مستقبل العلاقات الدولية بعد زلزال اختطاف مادورو

د/ نبيل أحمد الدرويش

أكاديمي وكاتب سياسي

 

في سابقة خطيرة في تاريخ العلاقات الدولية الحديثة، أحدثت العملية الخاطفة التي نفذتها قوات خاصة أمريكية، التي تعرف باسم قوات الدلتا- داخل القصر الرئاسي في العاصمة الفنزويلية كراكاس، التي انتهت باختطاف رئيس البلاد نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما الى الأراضي الأمريكية بأمر مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب- صدمةً أشبه بزلزال أو تسونامي مفاجئ لكل شعوب العالم تقريبًا، هذه الصدمة لا تكمن فقط في طبيعة العملية، بل فيما تكسره من محظورات ظلّ النظام الدولي يتعامل معها، ولو شكليًا، بوصفها خطوطًا حمراء.

هذه العملية لا تشبه الانقلابات التقليدية، ولا عمليات الاغتيال السرية، ولا حتى التدخلات العسكرية المباشرة التي اعتادها العالم في العقود الأخيرة، نحن هنا أمام فعل سياسي–عسكري يمس جوهر فكرة الدولة ذاتها: سيادتها، رمزيتها، وحصانة رأسها التنفيذي.

الحدث يتجاوز فكرة إسقاط شخص أو نظام من الخارج، إلى تلاشي مفهوم سيادة الدول واستباحة جغرافيتها عمليًا، وضرب الشرعية الدولية في مقتل بقرار أحادي واستبدالها بقانون الغاب.

وإشراك زوجة الرئيس في العملية يضيف بعدًا رمزيًا لا يمكن تجاهله؛ فالرسالة هنا ليست أمنية بحتة، بل نفسية وسياسية: كسر الهيبة، تجريد المنصب من قدسيته، تحويل رأس الدولة إلى “مطلوب” لا إلى “ممثل سيادي”، هذا النوع من الأفعال لا يستهدف إدارة دولة بقدر ما يستهدف فكرة الدولة نفسها.

من التالي؟

اختطاف مادورو ليس موجهًا إلى كراكاس وحدها، بل إلى عواصم أمريكا اللاتينية كافة، وأخطر ما في المشهد اليوم حالة الزهو والنشوة المفرطة التي انتابت الرئيس الأمريكي عقب نجاح هذه العملية؛ الأمر الذي سيفتح شهيته لمزيد من العمليات المماثلة في بلدان أخرى، حتى أن العالم بات يتساءل عمن سيكون عليه الدور؟ في هذه اللحظة، يتحول الحدث من مسألة فنزويلية داخلية أو أمريكية ثنائية، إلى قضية تمس كل دولة لا تملك فائض قوة يحمي رأسها السياسي.

الاتهامات الأمريكية وحدود الشرعية

منذ سنوات، لم تُخفِ الولايات المتحدة عداءها الصريح لنيكولاس مادورو، ولائحة الاتهامات -التي تسوقها له باستمرار- طويلة ومتشعبة، منها الاتجار بالمخدرات، ورعاية “الإرهاب”، وتهديد الأمن القومي الأمريكي، فضلًا عن تهم أخرى مرتبطة بالشأن الداخلي الفنزويلي.

والسؤال هنا، هل يمنح الاتهام -مهما كان جسيمًا- دولة أخرى حق التنفيذ القسري خارج أراضيها؟

والواقع أنه حتى لو افترضنا –جدلًا– صحة الاتهامات الأمريكية، فإن القانون الدولي لا يعمل بمنطق “الملف الجنائي المفتوح”. في النظام الدولي، هناك فرق جوهري بين الاتهام والإدانة، وبين الرغبة السياسية والإجراء القانوني، ومادورو ليس قائد عصابة عابرة للحدود، بل رئيس دولة قائم، يتمتع بحصانة سيادية وشخصية ما دام في منصبه.

في القانون الدولي -وإن كان ضعيف التطبيق- لا يجوز ملاحقة رؤساء الدول جنائيًا بقرارات أحادية من دول أخرى، بل عن طريق آليات جماعية أو قضائية محددة (المحكمة الجنائية الدولية- محكمة العدل الدولية- مجلس الأمن)، أو إجراءات تسليم قضائي متوافق عليها، ومن ثَمَّ فإن تجاوز هذه المسارات لا يعني تسريع العدالة، بل نسفها من الأساس.

ولا يعترف القانون الدولي بـ “الضبط الوقائي” لرؤساء الدول، ولا بمنطق “القبض الاستباقي”؛ لأن ذلك ببساطة يحوّل النظام الدولي إلى نظام ملاحقات سياسية.

بهذا المعنى، لا تمثل الاتهامات –مهما بلغت خطورتها– أساسًا قانونيًا يبرر عملية اختطاف عابرة للحدود، بل على العكس، استخدامها بهذه الطريقة يكشف تحوّل الاتهام من أداة قانونية إلى سلاح سياسي، ومن مدخل للعدالة إلى ذريعة لكسر النظام الدولي نفسه.

