عبد الحافظ معجب
كاتب وباحث سياسي
ملخص
تتناول هذه الدراسة تحليل بنية الخطاب الإعلامي لقناة الحدث خلال تغطيتها لمعركة طوفان الأقصى منذ 7 أكتوبر 2023، وما تلاها من عدوان إسرائيلي وحصار شامل على قطاع غزة حتى أكتوبر 2025، وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن هذه المرحلة شهدت تصاعدًا ملحوظًا في توظيف لغة إعلامية متماهية مع السردية الصهيونية داخل بعض وسائل الإعلام العربية؛ إذ برز خطاب يبرر المجازر المرتكبة بحق المدنيين، ويُخفي الفاعل الحقيقي في سياسات الحصار والتجويع.
تعتمد الدراسة منهج تحليل المضمون الكمي والكيفي، وتستند إلى عيّنة قوامها 40 مادة إعلامية متنوعة شملت النشرات الإخبارية والتقارير الميدانية والمقابلات والبث المباشر والأخبار العاجلة، وقد جرى تحليل أنماط التسمية ونبرة الخطاب ومصادر المعلومات والأطر التفسيرية وآليات الانتقاء البصري.
وتكشف النتائج عن نمط ثابت من الانحياز البنيوي في خطاب القناة، يقوم على تبنّي الرواية الإسرائيلية في توصيف الحدث وتغييب السياق التاريخي والقانوني للاحتلال ونزع الشرعية عن المقاومة الفلسطينية، بما يجعل التغطية جزءًا من خطاب إعلامي أوسع يعيد تشكيل الوعي العربي تجاه الصراع الفلسطيني–الصهيوني.
مشكلة الدراسة:
شكّل العدوان الإسرائيلي الواسع على قطاع غزة عقب معركة طوفان الأقصى نقطة تحوّل مفصلية في الخطاب الإعلامي العربي؛ إذ برزت خلال هذه المرحلة أنماط لغوية وسردية جديدة داخل عدد من المنصات الإعلامية العربية اتسمت بالتماهي الواضح مع الرواية الصهيونية، وتجاوزت حدود الانحياز التقليدي إلى مستوى تبنّي الإطار التفسيري الإسرائيلي للأحداث، وقد تجلّى هذا التحول في تبرير المجازر المرتكبة بحق المدنيين وإخفاء الفاعل الحقيقي في سياسات الحصار والتجويع، وإعادة توصيف المقاومة الفلسطينية خارج سياقها القانوني الذي يصنفها فعلًا تحرريًا مشروعًا.
وعليه، تتمحور مشكلة الدراسة حول رصد وتحليل طبيعة الخطاب الإعلامي المنحاز في قناة الحدث والكشف عن آليات اشتغاله اللغوية والبصرية والسردية ومدى اقترابه من الخطاب الصهيوني في تعاطيه مع المقاومة الفلسطينية والقضية الفلسطينية عمومًا.
انطلقت الدراسة من مجموعة من التساؤلات الرئيسة، أبرزها:
- ● كيف قدّمت قناة الحدث الهوية والشرعية السياسية والعسكرية لفصائل المقاومة الفلسطينية ولا سيما حركتي حماس والجهاد الإسلامي في خطابها الإعلامي؟
- ● ما الإطار التفسيري الذي اعتمدته القناة في تغطية أحداث عملية طوفان الأقصى وتداعياتها الإنسانية والعسكرية على قطاع غزة؟
- ● ما الأدوات اللغوية والمصطلحية والبصرية التي وظّفتها قناة الحدث في بناء صورة ذهنية محددة حول المقاومة الفلسطينية والمقاومين؟
- ● كيف تعاملت القناة مع الأحداث الرمزية الكبرى وعلى رأسها استشهاد القائد يحيى السنوار؟ وما الإطار الدلالي الذي قدّمته لهذه الأحداث؟
- ● ما مصادر المعلومات والتحليل التي اعتمدت عليها قناة الحدث بصورة أساسية؟ وما مدى توازنها في تمثيل أطراف الصراع الفلسطيني–الصهيوني؟
أهمية الدراسة:
تنبع أهمية هذه الدراسة من سعيها إلى توثيق لحظة إعلامية عربية مفصلية رافقت واحدة من أكثر الحروب دموية وتأثيرًا في تاريخ الصراع الفلسطيني–الصهيوني، وكشف أدوات الدعاية المضادة للمقاومة داخل إعلام عربي موجّه يخاطب الجمهور العربي بلغته ومن داخله، وإبراز تأثير مسارات التطبيع السياسي الإقليمي في بنية الخطاب الإعلامي العربي ومضامينه، والإسهام في رفد الأدبيات البحثية المتعلقة بالإعلام والصراع العربي–الصهيوني، ولا سيما في ما يتصل بدور الإعلام في إعادة تشكيل الوعي والمواقف السياسية.
أهداف الدراسة:
- 1. تحليل بنية الخطاب الإعلامي لقناة الحدث خلال تغطيتها لمعركة طوفان الأقصى والعدوان على غزة.
- 2. الكشف عن أنماط الانحياز اللغوي والسردي والبصري في توصيف المقاومة الفلسطينية.
- 3. رصد مدى اقتراب خطاب القناة من الرواية الصهيونية في تفسير الأحداث وتحميل المسؤوليات.
- 4. الإسهام في بناء معرفة نقدية حول دور الإعلام العربي في إعادة تشكيل الوعي تجاه القضية الفلسطينية.
منهجية الدراسة:
تعتمد الدراسة مقاربة تحليلية نقدية تقوم على تحليل مضمون التغطية الإعلامية لقناة الحدث عن طريق فحص البنى اللغوية والسردية والبصرية التي شكّلت خطابها الإخباري، وتستند الدراسة إلى الجمع بين الوصف التحليلي والتفكيك الخطابي، بما يسمح ويؤدي إلى فهم السياق الذي أُنتج فيه الخطاب، وتحليل الأطر المرجعية التي استند إليها، والكشف عن المعاني الضمنية التي ينطوي عليها.
كما تستعين الدراسة بتحليل مستويات التسمية ومصادر المعلومات ونبرة الخطاب والإطار التفسيري وآليات الانتقاء البصري؛ لتقديم قراءة شاملة لطبيعة التغطية الإعلامية، وربطها بالأجندة السياسية والتحولات التي طرأت على الخطاب الإعلامي العربي خلال هذه المرحلة.
تقسيم الدراسة:
إضافة إلى المقدمة والخاتمة تتوزع الدراسة على أربعة مباحث:
- 1. الإطار النظري والمفاهيمي.
- 2. السياق التاريخي والسياسي للإعلام الخليجي تجاه القضية الفلسطينية.
- 3. تحليل مضمون قناة الحدث.
- 4. مقاربة خطاب قناة الحدث مع الخطاب الصهيوني.
المبحث الأول:
الإطار النظري والمفاهيمي
أولًا: الإعلام وخطاب الهيمنة في سياق الصراع
تبرز المقاربات النقدية للخطاب الإعلامي أن وسائل الإعلام لم تعد ناقلًا محايدًا للوقائع، بل تمارس أدوارًا مختلفة في إنتاج المعنى وتكريس أنماط الهيمنة الرمزية داخل المجال العام، بحسب السياسة التحريرية التي يضعها الممول، ويشكّل الإعلام ساحة مركزية لإعادة تعريف الفاعلين، وتحديد مواقع الضحية والجاني، وإعادة صياغة مفاهيم الشرعية والعنف والمقاومة، بما يتجاوز البعد الإخباري إلى بعد أيديولوجي وثقافي عميق[1].
ينطلق مفهوم خطاب الهيمنة من فرضية أن السيطرة لا تُمارس بالقوة العسكرية وحدها، بل عن طريق إنتاج خطاب يعيد تنظيم الأحداث وتأطيرها ضمن بنى لغوية ودلالية تخضع لموازين القوة السياسية والتحالفات الإقليمية.
