معركة العمالقة في الشرق الأوسط: تراجع ابن سلمان والثمن الذي قد تدفعه إسرائيل

 

مركز آفاق اليمن: ترجمة (بتصرف) غسان محمد

ترجمات 29 يناير 2026

لصحيفة معاريف العبرية كتب عميت ياغور – وهو ضابط سابق في الشعبة الاستراتيجية بقسم التخطيط في الجيش الإسرائيلي- مقالًا عن تطورات الصراع في المنطقة وملامح الخلاف السعودي الإسرائيلي في مقابل التقارب بين أنقرة والرياض. وفيما يلي ترجمة خاصة للمقال:

  • الشرق الأوسط كيانٌ مُعقّد، ولكن إذا جمعنا كل التفاصيل فسنلاحظ أننا نشهد معركةً شرسةً تدور رحاها حول شكل الشرق الأوسط على النحو الآتي:

الطرف الأول:

إسرائيل، والولايات المتحدة، والهند، والإمارات، والأردن، بدعم من دول أوروبا الشرقية، كاليونان وقبرص، ودول آسيا الوسطى كأذربيجان، ودول شمال إفريقيا كالمغرب. المنصات المشتركة الرئيسة هي اتفاقيات إبراهام منصة مستقبلية للتوسع، ومحور IMEC المستقبلي الذي يُفترض أن تصبح إسرائيل بواسطته بوابة أوروبا للسلع والطاقة القادمة من الشرق، ومحورًا لبنية الاتصالات بين الشرق والغرب. المصلحة: نظام إقليمي جديد، ويرى بعضهم أن الولايات المتحدة مهتمة بالعودة إلى الإمبريالية وأمن إسرائيل.

الطرف الثاني:

تركيا وقطر، اللتان تُشكلان ملاذًا لجماعة الإخوان المسلمين وحماس، إلى جانب السعودية وباكستان ومصر وجنوب اليمن. المصلحة: الهيمنة والنفوذ في الفراغ الذي خلفته إيران، وفي الواقع الإمبريالية العربية، المصحوبة بمكون ديني بارز يتمثل في الحرب ضد [الكفار]، وهو “معادٍ لإسرائيل”.

ساحة المعركة:

يتنافس الطرفان على مناطق النفوذ والسيطرة في محور المقاومة السابق: سوريا ولبنان وقطاع غزة واليمن، ويبدو أنه بعد التحول الذي طرأ على العلاقات السعودية، باتت تركيا والسعودية مهتمتين بالعودة إلى التاريخ، الهيمنة التركية في شمال الشرق الأوسط مع موطئ قدم سعودي، والهيمنة السعودية في المنطقة الجنوبية مع موطئ قدم تركي.

الجدير بالذكر أن السعودية نجحت حتى الآن في اتباع كلا النهجين، ورسمت صورة للتحديث مع رغبة في الانضمام إلى اتفاقيات إبراهام حتى بعد السابع من أكتوبر، وقد طرح الرئيس ترامب المسألة عمليا؛ إذ وافق على كل ما طلبته السعودية تقريبًا بشرط موافقتها على التطبيع مع إسرائيل، وفي إسرائيل -أيضا- كانت هناك دوائر معينة أكثر صراحةً بشأن ضرورة التقارب مع السعودية وتلبية مطالبها بشأن القضية الفلسطينية مقابل التطبيع.

نقطة التحول:

اتضحت الأمور خلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة في نوفمبر من العام الماضي؛ إذ أبدى الجميع إعجابهم الشديد بإطراءات ترامب العلنية وتعبيرات الاحترام والاحتفال التي غمرت بها الولايات المتحدة الضيف، ولكن حتى في ذلك الحين زُعم أن الزيارة كانت فاشلة، وأن خلافات نشبت بين ترامب وولي العهد في جلسات خاصة.

الخطأ الاستخباراتي:

فشل جهاز الاستخبارات الإسرائيلي بكل قدراته، وكذلك الأمريكي، في فهم الطرف الآخر ودوافعه، وقد ردت السعودية بالرفض، ورفضت التنازل عن موقفها، وتأييد الموقف الإسرائيلي – الأمريكي، من الواضح أننا لم نُحسن قراءة بقية التطورات؛ فالحملة التي شُنّت في يونيو/حزيران ضد إيران لم تُعزز التزام السعودية بالمحور الأمريكي فحسب، بل على العكس تمامًا، أثارت لديها الخوف من المحور الإسرائيلي الأمريكي، إلى جانب تلمسها فرصة لإضعاف إيران وتعزيز موقف السعودية على حسابها في النظام الإقليمي الجديد، كانت هذه “مفاجأة” أخرى في الشرق الأوسط، دعمتها معلومات استخباراتنا وتقييمات أخرى لم تُدرك حقيقة موقف السعودية، ولم تُحسن قراءة التحول الذي كانت على وشك القيام به، والتحديد الاستخباراتي الخاطئ، الذي لم يُنبئ بهذا التحول، تسبب في تقييم خاطئ لنتائج زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن، ولم يُدرك ما سيحدث لاحقًا.

