزاع شرطًا لبقائهم ونفوذهم، بينما يُنظر إلى التسويات السياسية بوصفها تهديدًا مباشرًا لشبكات السيطرة التي نشأت في ظل الحرب([61])، وفي هذا الصدد، يمكن القول: إن تعطيل جهود التهدئة لا يُعد سلوكًا طارئًا لهذه الفواعل غير الرسمية، بل خيارًا استراتيجيًا يسلكه بعضها للحفاظ على مواقعها داخل منظومة الصراع.

وفي الحالة الإثيوبية- الإرتيرية، تشير مجموعة الأزمــات الدولية إلى أن النزاع اتسم منذ مراحله المبكرة بتداخل الفاعلين الرسميين وغير الرسميين، ما جعل خطوط المسؤولية عن التصعيد ضبابية، وأضعف فرص الاحتواء السريع للأزمات المتكررة([62]).

  • التأثير أحيانًا باتجاه تعزيز فرص التهدئة والتسوية

على الرغم من الدور التصعيدي لبعض الفاعلين غير الرسميين، فإن تأثيرهم لم يكن أحادي الاتجاه، ففي بعض السياقات أسهمت الزعامات التقليدية والشبكات الاجتماعية العابرة للحدود في تخفيف حدة التوتر أو فتح قنوات تواصل غير رسمية، لاسيما في المناطق الحدودية التي تتقاطع فيها الروابط الاجتماعية مع خطوط الصراع السياسي([63]).

غير أن هـــــذا الدور الوسيط يظل محدودًا وهشًا؛ إذ يؤكد “دي وال” أن الفاعلين غير الرسميين غالبًا ما ينخرطون في عمليات تهدئة انتقائية تخدم مصالحهم الذاتية، ولا تؤدي بالضرورة إلى تسويات مستدامة، بل قد تتحول إلى أدوات لإعادة توزيع النفوذ داخل منظومة الصراع ([64]).

  • إعادة تشكيل موازين القوى المحلية والإقليمية

أظهــــرت التطورات بعد اتفاق السلام لعام 2018 أن الفاعلين غير الرسميين- بما فـــي ذلك الجماعـــات المسلحة وشبكات الاقتصاد غير الرسمي- أدوا دورًا مركزيًا في إعادة تصعيد النزاع، مؤكدين على هشاشة السيطرة الرسمية([65])؛ إذ أدى تصاعد أدوار هؤلاء الفاعلين إلى إعادة تشكيل موازين القوى، ليس فقط داخل الدول المعنية، بل على المستوى الإقليمي في القرن الإفريقي.

  • الانعكاسات الإقليمية والدولية لأدوار الفاعلين غير الرسميين

لم يقتصر أثر الفاعلين غير الرسميين في الإطار الثنائي للنزاع الإثيوبي– الإريتري، بل امتد إلى دول الجوار والفضاء الدولي، فقد أسهمت شبكات التهريب، وحركات المعارضة العابرة للحدود، في ربط النزاع بساحات أخرى في السودان وكينيا والبحر الأحمر، ما أضفى عليه طابعًا إقليميًا متداخلًا([66]).

في هذا السياق، تشير دراسة “راضي” إلى أن تأثير هذه الفواعل في مسار هذا النزاع لم يقتصر على الحدود المباشرة للدولتين، بل امتد إلى حسابات الدول المجاورة من بينها اليمن؛ إذ أسهم هذا التأثير في إعادة ترتيب أولويات الأمن الإقليمي وتحريك شبكات سياسية ودبلوماسية في الشتات([67]).

وقد أعادت حرب تيغراي إحياء التوتر الإثيوبي– الإريتري في سياق إقليمي أوسع؛ إذ تداخلت الحسابات الأمنية مع أدوار الفاعلين غير الرسميين، ما جعل الصراع أكثر قابلية للامتداد إلى دول الجوار([68]).

كما أدت الحملات الإعلامية والضغوط التي مارستها جماعات في الشتات دورًا في التأثير في مواقف قوى دولية ومنظمات أممية، لاسيما خلال حرب تيغراي، وهو ما ينسجم مع ما تصفه دراسة “كالدور” بطبيعة “الحروب الجديدة” التي تتداخل فيها المستويات المحلية والإقليمية والدولية ضمن فضاء صراعي واحد([69])، كذلك لم يؤدِّ اتفاق السلام لعام 2018 إلى تفكيك البنى غير الرسمية للصراع، بل جرى احتواؤها مؤقتًا قبل أن تعود للظهور بصورة أكثر تعقيدًا خلال حرب تيغراي([70]).