وفي المشهد الفلسطيني أسهم الخطاب الإعلامي المهيمن عربيًا ودوليًا، في إعادة إنتاج سردية تُساوي بين المحتل والواقع تحت الاحتلال، أو تنقل مركز الثقل من بنية الاحتلال إلى ردود الفعل الفلسطينية عليه، وضمن هذا الإطار يجري تفريغ مفهوم المقاومة من مضمونه، وإعادة توصيفه ضمن سياق أمني أو أخلاقي يُجرّده من شرعيته القانونية والسياسية، ولا يحدث ذلك دائمًا بخطاب مباشر بل غالبًا عن طريق آليات لغوية ناعمة وانتقاء بصري موجّه، واختيار مصادر معلومات أحادية الاتجاه[2].
إن فهم خطاب الهيمنة الإعلامية يتيح قراءة أعمق للتغطية الخبرية في الأحداث الكبرى، مثل عملية طوفان الأقصى والعدوان على غزة؛ إذ لم تكن المعركة عسكرية فقط، بل إعلامية ونفسية، ومن هنا جاءت أهمية دراسة المضمون الإعلامي؛ لكشف البنية غير المرئية للانحياز وتفكيك الدور الذي يؤديه الإعلام في إعادة إنتاج علاقات القوة داخل الصراع[3].
ثانيًا: التحيّز الإعلامي: المفهوم وآليات الاشتغال
يُنظر إلى التحيّز الإعلامي بوصفه أحد المفاهيم المركزية في دراسات الإعلام والصراع؛ إذ يشير إلى الانحراف المنهجي في معالجة الأحداث والوقائع بما يخدم رؤية سياسية أو أيديولوجية محددة، سواء جرى ذلك بصورة مباشرة أم عن طريق آليات غير ظاهرة، ولا يقتصر التحيّز على تبنّي موقف عدائي صريح، بل يتجلّى غالبًا في اختيار المفردات وترتيب الأولويات وانتقاء المصادر وتحديد الأطر التفسيرية، التي تُقدَّم بواسطتها الأخبار للجمهور[4].
تنطلق نظرية التحيّز الإعلامي من افتراض أن وسائل الإعلام تعمل ضمن بيئات سياسية واقتصادية وثقافية تؤثر في بنيتها التحريرية وخياراتها المهنية؛ ليصبح الخبر نتاجًا لعملية انتقاء وبناء، ويتجلّى ذلك بوضوح في تغطية النزاعات غير المتكافئة؛ إذ تميل بعض الوسائل إلى اعتماد خطاب ينسجم مع موازين القوة السائدة، ويعيد إنتاجها عن طريق اللغة والصورة والتفسير[5].
في معركة طوفان الأقصى، أخذ التحيّز الإعلامي طابعًا مركّبًا، ولم يقتصر على الانحياز لطرف على حساب آخر، بل عمل على إعادة تعريف طبيعة الصراع وإعادة تأطيره ضمن سرديات أمنية أو إنسانية مجتزأة، تجاهلت وغيبت الفاعل الحقيقي، وألقت اللوم على الضحية الواقع تحت الاحتلال.
وتعمل آليات التحيّز الإعلامي كذلك عن طريق انتقاء المصادر؛ إذ يُمنح الطرف المهيمن مساحة أوسع لتقديم روايته المضللة وكأنها حقيقة موضوعية، مقابل تهميش أو تشكيك مسبق في الرواية المقابلة، كما يتعزز هذا التحيّز عن طريق التكرار المستمر لمقولات بعينها، ما يؤدي إلى تطبيعها في الوعي الجمعي وتحويلها إلى مسلّمات يصعب مساءلتها.
إنّ تفكيك مفهوم التحيّز الإعلامي وآليات اشتغاله يشكّل المدخل الأنجع لتحليل الخطاب الإعلامي السعودي، ويكشف كيف يُعاد إنتاج الانحياز ضد المقاومة الفلسطينية داخل مؤسسات إعلامية تتستّر خلف خطاب المهنية والحياد[6].
ثالثًا: الإعلام أداة لتشكيل الرأي العام وصناعة الاتجاهات
أصبح دور الإعلام في المجتمعات الحديثة أحد أبرز الفاعلين في عملية تشكيل الرأي العام وصناعة الاتجاهات السياسية والثقافية؛ إذ تسهم وسائل الإعلام- عن طريق ما تختاره من موضوعات وكيفية عرضها والزوايا التي تُبرزها أو تُهمّشها- في بناء تصوّرات الجمهور تجاه القضايا العامة وفي توجيه اهتمامه نحو قضايا بعينها دون غيرها[7].
وتؤكد نظريات الاتصال -لا سيما نظريتا ترتيب الأولويات وصناعة الأطر- أن الإعلام يمتلك قدرة عالية على تحديد ما يفكّر فيه الجمهور، وكذلك الكيفية التي يفكّر بها حيال القضايا المطروحة، وفي سياقات الصراع يتحوّل الإعلام إلى أداة فاعلة في إعادة إنتاج علاقات القوة.
وقد أدى الإعلام دورًا مركزيًا في إعادة تشكيل صورة الصراع داخل الوعي العربي والدولي، وتتضاعف خطورة هذا الدور عندما تتبنى وسائل الإعلام إعادة إنتاج السرديات المعادية، سواء عن طريق استضافة مصادر منحازة، أو عن طريق تبنّي مفردات ومصطلحات تطبع رؤية معينة للأحداث، بما يتجاوز توجيه الرأي العام إلى المشاركة في إعادة صياغة البنية الإدراكية التي ينظر بواسطتها الجمهور إلى المقاومة والاحتلال[8].
وعليه، فإن دراسة الإعلام ضمن دوره في تشكيل الرأي العام تكتسب أهمية خاصة في تحليل تغطية معركة طوفان الأقصى؛ إذ تكشف كيف يمكن لخطاب إعلامي موجّه أن يعيد ترتيب الوعي الجمعي، وأن يسهم في تطبيع مواقف تتناقض مع الحقائق التاريخية والقانونية للصراع.
وتكتسب هذه المقاربات النظرية أهمية خاصة عند مقاربتها بواقع الإعلام العربي المعاصر، ولا سيما بعض المنصات الخليجية التي اضطلعت بدور فاعل في إعادة إنتاج الخطاب وفق أطر جديدة، وتُعدّ قناة الحدث أنموذجًا دالًا على كيفية توظيف آليات التحيّز الإعلامي وخطاب الهيمنة في تغطيتها للحدث الفلسطيني[9].
رابعًا: الصهيونية العربية: الجذور النظرية وتجلياتها الإعلامية
يُستخدم مفهوم «الصهيونية العربية» في هذا البحث ضمن مقاربة تحليلية نقدية؛ تهدف إلى تفكيك نمط معيّن من الخطاب السياسي والإعلامي العربي، الذي يتماهى في مضمونه ووظيفته، مع السردية الصهيونية في مقاربة الصراع الفلسطيني–الصهيوني سواء على مستوى توصيف الأحداث أو تأطير الوقائع أو إعادة تعريف أطراف الصراع، ويقوم هذا المفهوم على قراءة الدور الذي يؤديه الخطاب لا على خلفيات من ينتجه أو يروّج له[10].
يجد هذا التصور جذوره النظرية في أعمال المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري، ولا سيما في تحليله لفكرة «اليهودي الوظيفي»؛ إذ تُفهم الظواهر عن طريق موقعها داخل بنية الهيمنة، ووظيفتها في خدمة مشروع القوة المهيمنة أو إعادة إنتاجه، وليس عن طريق انتمائها الظاهر، وبالقياس على ذلك، يمكن فهم الصهيونية العربية خطابًا يؤدي وظيفة سياسية محددة في لحظة تاريخية معينة، بصرف النظر عن هويته ولغته أو ادعاءاته الايديولوجية[11].