النشاط السعودي ضد إسرائيل:

تسعى السعودية- في حالة من التنافس المحموم- إلى تشكيل تحالفات تُعيد تشكيل الشرق الأوسط، مع عزل إسرائيل، ومن ثَّمَّ الإمارات العربية المتحدة، أفضل حليف عربي لإسرائيل: تحالف دفاعي ثلاثي مع باكستان وتركيا، ومحاولة إنشاء تحالف أمني مع مصر والصومال، وإذا تعذّر العمل مباشرةً ضد إسرائيل، فإنّ الضغط يُوجّه نحو الإمارات العربية المتحدة في اليمن والقرن الأفريقي وبحر العرب، ولا يُستبعد أن تكون تركيا والسعودية قد قسّمتا بالفعل مناطق نفوذهما في النظام الإقليمي الجديد، كما فعلت بريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الأولى.

من المرجح أن علاقات الولايات المتحدة الجيدة مع تركيا وقطر- حتى مع نظام الجولاني، إلى جانب التملق الأمريكي للسعودية- دفعت محمد بن سلمان إلى اعتبار نفسه ومملكته رصيدًا استراتيجيًا حيويًا للولايات المتحدة في أي ترتيب مستقبلي للشرق الأوسط، دون أن تتمكن الولايات المتحدة من ممارسة أي ضغط عليه. وفي خطوةٍ بالغة الأهمية، وتحت مظلة النفوذ الذي يتبناه ترامب في الشرق الأوسط، اختار بن سلمان، بثقةٍ كبيرة، المسار الذي يعزل إسرائيل والإمارات ما يُلحق ضررًا ماديًا بالإمارات ويسعى إلى تقويض نفوذها الإقليمي.

النشاط الإسرائيلي:

لا تكتفي إسرائيل بما حققته، بل تُركّز جهودها على نحوٍ يُضاهي جهود بن سلمان، ولكن من الجانب الآخر من الخريطة: التحالف مع الجناح الغربي للشرق الأوسط والطريق إلى أوروبا (اليونان وقبرص) ثقل موازن لتركيا، عن طريق الاعتراف بصوماليلاند، وفرض وجود لها في الساحة التركية السعودية، وإبرام اتفاقيات أمنية مع الإمارات، والتحالف مع الجناح الشرقي للشرق الأوسط (الهند).

لكن، ربما تكون السعودية قد رسمت خطًا أحمر يسمح لها باللعب على كلا الجانبين، وانضمت إليها تركيا، حليفتها الجديدة، كان هذا هو الضغط الذي مارسته دول النظام القديم مجتمعةً على الولايات المتحدة لعدم التحرك ضد النظام في إيران، لقد اتضح فجأةً أن كل شيء يدور حول المصالح، بصرف النظر عن الوصف المُنمّق للأحداث وأسبابها، فإن السؤال الذي يجب طرحه هو: هل يُدرك ترامب وفريقه التحوّل الذي شهدته السعودية ومحاولاتها دمج تركيا وقطر؛ الأمر الذي عرقل خطط الولايات المتحدة لإقامة نظام إقليمي جديد؟

التصريحات الصريحة التي أدلى بها السيناتور الجمهوري البارز والمقرب من ترامب، ليندسي غراهام، قد تكشف أن الولايات المتحدة تدرك تمامًا ما يجري، وأنها تقرأ الدول العربية [السنية] المعتدلة على حقيقتها، بما في ذلك رفض السعودية التطبيع مع إسرائيل، وتصرفاتها الحالية التي لا تقل ضررًا عن البنية العامة الجديدة التي سعت إلى بنائها للمنطقة على أساس محور IMEC.

إذا صحّت التقارير التي تفيد بأن قادة الدول العربية، أي: السعودية وقطر، مستعدون لبقاء آيات الله في السلطة، فلا سبيل أمامنا إلا إعادة تقييم علاقتنا بالعالم العربي كاملًا.

ختامًا:

من الضروري أن تواصل إسرائيل نشاطها الدبلوماسي لبناء شبكة من التحالفات التي تُبرز نقاط قوتها ومكانتها المحورية، وتُرسّخ نظامًا إقليميًا جديدًا، ولكن في الوقت نفسه، سيكون من الصواب شنّ حملة دولية تهدف إلى تقويض شرعية المحور التركي السعودي في النظام الإقليمي الجديد، وكشف علاقاته الوثيقة بجماعة الإخوان المسلمين، والإشارة إلى علاقات السعودية الدينية بتنظيم القاعدة و[الإسلام السني] المتطرف في الشرق الأوسط، ومن الصواب أيضا دراسة كيف فشلت الاستخبارات الإسرائيلية في تقديم تحذير بشأن التحول الذي كانت السعودية على وشك اتخاذه، وما إذا كان انضمامها إلى كتلة الدول [السنّية] المعتدلة صائبًا من الأساس.