جدول تصنيف مقارن للفاعلين غير الرسميين في النزاع الإثيوبي–الإريتري

الفاعلأدوات التأثيرمستوى التنظيمالعلاقة بالدولةأثره على النزاع
جبهة تحرير تيغراي (TPLF)القوة العسكرية النظامية وشبه النظامية، التعبئة السياسية، شبكات الشتات، الإعلام الرقميعالٍ (تنظيم سياسي–عسكري مركزي متماسك)متحوّلة وصدامية: من شريك مهيمن في السلطة الفيدرالية إلى خصم مباشر للدولةتصعيد النزاع، إعادة تشكيل موازين القوة، وتوسيع نطاقه جغرافيًا وسياسيًا
الحركات الإريترية المعارضةالنشاط السياسي المعارض، الدعم الخارجي، التحالفات الظرفيةمتوسط (تنظيمات متعددة محدودة التنسيق)عدائية بنيوية تجاه النظام الإريتري، مع توظيف أداتي في الصراع الإقليميضغط سياسي غير مباشر، وتأثير محدود في خيارات النظام دون تغيير بنيوي
الميليشيات الحدودية والمجتمعات المسلحة محليًاالسيطرة الميدانية، حماية الموارد، الدعم اللوجستي، تأمين طرق العبورمنخفض إلى متوسط (تنظيم محلي/قبلي غير مركزي)براغماتية ومتقلبة: تعاون ظرفي أو تنافس مع مؤسسات الدولةإدامة السيولة الأمنية، وتعقيد ضبط الحدود وإدارة النزاع
الزعامات التقليدية في تيغراي والعفرالوساطة الاجتماعية، الحشد المجتمعي، الشرعية التقليديةمنخفض (بنى تقليدية غير هرمية)تكاملية أو تفاوضية بحسب مرحلة النزاعاحتواء توترات محلية أو تعبئة ظرفية خلال التصعيد
شبكات التهريب والاقتصاد غير الرسميالتمويل غير المشروع، تهريب السلاح والسلع، الربط العابر للحدودشبكي مرن (تنظيم غير مركزي عالي التكيف)تقويضية وتنافسية مع السلطة الرسميةإطالة أمد النزاع، وتآكل فرص التسوية والاستقرار
شبكات الدعم في الشتاتالتمويل، الحملات الإعلامية الرقمية، الضغط السياسي والدبلوماسيمتوسط إلى عالٍ (تنظيم شبكي عابر للحدود)مستقلة نسبيًا عن الدولة، وتمارس ضغطًا خارجيًا عليهاتدويل النزاع، والتأثير في الخطاب والسياسات الدولية

 المصدر: من إعداد الباحث

الخاتمة:

تُظهر الدراسة أن النزاع الإثيوبي–الإريتري لا يمكن اختزاله في صراع ثنائي بين دولتين، بل يتشكّل ضمن بنية معقّدة تضم فاعلين غير رسميين أصبحوا جزءًا أساسيًا من معادلة الصراع؛ فقد أسهمت الجماعات المسلحة، وشبكات الاقتصاد غير الرسمي، والفاعلون المحليون والعابرون للحدود في إعادة إنتاج النزاع، وتعقيد مسارات التصعيد والتهدئة، بما يتجاوز الحسابات الرسمية للدول المعنية، هذا الواقع يعكس نمطًا أوسع في النزاعات الإفريقية المعاصرة؛ إذ تُدار الصراعات عن طريق منظومات فاعلين متداخلة تتقاطع فيها الأدوار الرسمية وغير الرسمية، ولا تحتكر الدولة وحدها أدوات التحكم في مسارات العنف أو التسوية.

وتكشف نتائج الدراسة أن تأثير هؤلاء الفاعلين لا يقتصر على المجال العسكري، بل يمتد إلى الفضاءين السياسي والاقتصادي، عن طريق شبكات التمويل، والإعلام، والتهريب، والشتات، ما أتاح لهم تعظيم نفوذهم على رغم محدودية مواردهم، كما يتّضح أن العلاقة بين الفاعلين الرسميين وغير الرسميين اتسمت بدرجة عالية من البراغماتية والتقلب؛ إذ تحوّلت بعض هذه الفواعل من أدوات ضغط إلى عناصر تعطيل، لاسيما خلال حرب تيغراي.