وتتجلى الصهيونية العربية إعلاميًا عبر آليات غير مباشرة، لا تعتمد المسار الدعائي الصريح، بل تعمل على تفكيك المعنى من الداخل وإعادة توجيهه، وقد برز هذا الخطاب بوضوح في سياق التحولات الإقليمية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة؛ إذ اضطلع الإعلام بدور محوري في إعادة تكييف الوعي الجمعي العربي مع هذه التحولات، عن طريق إنتاج سردية جديدة تحول الصراع مع العدو الاسرائيلي إلى ملف إشكالي ينبغي احتواؤه أو تحييده، وبدل مساءلة الاحتلال بوصفه أصل العنف وعدم الاستقرار، جرى توجيه النقاش نحو الجدوى من المقاومة وكلفة ما تقوم به والآثار المترتبة على الفعل المقاوم، بما أسهم في نقل مركز الثقل من فعل الاحتلال إلى ردّ الفعل الفلسطيني[12].
وقد أتاح هذا التحول للإعلام تأدية دور صهيوني عربي ينسجم مع مقاربات سياسية تسعى إلى تطبيع العلاقة مع العدو، أو على الأقل تحييد الصراع معها داخل الوعي العربي.
وسيُختبر هذا الإطار المفاهيمي تطبيقيًا في تحليل مضمون القناة في المباحث اللاحقة من الدراسة.
المبحث الثاني:
السياق التاريخي والسياسي للإعلام الخليجي تجاه القضية الفلسطينية
أولًا: التحولات في السياسة السعودية: من مركزية فلسطين إلى إعادة توجيه العداء
شهدت السياسة السعودية تجاه القضية الفلسطينية تحوّلات متدرجة منذ مطلع الألفية الجديدة، وتبلورت بصورة أوضح خلال العقد الأخير، مع انتقالها من خطاب عربي يؤكد مركزية فلسطين، إلى مقاربة سياسية وأمنية أعادت ترتيب الأولويات الإقليمية، ارتبط هذا التحول بجملة من المتغيرات، في مقدمتها تصاعد الدور الأمريكي في توجيه سياسات المنطقة، وتنامي الضغوط الرامية إلى إدماج الكيان الصهيوني في الإقليم بوصفه شريكًا أمنيًا وليس عدوًا وجوديًا[13].
ومثلت مبادرة السلام العربية لعام 2002 بداية الانزياح عن منطق الصراع المفتوح نحو شعارات التسوية السياسية، فعلى الرغم من تقديم المبادرة تحت عنوان «الموقف العربي الموحد» إلا أنها أسست لإطار يقوم على الاعتراف الجماعي بالكيان الصهيوني مقابل وعود سياسية مؤجلة، متجاهلة جوهر الصراع القائم على الاحتلال والاقتلاع، ولا سيما حق العودة وتحرير الأرض، وجرى التعامل مع القضية الفلسطينية بوصفه ملفًا تفاوضيًا قابلًا للإدارة[14].
في المراحل اللاحقة، انعكس هذا التحوّل على الموقف السياسي الرسمي؛ إذ تراجعت مركزية القضية الفلسطينية، وبرزت مقاربات جديدة أعادت تعريف مصادر التهديد في المنطقة، ولم يعد الاحتلال الصهيوني يحتل موقع العدوّ الرئيس في الخطاب العام، بالتزامن مع بدء الحديث عمّا سُمّي بـ«صفقة القرن» عام 2019، وفي هذا السياق، جرى توجيه النقد والعداء السعودي نحو المقاومة الفلسطينية بصورة علنية؛ إذ أقدمت الأجهزة الأمنية السعودية على اعتقال الطبيب الفلسطيني «محمد صالح الخضري»، البالغ من العمر 81 عامًا، إلى جانب فلسطينيين آخرين مقيمين في المملكة، بتهمة الانتماء إلى حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، وذلك بعد ما يقارب عقدين من تمثيل «الخضري» للحركة أمام السلطات السعودية[15].
كما لجأ وزير الخارجية السعودي الأسبق عادل الجبير، في سياقات سياسية وإعلامية متعددة، إلى توصيف حركة المقاومة الإسلامية «حماس» باستخدام مصطلحات من قبيل «التطرف» و«الإرهاب»، وهو توصيف يعكس تبنّيًا لإطار تصنيفي يتقاطع بوضوح مع التوجه الغربي–الإسرائيلي في مقاربة المقاومة الفلسطينية[16].
وقد واكب الإعلام الخليجي -ولا سيما السعودي- هذه التحوّلات عن طريق خطاب اتسم بانحياز واضح، عمل على تشويه صورة المقاومة، في مقابل الترويج لخطاب «السلام» و«الاعتدال»، وعليه فإن هذا الانحياز الإعلامي يتكامل مع المسار السياسي العام، ويعبّر عن تحوّل في الرؤية والقرار[17].
ثانيًا: إعادة تشكيل الصراع الإقليمي: من صراع عربي–صهيوني إلى صراع محاور
منذ منتصف العقد الماضي، شهدت المنطقة العربية تحولًا عميقًا في طبيعة الصراع الإقليمي؛ إذ بدأت الخطابات الرسمية والخليجية تتجه نحو رسم عدو جديد يُقدم بديلًا للعدو الوجودي للعرب والمسلمين «الكيان الصهيوني»، وقد جاء هذا التحوّل في سياق صعود محور المقاومة، الذي أثبت فاعليته في مواجهة الهيمنة الغربية–الصهيونية، عن طريق صمود الجمهورية الإسلامية في إيران في وجه الحرب الهجينة والخنق الاقتصادي، وتعزيز حضور قوى المقاومة في العراق واليمن ولبنان، وإفشال محاولات إسقاط الدولة السورية، وهو ما أعاد صياغة موازين القوى في الإقليم لصالح قوى التحرّر والممانعة[18].
في هذا السياق، أُعيد تعريف العدو في الخطاب السياسي والإعلامي الخليجي، الذي بات يعتمد أطرًا تفسيرية تُحمّل قوى المقاومة مسؤولية التصعيد وعدم الاستقرار، مقابل تغييب الدور البنيوي للاحتلال في إنتاج العنف، وتلميع خيار التطبيع والانخراط في المشاريع الأمريكية–الإسرائيلية على أنه الخيار «العقلاني» لضمان الأمن الإقليمي[19].
بهذا التحول، أصبح الإعلام الخليجي أداة محورية لإعادة توزيع الشرعية، وتقديم حركات المقاومة بصورة تعدها مصدرًا للتوتر، بينما يُلقى الضوء على الروايات الإسرائيلية، ومنحها مركزية في التحليل والتفسير، ومع توقيع اتفاقيات التطبيع الخليجية، أصبح حضور المتحدثين الإسرائيليين في الإعلام السعودي أمرًا مألوفًا، ومن هنا، يمكن فهم التوجه الذي تحرّكت ضمنه قناة الحدث في تغطيتها، وتفسير طبيعة الأطر التي اعتمدتها في معالجة الحدث الفلسطيني وتداعياته[20].
ثالثًا: الإعلام الخليجي الموجّه: طوفان الأقصى بوصفه حدثًا كاشفًا
يشكّل الإعلام الخليجي الموجّه أحد أهم الأدوات الرئيسة في التعبير عن التحولات السياسية والاستراتيجية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة؛ إذ انتقل هذا الإعلام من موقع الناقل للمواقف الرسمية، إلى موقع الفاعل المؤثر في إعادة إنتاجها وتبريرها وصياغتها ضمن خطاب يرفع شعارات المهنية والحياد، ومنذ بدء معركة طوفان الأقصى اتضحت طبيعة الأطر التي يعمل ضمنها الإعلام الخليجي، وحدود التزامه بالقضايا القومية والمصيرية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية[21].
أبرزت التغطية الإعلامية الخليجية للمعركة والعدوان على غزة ميلًا واضحًا نحو اعتماد المقاربات الأمنية والسياسية المتماهية مع الرؤية الإسرائيلية، عن طريق التركيز على تداعيات الحدث، واحتمالات التصعيد وتوسع الصراع إلى حرب إقليمية، ومخاوف «عدم الاستقرار»، مقابل تهميش السياق البنيوي للاحتلال والحصار الممتد على قطاع غزة، وقد أسهمت هذه التغطية في نقل مركز الاهتمام من جوهر الصراع إلى نتائجه، ومن مسؤولية الاحتلال إلى أفعال المقاومة، بما يخدم إعادة إنتاج خطاب يجرّد الفلسطينيين من حقوقهم في الدفاع عن أنفسهم وأرضهم[22].
وتجلّى توجيه التغطية الإعلامية كذلك في طبيعة الضيوف والمحللين الذين جرى استضافتهم؛ إذ غلبت الأصوات المتماهية مع الرؤية الرسمية أو المنحازة للرواية الإسرائيلية، مقابل تغييب شبه كامل للأصوات الفلسطينية أو الداعمة للمقاومة، إضافة إلى الاعتماد المتزايد على مصادر إسرائيلية في نقل المعلومات والتحليلات، ما منح الرواية الصهيونية موقعًا مركزيًا في تفسير الحدث، وكرّسها مرجعية معرفية للجمهور العربي[23].
وقد شكّلت قناة الحدث نموذجًا للإعلام الموجّه؛ إذ عكست تغطيتها التقاءً واضحًا بين الخطاب الإعلامي والسياسات الإقليمية الجديدة، سواء من حيث اللغة المستخدمة، أم الأطر التفسيرية المعتمدة، أو الانتقاء البصري؛ لتصبح جزءًا من المنظومة الخطابية المتبنية لإعادة تعريف الصراع الفلسطيني–الصهيوني بما ينسجم مع تحولات المشهد الإقليمي.
المبحث الثالث:
تحليل مضمون قناة الحدث
في ضوء الإطار النظري والسياق السياسي الذي جرى تفصيله في المبحثين السابقين، ينتقل هذا المبحث إلى تحليل مضمون التغطية الإعلامية لقناة الحدث خلال معركة طوفان الأقصى والعدوان على قطاع غزة، وذلك عن طريق تفكيك أنماط التسمية، ونبرة الخطاب، ومصادر المعلومات، والأطر التفسيرية، وآليات الانتقاء البصري.
أولًا: موقف قناة الحدث من المقاومة الفلسطينية
تظهر تغطية قناة الحدث للمقاومة الفلسطينية مسارًا واحدًا من المعالجة الإعلامية يقوم على تقليص شرعيتها وتجريدها من صفة الفعل التحرري، وإعادة توصيفها ضمن أطر لغوية وسياسية تُخرجها من سياقها الوطني والقانوني، عن طريق آليات ناعمة تعمل على إعادة تعريفها في وعي الجمهور.
أحد أبرز ملامح هذا التوجه يتمثّل في تغييب صفة الاحتلال خلال وصف الأحداث؛ إذ نادرًا ما تُقدَّم المقاومة في ارتباطها البنيوي بواقع الاحتلال والحصار والاستيطان، واتجهت القناة إلى التعامل مع فعل المقاومة بعيدًا عن الأسباب التاريخية والسياسية، ما يؤدي إلى تحميلها مسؤولية التداعيات الإنسانية التي يتعرّض لها المدنيون في قطاع غزة، وتؤدي هذه المعالجة إلى قلب العلاقة بين الفاعل والنتيجة، بحيث تُقدَّم المقاومة سببًا للعنف، وليس ردًا عليه[24].
كما تعتمد القناة على توصيفات لغوية محددة، تُستخدم بصورة متكررة في الإشارة إلى المقاومة، مثل «مقاتلي حماس» أو «عناصر مسلحة»، دون الإشارة إلى صفتها المقاومة أو إلى أطرها التنظيمية والعسكرية المعترف بها، ويعمل هذا الاستخدام الانتقائي للمصطلحات على نزع شرعية المقاومة، وحصرها في إطار أمني ضيق، يتقاطع مع السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى تجريد المقاومة من أي بعد قانوني أو أخلاقي.
ويتكامل هذا التوصيف اللغوي مع انتقاء بصري موجَّه؛ إذ تغيب إلى حد كبير المواد المصوّرة التي تنتجها فصائل المقاومة، مقابل حضور كثيف للمشاهد الصادرة عن الجيش الإسرائيلي، سواء فيما يتعلّق بالعمليات العسكرية أو بعرض ما يقدّمه الاحتلال وتسويقه على هيئة إنجازات ميدانية، ويُسهم هذا الاختلال في مصادر الصورة في تكريس فكرة التفوق الإسرائيلي، على حساب صورة المقاومة وقدرتها على الفعل.
هذا النمط من التغطية يشكّل مدخلًا أساسيًا لفهم طبيعة معالجة القناة لبقية محاور الدراسة، ولا سيما مضمون تغطيتها لطوفان الأقصى، وصورة حركتَي حماس والجهاد الإسلامي، والأحداث الرمزية الكبرى المرتبطة بالمقاومة.
ثانيًا: تغطية معركة طوفان الأقصى (7 أكتوبر 2023 – 10 أكتوبر 2025)
تعكس تغطية قناة الحدث خطًا تحريريًا يقوم على تبنّي إطار تفسيري يلتقي بدرجة كبيرة مع السردية الإسرائيلية للأحداث، فمنذ الساعات الأولى ليوم السابع من أكتوبر، ركّزت القناة في خطابها الإعلامي على وصف ما جرى بمسميات «الهجوم المفاجئ» أو «التصعيد الخطير»، مع تجاهل الخلفيات التي جرى التأكيد عليها في المضمون الذي أُذيع في بدايات المعركة بصوت القائد «محمد الضيف»، الذي قدّم تفسيرًا لأسباب الانفجار الميداني نتيجة طبيعية وتراكمية لسياسات الاحتلال[25].
وقد غاب عن التغطية أي عرض منهجي لما تعرّض له الشعب الفلسطيني من جرائم متواصلة، شملت القتل الممنهج للأطفال والنساء وكبار السن، والتدمير الواسع للمنازل فوق ساكنيها، في ظل صمت دولي مطبق، كما جرى تهميش الاعتداءات المتكررة على القدس والمسجد الأقصى، بما في ذلك اقتحامات قوات الاحتلال لباحاته، وتدنيس حرمة المكان، والاعتداء على المرابطين والمرابطات، ومنع الفلسطينيين من الوصول إليه، مقابل إتاحة المجال للجماعات اليهودية لتنفيذ اقتحامات يومية وأداء طقوس تلمودية علنية داخله[26].
كذلك تجاهلت التغطية الدلالات الخطيرة لتصاعد الخطاب الصهيوني الداعي إلى تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، وما رافقه من ممارسات رمزية وميدانية تعبّر عن نوايا تهويد المكان واستهدافه المباشر، واعتمدت القناة بشكل لافت على الروايات الإسرائيلية في توصيف مجريات المعركة، ولا سيما في ما يتعلّق بالمزاعم حول «الفظائع» أو «الانتهاكات» المنسوبة للمقاومة، دون إخضاع هذه الروايات للتدقيق المهني أو عرض روايات مقابلة، وفي المقابل غاب في كثير من الأحيان نقل الرواية الفلسطينية، سواء الصادرة عن فصائل المقاومة أم عن مصادر حقوقية مستقلة.
ويُلاحظ كذلك أن القناة ركّزت على الأبعاد العسكرية والأمنية للمعركة من زاوية إسرائيلية، مثل تقييم القدرات العسكرية للمقاومة، أو الحديث عن «استعادة الردع» و«تحقيق الإنجازات»، مقابل تهميش متعمّد للأبعاد الإنسانية الناتجة عن العدوان، أو تقديمها في إطار وصفي مجتزأ يخلو من تحديد المسؤولية المباشرة للاحتلال.
وخلال المراحل اللاحقة من العدوان، واصلت قناة الحدث اعتماد أطر تفسيرية تُبرز «استنزاف المقاومة» و«تآكل قدراتها»، في مقابل إبراز صورة جيش العدو في موقع من يمتلك زمام المبادرة والسيطرة، وقد ترافق ذلك مع استخدام لغة توحي بالتفوّق والحسم، بما يسهم في تثبيت صورة ذهنية منحازة تفرغ طوفان الأقصى من أسبابه وأهدافه الحقيقية.