بناءً على ذلك، تؤكد الدراسة على أن أي فهــــم أو معالجة مستقبلية للنزاع الإثيوبي– الإريتري تظل قاصرة ما لـــم تُدرج الفاعلين غير الرسميين ضمن التحليل، بوصفهم عناصر بنيوية تؤثر في استدامة الصراع أو فرص احتوائه ضمن السياق الإقليمي المتحوّل للقرن الإفريقي.

قائمة المراجع:

أولًا: مراجع باللغة العربية:

  1. بشير علي. النزاع الحدودي بين إرتيريا وإثيوبيا، مؤسسة الصومال الجديد للإعلام والبحوث والتنمية، موقع الصومال الجديد، 2018، متاح على الرابط: https://2u.pw/vrX4yM
  2. الحرب الإثيوبية الإريترية، نزاع حدودي بين البلدين اندلع يوم 06 مايو/أيار 1998، واستمر عامين، وانتهى بتوقيع اتفاق سلام في الجزائر يوم 12 ديسمبر/كانون الأول 2000، موقع الجزيرة نت، متاح على الرابط: https://2u.pw/sr2x4W
  3. ذو النون سليمان. إثيوبيا وإريتريا: جذور التوتر ومعادلات الأمن المتعارضة في القرن الإفريقي، مركز تقدم للسياسات، 2025، متاح على الرابط: https://2u.pw/bMk3oj
  • عبد القادر محمد علي. تصاعد التوتر الإثيوبي الإريتري: الدوافع والتمظهرات واحتمالات الحرب- ورقة تحليلية، مركز الجزيرة للدراسات، موقع الجزيرة نت، 2025، متاح على الرابط: https://2u.pw/oMc2jV
  • علي، عبد القادر محمد. كيف تغذي تجارة الذهب الجماعات المسلحة في تيغراي؟ موقع الجزيرة نت، 16/9/2025، متاح على الرابط: https://2u.pw/rzcXCW
  • فاروق حسين أبو ضيف. التوظيف السياسي للجماعات المسلحة في إفريقيا: بين شرعية السلاح وشرعية الدولة- كيف يُعاد تشكيل المجال السياسي الإفريقي عبر المليشيات؟ موقع قراءات إفريقية، نوفمبر 22، متاح على الرابط: https://2u.pw/Jgp3h4
  • ماجد كاظم راضي. موقف اليمن من النزاع الإثيوبي- الإرتيري وتأثيراته على القرن الإفريقي، مجلة كلية التربية الأساسية، مجلد31، العدد 129، جامعة المستنصرية، العراق- المستنصرية، 2025. 
  • نهى أبو العينين. مآلات التصعيد الإريتري – الإثيوبي في القرن الإفريقي، مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، 2025، متاح على الرابط: https://2u.pw/aHEA0B

ثانيًا: مراجع باللغة الإنجليزية:

  1. Abdulkader Saleh Mohammad & Kjetil Tronvoll. Eritrea opposition parties and civic organisations (Expert Analysis). Norwegian Peacebuilding Resource Centre (NOREF) / ETH Zurich, (January, 2015). at: https://2u.pw/46iF1a
  2. Agenzia Nova & Reproduction reserved. Ethiopia: Tigray People’s Liberation Front splits, interim administration leaders removed, N0va News, 8 October 2024, at: https://2u.pw/zKsnV.
  3. Ali Chanie. Adem, Yimam, Seid Muhie, & Semmann, Martin. Silenced Voices: Exploring Social Media Polarization and Women’s Participation in Peacebuilding in Ethiopia. London: Palgrave Macmillan, 2024
  4. Benedict Anderson R. O’G. Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism (Revised Edition). London & New York: Verso, 2006.
  5. Chatham House. Illicit gold is exacerbating Ethiopia’s conflicts- Ethiopia’s internal conflicts: regional autonomy fuels illicit trade. London: Royal Institute of International Affairs, Chatham House, 2025. At: https://2u.pw/qjDUkY
  6. City population. Africa, Ethiopia,  Administrative Division, 1/7/2022, at: https://2u.pw/BBjYk
  7. David Shinn, The Horn of Africa: Networks of Power and Informal Influence (various articles, 2018–2023).
  8. Human Rights Watch. Eritrea & Ethiopia: The Horn of Africa War- Mass Expulsions and the Nationality Issue (June 1998–April 2002), Vol. 15, No. 3 (A). New York: Human Rights Watch, January 30, 2003.
  9. International Crisis Group, Eritrea and Ethiopia: The Horn of Africa’s Unending War, 2003.
  10. Islamic Salvation Movement Eritrean Islamic Jihad MovementHarakat al Jihad al Islami, FAS, 29 October 1999,at: https://2u.pw/ERYmd
  11. Kjetil Tronvoll, War and the Politics of Identity in Ethiopia: Making Enemies and Allies in the Horn of Africa, James Currey, 2009.
  12. Olivier Walther et al. “Violent Political Organizations and Irregular Warfare in the Sahel-Sahara” 2016.
  13. Piers Robinson, Philip Seib & Romy Fröhlich (eds.), Routledge Handbook of Media, Conflict and Security. London & New York: Routledge, 2016.
  14. Redie Bereketeab, “The Ethiopia–Eritrea Conflict and the Role of the International Community” 2010.
  15. Redie Bereketeab, The Horn of Africa: Intra-State and Inter-State Conflicts and Security, London: Pluto Press, 2014.
  16. Reuters. Ethiopia: The forces fighting in Tigray in 500 words. Al Jazeera website, 2020, at: https://2u.pw/KIEBQ
  17. Ruth Iyob “The Ethiopian- Eritrean Conflict: Diasporic vs. Hegemonic States in the Horn of Africa, ” (Journal of Modern African Studies, 2000.
  18. Terrence Lyons. Diaspora Politics and Conflict in the Horn of Africa. International Migration, Vol. 45, No. 5, 2007.
  19. Wars Without Beginning or End: Violent Political Organizations and Irregular Warfare in the Sahel‑Sahara-Olivier Walther, Christian Leuprecht, David Skillicorn, 2016.

([1]) Iyob, Ruth.. The Ethiopian–Eritrean Conflict: Diasporic vs. Hegemonic States in the Horn of Africa. Journal of Modern African Studies, 38(4), 2000,  P:584–586.

([2]) Chanie, Ali. Adem, Yimam, Seid Muhie, & Semmann, Martin. Silenced Voices: Exploring Social Media Polarization and Women’s Participation in Peacebuilding in Ethiopia. London: Palgrave Macmillan, 2024, P:6-13.

([3]) Tronvoll, Kjetil. The Eritrean–Ethiopian War: Inside the Deadly Conflict. London: Hurst & Company, 2009, P:78-80.

([4]) Shinn, David H. The Horn of Africa: Networks of Power and Informal Influence. Washington DC: Georgetown University Press, 2020, P:49-50.

([5]) Tronvoll, Kjetil. Op, Cit. P:82-85.

([6]) Chanie, Ali. Op, Cit. P:28-30.

([7]) Bereketeab, Redie. The Ethiopia–Eritrea Conflict and the Role of the International Community. London: Adonis & Abbey, 2010, P:59-61.

([8]) David H. Shinn. “The Horn of Africa: Networks of Power and Informal Influence”, Africa Center for Strategic Studies, 2019, P:6–8.

([9]) Tronvoll, Kjetil. Op, Cit. P:86-88.

([10]) Human Rights Watch. Op, Cit. P:31-33.

([11]) Shinn, David. (2020). Op, Cit. P:53-55.

([12]) Walther, Olivier, Leuprecht, Christian, & Skillicorn, David. Wars Without Beginning or End: Violent Political Organizations and Irregular Warfare in the Sahel‑Sahara. London: Routledge, 2016, P:35.

([13]) Shinn, David. (2020). Op, Cit. P:56-57.

 ([14])Chanie, Ali. Op, Cit. P:25-27

  ([15])International Crisis Group, Eritrea and Ethiopia: The Horn of Africa’s Unending War, 2003, P:5.