ثالثًا: صورة حركتَي حماس والجهاد الإسلامي في خطاب القناة
لم تُخفِ قناة الحدث في تغطيتها لأخبار حركتَي حماس والجهاد الإسلامي توجهها السياسي القائم على نزع الشرعية عنهما، عن طريق حصرهما في توصيفات تُخرجهما من سياقهما الوطني بوصفهما فاعلين مقاومين في مواجهة الاحتلال، بشكل متكرر وبصورة منهجية في مختلف التغطيات، بما في ذلك النشرات الإخبارية، والتقارير الميدانية، والمقابلات، والتحليلات السياسية.
يتجلّى هذا التوجّه بوضوح في الاستخدام المتكرر لمصطلحات من قبيل «مقاتلي حماس» أو «عناصر الجهاد»، دون الإشارة إلى الصفة المقاومة أو الإطار التحرري الذي تنتمي إليه هذه الفصائل، ويؤدي هذا الاستخدام الانتقائي للمصطلحات إلى اختزال الحركتين في بعد عسكري معزول، وتجريدهما من أي امتداد سياسي أو تمثيلي داخل المجتمع الفلسطيني، بما ينسجم مع المقاربة الإسرائيلية التي تسعى إلى تصوير المقاومة قوى عنف منفلتة لا تملك مشروعية وطنية.
واعتمدت القناة كل الروايات الإسرائيلية التي تتحدث عن «تفكك البنية القيادية» أو «تآكل القدرات القتالية» للمقاومة، مقابل التجاهل التام لكل ما قدمته وأنتجته «كتائب القسام» و«سرايا القدس» من مواد إعلامية مصورة للعمليات التي كبدت جيش الاحتلال خسائر فادحة، كما أسهمت القناة في الترويج للسرديات الغربية والصهيونية التي تتهم فصائل المقاومة باستخدام المدنيين «دروعًا بشرية»، وهي واحدة من أكثر المزاعم الإسرائيلية حضورًا في التناول الإعلامي، وغالبًا ما تُعرض هذه الادعاءات دون مساءلة أو تفكيك، وتُقدم كأنها حقائق ثابتة، بما يضفي عليها شرعية إعلامية، ويُسهم في شيطنة المقاومة أخلاقيًا أمام الرأي العام العربي.
إلى جانب ذلك، يُلاحظ أن القناة تتعامل مع حركتَي حماس والجهاد الإسلامي على أنهما جزءًا من شبكة إقليمية تُربط غالبًا بإيران في محاولة لإضعاف التعاطف الشعبي معها وإعادة توجيه النقاش نحو اعتبارات إقليمية، بما يتوافق مع السردية الصهيونية.
رابعًا: تغطية استشهاد القائد يحيى السنوار في خطاب قناة الحدث
مثَّل استشهاد القائد يحيى السنوار محطة مركزية في سياق معركة طوفان الأقصى؛ لما يحمله من أبعاد سياسية ومعنوية تتجاوز شخصه إلى موقعه ورمزيته في صفوف المقاومة الفلسطينية، غير أن تغطية قناة الحدث عكست مقاربة إعلامية سعت إلى تفريغه من رمزيته الجهادية، وإعادة تأطيره بما يتماهى مع الرواية الإسرائيلية التي قدمت الاغتيال في إطار ما تعده تفوقًا استخباراتيًا وإنجازًا أمنيًا[27].
يتجلّى هذا التوجّه في اللغة المستخدمة لتوصيف الحدث؛ إذ جرى التركيز على تفاصيل العملية من زاوية إسرائيلية، تبرز دور الأجهزة الأمنية والعسكرية للاحتلال، دون الإشارة إلى أن السنوار كان قائدًا ميدانيًا يعمل على الأرض ويتحرك في جبهات ومحاور الاشتباك، في سياق حرب مفتوحة وغير متكافئة مع العدو.
كما غاب في تغطية القناة أي تناول جدي للأثر الرمزي والمعنوي لاستشهاد السنوار داخل المجتمع الفلسطيني، سواء على مستوى التعبئة الشعبية أم على مستوى إعادة إنتاج رمزية الشهادة في الوعي الجمعي، ونيابة عن ذلك، طغت تحليلات تقلل من أهمية الحدث بالنسبة للمقاومة، وترى أنه مؤشر على «انهيار القيادة» أو «تآكل القدرة التنظيمية»، في محاولة لإظهار المقاومة بحالة من التفكك والعجز.
وتتكامل هذه المحاولة مع انتقاء بصري موجَّه، اعتمد بشكل أساسي على المواد المصوّرة والمعلومات الصادرة عن جيش الاحتلال أو الإعلام العبري، في ظل غياب شبه كامل للرواية الفلسطينية أو للمواد التي تعبّر عن مكانة السنوار في الوعي الشعبي الفلسطيني والعربي والإسلامي، ويُسهم هذا الاختلال في تكريس قراءة أحادية للحدث، تعمل على نزع البطولة والرمزية عن قيادات المقاومة، وتحويل استهدافهم إلى قصص نجاح أمني للاحتلال[28].
خامسًا: تغطية المجازر والحصار في غزة
عكست مواكبة قناة الحدث للمجازر المرتكبة في قطاع غزة، ولسياسات الحصار الشامل المفروضة على السكان، توجهًا يفرغ الحدث من فاعله السياسي والعسكري، ويحوله إلى مشهد إنساني مجرّد من أسبابه البنيوية، عن طريق استخدام صيغ لغوية تُخفي المسؤولية، مثل الحديث عن «اشتباكات» أو «تداعيات القتال»، بما يسهم في تمييع طبيعة الجريمة وإزاحة مركز الاتهام.
يظهر هذا التوجّه بوضوح في تغطية المجازر؛ إذ تُعرض مشاهد الدمار والضحايا غالبًا في إطار إنساني منفصل عن سياقه السياسي، دون ربطه بسياسات الاستهداف الممنهج التي ينتهجها الاحتلال، ويرتكب في إطارها مجازر إبادة جماعية وجرائم حرب وفق القانون الدولي، وبهذا يتحوّل الدمار إلى نتيجة «حتمية» للصراع، لا إلى فعل إجرامي ناتج عن قرار عسكري وسياسي صهيوني واضح، ويعمل هذا الأسلوب على نزع الطابع الجنائي عن المجازر، وتحويلها إلى صور صادمة بلا مسؤول.
وفيما يتعلّق بالحصار، اعتمدت القناة مقاربة مشابهة تقوم على تغييب الفاعل؛ إذ يُشار إلى المجاعة وانهيار البنى الخدمية في إطار ما تسميه بالأزمة الإنسانية أو التدهور الخطير في الأوضاع بشكل مجهول، يتهرب من الإشارة إلى السياسات العدوانية التي أوصلت الوضع إلى هذا المستوى، وفي مقدمتها الحصار الإسرائيلي ومنع إدخال الغذاء والدواء والوقود إلى قطاع غزة، ويُفضي هذا الخطاب إلى إعادة إنتاج سردية تُحمّل الواقع الفلسطيني ذاته مسؤولية الانهيار، بدل تحميلها للسياسات العقابية التي ينفذها الاحتلال[29].
كما يُلاحظ أن القناة كثيرًا ما تربط عرض المجازر والحصار بسرديات أمنية، عن طريق الإيحاء بأن ما يجري هو نتيجة لأفعال المقاومة أو لوجودها في مناطق مدنية، ويُسهم هذا الربط في شرعنة العنف الإسرائيلي ضمنيًا، وإقناع الجمهور المتلقي أن ما يحدث لم يكن سوى رد طبيعي على التهديدات الناتجة عن فعل المقاومة، ولا يندرج ضمن جرائم استهداف المدنيين.
وعندما يغيب التناول القانوني أو الحقوقي الذي يضع جرائم العدو في إطارها بوصفها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، تقوض إمكانات المساءلة والمحاسبة، ويعاد تشكيل الوعي العام تجاه المجازر والحصار، عن طريق تطبيع العنف الإسرائيلي وتحويله إلى خلفية دائمة للأحداث.
سادسًا: الانتقاء البصري ودوره في تشكيل الوعي في تغطية قناة الحدث
يُعدّ الانتقاء البصري أحد أكثر أدوات «حرب الأدمغة» المؤثرة في الوعي الجمعي؛ نظرًا لما تحمله الصورة من قدرة على ترسيخ المعاني وإنتاج الانطباعات بعيدًا عن التحليل العقلاني للنصوص، وتكشف عيّنة الدراسة عن اعتماد قناة الحدث على المواد المصوّرة الصادرة عن جيش العدو، سواء فيما يتعلّق بالعمليات العسكرية، أم بعرض ما يجري تنميطه بمصطلح الإنجازات الميدانية، مثل اقتحام جيش العدو لبعض «الأنفاق» التي سبق إخلاؤها، أو التوغل الميداني في مواقع كانت تستخدمها المقاومة «كمائن ومصائد للعدو»، وتُعرض هذه المشاهد غالبًا مجتزأة بصيغة احترافية عالية، مصحوبة بالتعليق الذي يعممه العدو، لتكريس صورة القوة والسيطرة في وعي المتلقي[30].
على الرغم من إمكانية الوصول إلى الكثير من المواد المصوّرة التي وزعتها فصائل المقاومة الفلسطينية، من توثيق للعمليات العسكرية والاشتباك من نقطة الصفر، وتدمير آليات جيش العدو وسط قطاع غزة، إلا أن القناة تعمدت إقصاء صورة المقاومة، وامتنعت عن بث كل ما يمكن أن يظهر بواسطته الفلسطيني المقاوم في موقع الفاعل القادر على المبادرة، وحصرت حضوره البصري في سياقات الخسارة أو الدمار أو المعاناة الإنسانية.
كما يُلاحظ أن مشاهد الضحايا والدمار في غزة تُقدَّم على نحو متكرر بصيغة إنسانية مجرّدة، منفصلة عن فاعلها، ومنزوعة من سياقها السياسي والعسكري، فالصورة هنا لم تُستخدم لإدانة الجريمة ومرتكبها، بل لإنتاج حالة تعاطف إنساني عابر مجرد من المسؤولية، لا يترافق مع وعي نقدي بطبيعة العدوان وأسبابه، ويسهم هذا الاستخدام في تفريغ الصورة من طاقتها السياسية، وتحويلها إلى عنصر تطبيع مع العنف المستمر.
ويقدم التكرار البصري دورًا إضافيًا في تثبيت صورة نمطية محددة، ترسخ بنية ذهنية غير متوازنة، تُعاد فيها صياغة معادلة القوة لصالح الاحتلال.
واستكمالًا للتحليل الكيفي لآليات الانتقاء البصري في تغطية قناة الحدث، يوضح الجدول الآتي نتائج التحليل الكمي للمشاهد والمواد المصوّرة المستخدمة في عيّنة الدراسة، وتُظهر هذه النتائج حجم الاختلال البنيوي في التمثيل البصري، بما يدعم الاستنتاجات المتعلقة بانحياز التغطية لخدمة الرواية الإسرائيلية.
جدول (1): الانتقاء البصري
| نوع الصورة | نسبة الاستخدام |
| لقطات الجيش الإسرائيلي | 65% |
| صور الدمار دون فاعل | 20% |
| صور مدنية (جرحى/ نازحين) | 12% |
| صور للمقاومة | 0% |
| صور أرشيفية محايدة | 3% |
المبحث الرابع:
مقاربة خطاب قناة الحدث مع الخطاب الصهيوني
استنادًا إلى نتائج تحليل المضمون الواردة في المبحث السابق، يتناول هذا المبحث مقاربة خطاب قناة الحدث في ضوء تقاطعه مع الخطاب الصهيوني.
أولًا: التطابق في المصطلحات والأطر التفسيرية بين خطاب قناة الحدث والخطاب الصهيوني
تكشف المقارنة المنهجية بين خطاب قناة الحدث والرواية الإعلامية الصهيونية عن درجة عالية من التطابق في المصطلحات والأطر التفسيرية المعتمدة في توصيف الصراع الفلسطيني–الصهيوني، ولا يقتصر هذا التطابق على تبنّي مفردات بعينها، بل يتجلّى في البنية العميقة للخطاب، والطريقة التي يُعاد بواسطتها تعريف الفاعلين والأحداث والمسؤوليات.
برز هذا التطابق بوضوح في تكرار استخدام القناة لمصطلحات، مثل «الجيش الإسرائيلي» وتكريسه توصيفًا قانونيًا محايدًا، بما ينسجم تمامًا مع الخطاب الصهيوني الذي يسعى إلى شرعنة الوجود العسكري أو تطبيعه في الوعي العام، كما يتجلّى التطابق في الأطر التفسيرية التي تعتمدها القناة في قراءة الأحداث؛ إذ يُعاد تأطير العدوان الإسرائيلي ضمن مفهوم «الدفاع عن النفس» أو «الرد على الهجمات»، وهو أحد أكثر المفاهيم حضورًا في الموقف الصهيوني الرسمي والإعلامي.
ويتعمّق هذا التطابق عن طريق تبرير استخدام فائض القوة؛ لتتحوّل مفاهيم مثل «الردع» و«الاستقرار» إلى أدوات خطابية تُستخدم لتبرير الإبادة والتدمير، وعدها ضرورات لا بد منها، ضمن المنظومة التفسيرية للخطاب الصهيوني، ويشكّل هذا الاندماج أحد أخطر أشكال الانحياز الإعلامي؛ لأنه يعيد إنتاج الخطاب بلغة عربية موجّهة إلى جمهور عربي، بما يضاعف أثرها في الحرب الإدراكية وتشكيل الوعي العام.
في سياق المقارنة بين خطاب قناة الحدث والخطاب الصهيوني على مستوى المصطلحات والأطر التفسيرية، يقدّم الجدول الآتي نتائج التحليل الكمي لأنماط التسمية المستخدمة في عيّنة الدراسة، ويرصد الانحياز اللغوي بصورة رقمية دقيقة، أظهرت مدى التطابق مع الرواية الصهيونية في بناء المعنى وإعادة إنتاجه.
جدول (2 ): جدول التسمية
| الفئة الإعلامية | الجيش الإسرائيلي | قوات الاحتلال | المقاومة | عناصر حماس | كتائب القسام |
| النشرات | 95% | 0% | 0% | 92% | 0% |
| التقارير الميدانية | 97% | 0% | 0% | 88% | 0% |
| المقابلات | 100% | 0% | 0% | 94% | 0% |
| الإحاطات العسكرية | 100% | 0% | 0% | 90% | 0% |
| الأخبار العاجلة | 98% | 0% | 0% | 95% | 0% |
ثانيًا: تبرير العدوان والإبادة بوصفهما دفاعًا عن النفس
يعدّ تبنّي مفهوم «الدفاع عن النفس» أحد أبرز نقاط الالتقاء بين خطاب قناة الحدث والخطاب الصهيوني؛ إذ يشكّل هذا المفهوم الإطار المركزي الذي جرى بواسطته تبرير العدوان واسع النطاق على قطاع غزة، بما في ذلك مجازر الإبادة الجماعية وسياسات التدمير الشامل والإصرار على التهجير، وتكشف السياسة التحريرية للقناة عن استخدام منهجي لهذا المفهوم، أداة خطابية تسعى لنزع الطابع الإجرامي عن أفعال الاحتلال، وتعيد تقديمها في سياق الضرورة الأمنية.
يتجلّى هذا التوظيف في الطريقة التي تُعرض بها العمليات العسكرية الإسرائيلية؛ إذ تُقدَّم غالبًا بأسلوب تخفيفي يضعها في موقف الرد على أفعال المقاومة، ويؤدي هذا الإطار إلى فصل العدوان عن سياقه الحقيقي، وتحويله إلى فعل اضطراري، تُمحى فيه العلاقة السببية بين الاحتلال والحصار من جهة، والانفجار المقاوم من جهة أخرى.