وفقًا لتقرير هيومن رايتس ووتش حول الحرب في القرن الإفريقي، فقد أدّت الحرب التي اندلعت في مايو 1998 إلى خسائر بشرية جسيمة؛ إذ تشير تقديرات التقرير إلى أن عدد القتلى بلغ نحو 100 ألف شخص، معظمهم من الجنود، كما دمّرت الحرب الاقتصادين الإثيوبي والإريتري، وأضعفت الفئات الشبابية في سن التجنيد، وشملت تبعاتها الاجتماعية نزوح مئات الآلاف داخليًا، وأدى القتال والعمليات القسرية إلى تشريد أكثر من مليون شخص (داخل وخارج الحدود)، في واحدة من أكبر أزمات النزوح في المنطقة خلال تلك المدة، كما وثّق التقرير استخدام عمليتي ترحيل قسري أداة حرب، ومن ذلك طرد ما يقارب 75,000 شخص من ذوي الأصل الإريتري من إثيوبيا دون إجراءات قانونية عادلة خلال النزاع.

كما يوثق التقرير أن الحرب أسفرت عن سياسات إقصاء قانوني واسعة، شملت نزع الجنسية والمصادرة الجماعية للممتلكات على أساس الأصل القومي، ما أدّى إلى خلق أوضاع قانونية واجتماعية هشّة امتدت آثارها إلى ما بعد انتهاء النزاع المسلح. انظر:

Human Rights Watch. Eritrea & Ethiopia: The Horn of Africa War – Mass Expulsions and the Nationality Issue (June 1998–April 2002), Vol. 15, No. 3 (A). New York: Human Rights Watch, January 30, 2003, P:4, 31.

([16]) الحرب الإثيوبية الإريترية، نزاع حدودي بين البلدين اندلع يوم 06 مايو/أيار 1998، واستمر عامين، وانتهى بتوقيع اتفاق سلام في الجزائر يوم 12 ديسمبر/كانون الأول 2000، موقع الجزيرة نت، متاح على الرابط: https://2u.pw/sr2x4W

([17])  Iyob, Ruth. Op, Cit. P590.

([18]) علي، عبد القادر محمد. تصاعد التوتر الإثيوبي الإريتري: الدوافع والتمظهرات واحتمالات الحرب، ورقة تحليلية، مركز الجزيرة للدراسات، 2025، موقع الجزيرة نت، متاح على الرابط: https://2u.pw/oMc2jV

([19]) سليمان، ذو النون. إثيوبيا وإريتريا: جذور التوتر ومعادلات الأمن المتعارضة في القرن الإفريقي، مركز تقدم للسياسات، 2025، ص14-16. متاح على الرابط: https://2u.pw/bMk3oj

([20]) Walther, Olivier. Op, Cit. P:19-23.

([21]) Iyob, Ruth. Op, Cit. P:593-596.

([22]) انظر: موقع ويكيبيديا، الرابط: https://2u.pw/kyL4H  والرابط: https://2u.pw/hvuD4  والرابط: https://2u.pw/8QB6j . وانظر:

City population. Africa, Ethiopia,  Administrative Division, 1/7/2022, at: https://2u.pw/BBjYk

([23]) Bereketeab, Redie. Op, Cit. P:41-44. & Tronvoll, Op, Cit.P:72-85.

([24]) موقع ويكيبيديا، الرابط: https://2u.pw/M7So4

([25]) Reuters. Ethiopia: The forces fighting in Tigray in 500 words. Al Jazeera website, 2020, at: https://2u.pw/KIEBQ

([26]) Agenzia Nova & Reproduction reserved. Ethiopia: Tigray People’s Liberation Front splits, interim administration leaders removed, N0va News, 8 October 2024, at: https://2u.pw/zKsnV.

([27]) موقع ويكيبيديا، أغسطس 2023، الرابط: https://2u.pw/PjwCP

([28]) Islamic Salvation Movement Eritrean Islamic Jihad MovementHarakat al Jihad al Islami, FAS, 29 October 1999,at: https://2u.pw/ERYmd

([29]) Mohammad, A. S., & Tronvoll, K. Eritrea opposition parties and civic organisations (Expert Analysis). Norwegian Peacebuilding Resource Centre (NOREF) / ETH Zurich, (January, 2015), P:2-4. at: https://2u.pw/46iF1a

 ([30])International Crisis Group, Op, Cit. P:7-10.

([31]) Bereketeab, Redie. Op, Cit. P:63-66.

([32])  موقع ويكيبيديا، أكتوبر 2025،  الرابط: https://2u.pw/yrvoN

([33]) Redie Bereketeab, The Horn of Africa: Intra-State and Inter-State Conflicts and Security, London: Pluto Press, 2014.

([34]) Kjetil Tronvoll, War and the Politics of Identity in Ethiopia: Making Enemies and Allies in the Horn of Africa, James Currey, 2009.