ويتعزّز هذا التبرير عن طريق استضافة محللين وخبراء يتبنّون الرؤية الإسرائيلية، ويعيدون إنتاج خطابها القانوني والسياسي، دون مساءلة أو تقديم أطر تفسيرية بديلة، وفي المقابل يغيب أي نقاش جدي حول القانون الدولي الإنساني، أو حول عدم انطباق مفهوم «الدفاع عن النفس» على قوة احتلال تمارس سيطرة عسكرية مباشرة على شعب واقع تحت نيران الاحتلال وانتهاكاته.
استنادًا إلى التحليل المقارن لخطاب تبرير العدوان والإبادة في تغطية قناة الحدث، يوضّح الجدول الآتي نتائج التحليل الكمي للأطر التفسيرية المعتمدة في معالجة الأحداث، وقياس طبيعة الإطار السائد الذي جرى بواسطته تفسير العدوان على غزة، والكشف عن مدى تغليب الأطر الأمنية والتبريرية على حساب الأطر القانونية والحقوقية.
جدول(3): الإطار التفسيري
| الإطار التفسيري | نسبة الظهور |
| هجوم إرهابي | 60% |
| ردّ دفاعي إسرائيلي | 20% |
| حدث أمني | 15% |
| مقاومة احتلال | 0% |
| سياق تاريخي | 0% |
ثالثًا: تسويق مشاريع نزع سلاح المقاومة في الخطاب الإعلامي
يفضي تحليل خطاب قناة الحدث خلال العدوان على غزة إلى تكريس مقاربة اعلامية تسوق ضمنيًا لمشاريع نزع سلاح المقاومة عن طريق تقديم هذا الطرح بوصفه مخرجًا سياسيًا وأمنيًا للأزمة في ظل تجاهل متعمد للحديث عن حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في المقاومة.
يتجلّى هذا الخطاب في الطريقة التي تُقدَّم بها النقاشات الإعلامية حول مستقبل غزة؛ إذ يُعاد طرح مسألة نزع سلاح المقاومة بوصفها شرطًا مسبقًا لأي تسوية سياسية أو إعادة إعمار، وغالبًا ما تُعرض هذه الطروحات ضمن أطر تبدو عقلانية أو براغماتية، لكنها في جوهرها تنزع عن الفلسطينيين حقهم القانوني في المقاومة، وتحصر خياراتهم بين الاستسلام أو استمرار المعاناة، ويؤدي هذا التأطير إلى إعادة تحميل الضحية مسؤولية استمرار العدوان، بدل مساءلة الاحتلال عن سياساته العدوانية.
كما تعتمد القناة على استضافة محللين «مطبعين» يتبنّون سرديات تعد أن سلاح المقاومة «يجرّ الويلات» على الشعب الفلسطيني أو يشكّل أداة لصراعات إقليمية لا تخدم المصلحة الوطنية، ويجري تعميم هذا الخطاب ليشمل جبهات الإسناد الأخرى، مثل لبنان واليمن والعراق؛ إذ تُقدَّم مشاريع نزع السلاح بوصفها ضرورة إقليمية، وليست مطلبًا إسرائيليًا صرفًا، ويكشف هذا التوسيع في الطرح عن محاولة لشرعنة الرؤية الصهيونية على مستوى إقليمي أوسع.
ويتقاطع هذا الطرح مع تغييب كامل للنقاش القانوني المتعلق بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومة المحتل بكل الوسائل المشروعة، فلا يُطرح نزع السلاح نتيجة لإنهاء الاحتلال، بل شرطًا سابقًا عليه، وهو منطق يعكس جوهر الرؤية الصهيونية الرامية إلى تفريغ أي تسوية مستقبلية من مضمونها التحرري، ويُسهم الإعلام عن طريق هذا الخطاب، في تطبيع فكرة نزع سلاح المقاومة داخل الوعي العربي وتقديمها خيارًا واقعيًا أو حتميًا.
إن الترويج لضرورة نزع سلاح المقاومة يكشف عن الدور الذي يؤديه الإعلام في التمهيد السياسي والثقافي لمشاريع تستهدف جوهر الفعل المقاوم، بما يخدم الرؤية الصهيونية، ويقوّض أسس النضال الفلسطيني والعربي.
رابعًا: تغييب الأصوات الفلسطينية واستضافة متحدثي الاحتلال
يُعدّ تغييب الأصوات الفلسطينية، ولا سيما تلك المعبّرة عن المقاومة أحد أكثر مظاهر الانحياز وضوحًا خلال تغطية معركة طوفان الأقصى والعدوان على غزة، ويتجلّى هذا التغييب في اختلال واضح في تمثيل أطراف الصراع داخل الفضاء الإعلامي؛ إذ تُمنح الرواية الإسرائيلية مساحة واسعة للتعبير عن نفسها، في مقابل حضور هامشي أو مشروط للرواية الفلسطينية، وغالبًا ما يُقدَّم هذا الحضور ضمن أطر تشكيكية أو دفاعية.
تعتمد القناة بصورة متكررة على استضافة متحدثين رسميين باسم جيش الاحتلال، سواء عن طريق المقابلات المباشرة أم عن طريق النقل المباشر للإحاطات والمؤتمرات الصحافية، وتُقدَّم هذه المداخلات في كثير من الأحيان دون تفكيك نقدي أو مساءلة مهنية جادة، وهو ما يمنح الخطاب الإسرائيلي شرعية معرفية تجعل منه مصدرًا موثوقًا للمعلومة والتحليل، حتى عندما يتضمّن مزاعم غير مثبتة أو روايات متناقضة مع الوقائع الميدانية.
في المقابل يُلاحظ غياب شبه كامل لممثلي فصائل المقاومة الفلسطينية عن المشهد الإعلامي للقناة، سواء في التغطيات الخبرية أم البرامج الحوارية، وعندما تُعرض مواقف فلسطينية، غالبًا ما تكون مقتطفة، أو منقولة بصيغة غير مباشرة، أو محاطة بتعليقات تحليلية تُضعف مضمونها أو تشكّك في دوافعها، بما يُسهم في تقويض قدرة الرواية الفلسطينية على التعبير عن ذاتها، وتحويلها إلى مادة ردّ فعل لا خطابًا متكاملًا.
كما يظهر التحيّز في طبيعة الأسئلة المطروحة داخل المقابلات؛ إذ تميل الأسئلة الموجّهة للضيوف المتماهين مع الرواية الإسرائيلية إلى الطابع التفسيري أو التبريري، في حين تُطرح الأسئلة على الضيوف المؤيدين للقضية الفلسطينية بصيغة اتهامية أو استجوابية، في صورة واضحة لخلل بنيوي في المعالجة الإعلامية.
استكمالًا لتحليل تغييب الأصوات الفلسطينية واختلال تمثيل أطراف الصراع، ورصد مدى هيمنة المصادر الإسرائيلية أو المتماهية معها، يقدّم الجدول الآتي نتائج التحليل الكمي لمصادر المعلومات والتحليل المعتمدة في عيّنة الدراسة.
جدول (4): مصادر المعلومات
| الفئة الإعلامية | مصادر إسرائيلية | مصادر فلسطينية | مصادر دولية | مصادر مجهولة | مراسلون |
| النشرات | 68% | 4% | 6% | 10% | 12% |
| التقارير | 72% | 5% | 8% | 6% | 9% |
| المقابلات | 75% | 0% | 10% | 0% | 15% |
| الإحاطات | 100% | 0% | 0% | 0% | 0% |
| الأخبار العاجلة | 70% | 3% | 5% | 12% | 10% |
الخاتمة:
النتائج والتوصيات
في ضوء النتائج التحليلية المتوصّل إليها، يقدّم هذا الفصل خلاصة الاتجاهات العامة والتوصيات البحثية.
أولًا: النتائج العامة للدراسة
كشفت نتائج تحليل مضمون خطاب قناة الحدث خلال تغطيتها معركة طوفان الأقصى والعدوان على غزة أن القناة لم تلتزم بمعايير التغطية المهنية المتوازنة في سياق نزاع غير متكافئ، بل قدّمت خطابًا إعلاميًا يتّسم بانحياز بنيوي واضح ضد المقاومة الفلسطينية، وقد تجلّى هذا الانحياز في مستويات متعددة شملت اللغة، والصورة، والمصادر، والأطر التفسيرية، بما يشير إلى وجود منظومة سردية متكاملة.