([35]) Tronvoll, Kjetil. Op, Cit. P:69-71.

([36]) Walther, Olivier. Op, Cit. P:31-34.

([37]) Shinn, David. 2020. Op, Cit. P:54-56.

([38]) Chatham House. Illicit gold is exacerbating Ethiopia’s conflicts- Ethiopia’s internal conflicts: regional autonomy fuels illicit trade. London: Royal Institute of International Affairs, Chatham House, 2025. At: https://2u.pw/qjDUkY

([39]) علي، عبدالقادر محمد. كيف تغذي تجارة الذهب الجماعات المسلحة في تيغراي؟ موقع الجزيرة نت، 16/9/2025، متاح على الرابط: https://2u.pw/rzcXCW

 ([40])International Crisis Group, Op, Cit.

 ([41])Ibid.

([42]) Anderson, Benedict R. O’G. Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism (Revised Edition). London & New York: Verso, 2006, P:240.

([43]) Kaldor, Mary, New and Old Wars: Organized Violence in a Global Era, 2012,  P:87-102.

([44]) أبو ضيف، فاروق حسين. التوظيف السياسي للجماعات المسلحة في إفريقيا: بين شرعية السلاح وشرعية الدولة- كيف يُعاد تشكيل المجال السياسي الإفريقي عبر المليشيات؟، موقع قراءات إفريقية، نوفمبر 22، متاح على الرابط: https://2u.pw/Jgp3h4

([45]) علي، بشير. النزاع الحدودي بين إرتيريا وإثيوبيا، مؤسسة الصومال الجديد للإعلام والبحوث والتنمية، موقع الصومال الجديد، 2018، متاح على الرابط: https://2u.pw/vrX4yM

([46])  Iyob, Ruth. Op, Cit. P:663-675.

([47])  Lyons, Terrence. Diaspora Politics and Conflict in the Horn of Africa. International Migration, Vol. 45, No. 5, 2007, P:111-130.

([48]) Shinn, David H. The Horn of Africa: Networks of Power and Informal Influence (various articles, 2018–2023,  P:4-9.

([49])  Human Rights Watch. Op, Cit.

([50]) Walther, Olivier. Op, Cit. P:41-45.

([51]) Chanie, Ali. Op, Cit. P:11-27.

([52]) Kaldor, Mary, Op, Cit. P:94-101.

([53]) Robinson, Piers, Philip Seib & Romy Fröhlich (eds.), Routledge Handbook of Media, Conflict and Security. London & New York: Routledge, 2016, P:370.

([54]) Menkhaus, Ken. State Failure, State-Building, and Prospects for a “Functional Failed State”. Annals of the American Academy of Political and Social Science, 2014, P:155-168.

([55]) Hagmann, Tobias & Péclard, Didier. Negotiating Statehood: Dynamics of Power and Domination in Africa. Development and Change, Vol. 41, No. 4, 2010, P:546–553.

([56]) Tronvoll, Kjetil. Op, Cit. P:181–221.

 ([57])International Crisis Group, Op, Cit. P:7-15.

([58]) Bereketeab, Redie. Op, Cit. P:44-49.

([59]) de Waal, Alex. The Real Politics of the Horn of Africa. Polity Press, 2015, P:93-118.

([60]) Tronvoll, Kjetil. Op, Cit. P:125–210.

([61]) أبو ضيف، فاروق، مرجع سابق.

 ([62])International Crisis Group, Op, Cit. P:19-15.

([63]) Bereketeab, Redie. Op, Cit. P:44-52.

([64]) de Waal, Alex. Op, Cit. P:110-118.

([65]) أبو العينين، نهى. مآلات التصعيد الإريتري – الإثيوبي في القرن الإفريقي، مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، 2025، ص7. متاح على الرابط: https://2u.pw/aHEA0B

([66]) Hagmann, Tobias. Op, Cit, P:549–553.

([67]) راضي، ماجد كاظم. موقف اليمن من النزاع الإثيوبي- الإرتيري وتأثيراته على القرن الإفريقي، مجلة كلية التربية الأساسية، مجلد31، العدد 129، جامعة المستنصرية، العراق- المستنصرية، 2025.

([68]) سليمان، ذو النون. مرجع سابق، ص14-16.

([69]) Kaldor, Mary, Op, Cit. P:98-102.

([70]) أبو العينين، نهى. مرجع سابق، ص9-11.