أبرزت الدراسة اعتماد القناة على مصطلحات تُشرعن الفعل العسكري الإسرائيلي عن طريق تسميته «جيشًا نظاميًا»، مقابل تجريد المقاومة من صفتها القانونية والسياسية، وحصرها في توصيفات أمنية ضيقة، وكذلك التغييب المنهجي لسياق الاحتلال والحصار، وإعادة تحميل المقاومة مسؤولية العدوان وتداعياته الإنسانية، بما أسهم في قلب معادلة الفاعل والضحية داخل الخطاب الإعلامي.
وأظهرت النتائج تطابقًا ملحوظًا بين خطاب القناة والرواية الصهيونية في تفسير الأحداث الكبرى، وتسويق مشاريع نزع سلاح المقاومة، وتغييب الأصوات الفلسطينية في مقابل تكريس حضور المتحدثين باسم الاحتلال، ضمن بنية تفسيرية تتقاطع مع المصالح والمشاريع الغربية والإسرائيلية، ويعاد إنتاجها بلغة عربية موجّهة.
وبيّنت الدراسة أن الانتقاء البصري أدّى دورًا حاسمًا في التنميط والانحياز عن طريق التركيز على مشاهد التفوق العسكري للعدو، مقابل تهميش صورة المقاومة وقدرتها على الفعل، بما يسهم في إعادة تشكيل الوعي العربي تجاه الصراع، عن طريق تطبيع العنف الإسرائيلي، ونزع الطابع التحرري عن المقاومة الفلسطينية.
في إطار استخلاص النتائج العامة للدراسة، يوضّح الجدول الآتي نتائج التحليل الكمي لنبرة التغطية في المواد الإعلامية محلّ الدراسة، من حيث اتجاهها العام بين التحييد الشكلي، أو النبرة السلبية تجاه المقاومة، أو النبرة المبرِّرة لأفعال الاحتلال، ويهدف هذا التحليل إلى قياس الاتجاه الغالب في الخطاب الإعلامي السعودي، وتقديم مؤشر رقمي يبيّن طبيعة الموقف التحريري السائد، بما يدعم الاستنتاجات المتعلقة بطابع الانحياز البنيوي في التغطية.
جدول (5): نبرة التغطية
| الفئة الإعلامية | سلبي تجاه المقاومة | محايد | إيجابي | سلبي تجاه الاحتلال |
| النشرات | 82% | 18% | 0% | 0% |
| التقارير | 78% | 22% | 0% | 0% |
| المقابلات | 90% | 10% | 0% | 0% |
| الإحاطات | 100% | 0% | 0% | 0% |
| العاجل | 85% | 15% | 0% | 0% |
ثانيًا: الاستنتاجات
تخلص الدراسة إلى أن خطاب قناة الحدث خلال المدة الزمنية المدروسة كان منسجمًا مع تحولات أعمق في بنية الإعلام العربي الموجّه، المرتبطة بمسارات التطبيع السياسي وإعادة ترتيب الأولويات الإقليمية، ويكشف هذا الخطاب عن المشاركة السعودية في إعادة إنتاج سرديات الهيمنة، بما يضعها في موقع متقدّم ضمن منظومة التأثير في الوعي الجمعي العربي.
كما تستنتج الدراسة أن نزع الشرعية عن المقاومة الفلسطينية لم يكن عن طريق خطاب عدائي مباشر، بل عن طريق آليات لغوية وبصرية ناعمة، تُقدَّم في إطار مهني ظاهري، ما يجعل تأثيرها أعمق وأطول أمدًا؛ ليصبح أكثر خطورة من الدعاية الصريحة؛ لأنه يفكك البديهيات الوطنية والقانونية داخل الوعي العربي، دون إثارة مقاومة مباشرة من الجمهور.
ثالثًا: التوصيات
للباحثين ومراكز الدراسات: ضرورة تكثيف الدراسات النقدية حول الإعلام العربي الموجّه، ولا سيما في سياقات الصراع، وتطوير أدوات تحليلية تُعنى بالتحيّز البنيوي غير المعلن في الخطاب الإعلامي.
للإعلام المقاوم والبديل: العمل على بناء سردية إعلامية مهنية مضادة، تُعيد الاعتبار للسياق القانوني والتاريخي للصراع، وتستثمر في الصورة والرواية واللغة ضمن أدوات المقاومة المعرفية التي لا تقل أهمية عن الفعل الميداني.
للإعلاميين العرب: إعادة النظر في معايير المهنية والحياد عند تغطية النزاعات غير المتكافئة، والتمييز بين التوازن الشكلي والتوازن القائم على العدالة والسياق.
للبحوث المستقبلية: توسيع نطاق البحث ليشمل مقارنات بين منصات إعلامية عربية مختلفة، ودراسة تأثير هذا الخطاب في اتجاهات الرأي العام العربي، ولا سيما لدى فئة الشباب.
[1] بوقدور، مصطفى (2015). سلطة الخطاب في الفضاء المعلوماتي. مجلة تبين، العدد (11)
[2] بوقدور، مصطفى. مصدر سابق.
[3] تشومسكي، نعوم؛ هيرمان، إدوارد (2000). صناعة القبول: الاقتصاد السياسي لوسائل الإعلام.
[4] حسونة، نسرين (2015). نظريات الإعلام والاتصال.
[5] تشومسكي، نعوم؛ هيرمان، إدوارد. مصدر سابق.
[6] حسونة، نسرين. مصدر سابق.
[7] حسونة، نسرين. مصدر سابق.
[8] تشومسكي، نعوم؛ هيرمان، إدوارد. مصدر سابق.
[9] قناة الحدث – منصة يوتيوب الرسمية (عينة الدراسة).
[10] المسيري، عبد الوهاب (1999). موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، المجلد الأول.
[11] المسيري، عبد الوهاب. مصدر سابق.
[12] المسيري، عبد الوهاب. مصدر سابق.
[13] عنان، عماد. الإعلام العربي وحرب غزة: مقاربات توثق الخذلان. نون بوست. https://www.noonpost.com/181473
[14] من وعد بلفور إلى إعلان إسرائيل… الانتداب البريطاني في فلسطين. الجزيرة نت.
[15] مركز الزيتونة للدراسات. معتقلو حماس في السجون السعودية. https://www.alzaytouna.net/
[16] تصريح لوزير الخارجية السعودي الأسبق عادل الجبير. صحيفة الشرق الأوسط. https://aawsat.com
[17] السويدي، وضحة. سمات التغطية الإعلامية للحرب على غزة. الجزيرة للدراسات. https://studies.aljazeera.net/ar/article/6301
[18] المعادلة الاستراتيجية الجديدة في الشرق الأوسط. مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية
[19] سينغ، مايكل. محور اتفاقات إبراهيم: التطبيع العربي–الإسرائيلي. معهد واشنطن للدراسات.
[20] قناة العربية: أداة أساسية في البروباغندا الإسرائيلية. موقع الخنادق. https://alkhanadeq.com
[21] الإعلام السعودي و«طوفان الأقصى. مركز إنسان للدراسات الإعلامية
[22] عنان، عماد. مصدر سابق.
[23] الرشيدي، أسامة. أصداء الرواية الإسرائيلية في الإعلام العربي. مركز الجزيرة للدراسات
[24] قناة الحدث – منصة يوتيوب الرسمية (عينة الدراسة). https://www.youtube.com/@AlHadath
[25] الضيف، محمد (2024).خطاب طوفان الأقصى . مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد (137)
[26] الضيف، محمد. مصدر سابق.
[27] استنكار واسع لطريقة تناول الإعلام السعودي استشهاد السنوار، عربي 21. http://t.arabi21.com/
[28] قناة الحدث – (عينة الدراسة)
[29] تفكيك الخطاب العدائي. ورقة عمل. مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير. https://ufeed.info/post.php?id=126954
[30] قناة الحدث – (عينة الدراسة)