أبعاد العملية ودوافعها الحقيقية

دونالد ترامب ليس رئيسًا تقليديًا في فهمه للسياسة الخارجية؛ إذ ينظر إلى النظام الدولي سوق صفقات لا شبكة قواعد وتوازنات، ومن هنا تتعدد أبعاد هذه العملية.

سياسيًا، تشكّل العملية رسالة مزدوجة: داخليًا تُسوَّق بوصفها حسمًا وعدم تساهل مع “الأنظمة المارقة”، وخارجيًا تذكيرًا صارخًا بفارق القوة، وبأن الخصومة مع واشنطن تُدار بمنطق الكلفة لا القانون.

اقتصاديًا، لا تُعد فنزويلا مجرد خصم سياسي، بل خزان طاقة استثنائي، يضم أكبر احتياطي نفطي ورابع احتياطي غاز عالمي، إلى جانب معادن استراتيجية وموقع حيوي للتحكم بتدفقات الطاقة في نصف الكرة الغربي، ومن منظور ترامب، فإن بقاء نظام معادٍ في كراكاس يعني تجميد أصل اقتصادي ضخم خارج النفوذ الأمريكي، ما يجعل اختطاف مادورو وسيلة لإزالة هذا العائق.

أما توسعيًا، فتعيد العملية تعريف مفهوم “الحديقة الخلفية”؛ إذ لم يتغير مبدأ الهيمنة الأمريكية في أمريكا اللاتينية منذ عقيدة مونرو، بل تغيّر أسلوبها؛ إذ يفضّل ترامب فرض النفوذ بالقوة لا بالإدارة الناعمة.

وعلى الصعيد الجيوستراتيجي، تستهدف العملية كسر نفوذ الخصوم الكبار في فنزويلا، التي تحولت إلى نقطة تقاطع لمصالح روسية وصينية وإيرانية، وهو ما تعدّه واشنطن اختراقًا غير مقبول في نصف الكرة الغربي.

ردود الفعل الدولية واختبار النظام العالمي

لم يكن تراخي موقف الأمم المتحدة إزاء هذا السلوك الأمريكي مفاجئًا، في ظل شللها المتكرر بسبب حق النقض الأمريكي، غير أن السؤال الجوهري يبقى: لماذا لم ترتقِ ردود فعل القوى الدولية المؤثرة، كروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، إلى مستوى جسامة هذا الانتهاك للقانون الدولي، على رغم ثقلها ودورها المركزي في النظام العالمي؟

يمكن تفسير هذا التراخي بعدة اعتبارات مترابطة، فعلى رغم امتلاك هذه القوى وزنًا دوليًا معتبرًا، إلا أن ذلك لا يعني الجاهزية للمواجهة؛ إذ إن أي ردّ متناسب كان سيفضي إما إلى تصعيد سياسي قد يقود إلى مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة، أو إلى إجراءات عملية عالية الكلفة استراتيجيًا، وهو ما لم تكن هذه الأطراف مستعدة لتحمله.

كما أن علاقات موسكو وبكين مع فنزويلا- على رغم أهميتها- لا ترقى إلى مستوى التحالف الوجودي، ولم تمثل فنزويلا خطًا أحمر استراتيجيًا بالنسبة لهما.

أما الاتحاد الأوروبي، فعلى الرغم من ثقله الاقتصادي، فإنه يعاني عجزًا استراتيجيًا مزمنًا، ويفتقر إلى سياسة خارجية وأمنية مستقلة عن المظلة الأمريكية، والأخطر من ذلك أن هذه القوى باتت تتعامل مع القانون الدولي أداة تفاوضية لا قيدًا ملزمًا، فتستحضره حين يخدم مصالحها وتتجاوزه حين تغيب المصلحة.

تأثير العملية في العلاقات الدولية والتعددية القطبية

ما يكشفه الحدث- بتفاصيله القانونية والسياسية وردود الفعل الدولية بشأنه- أن الأمر لا يتعلق فقط بأزمة في سلوك دولة بعينها، بل أزمة أعمق في بنية العلاقات الدولية ذاتها.

والتعددية القطبية التي جرى الترويج لها خلال العقدين الأخيرين، بوصفها انتقالًا من هيمنة أحادية إلى توازن ردع متبادل، يمنع أي قوة من الانفراد بفرض إرادتها، ستتغير صورتها وستكون مختلفة (تعددية في مراكز القوة) نعم، لكن دون تعددية في القدرة على الضبط.

ويبدو أن تعريف العلاقات الدولية سينتقل من فضاء تنافس منضبط إلى ساحة اختبارات متتالية، بمعنى أن كل خرق ناجح سيصبح مرجعًا، وكل رد ضعيف سيتحول إلى سياسة صامتة.

في هذا السياق، لن تُقاس السيادة بأنها حق قانوني، بل بقدرة الدولة على الدفاع عنها، أو بمدى استعداد الآخرين للدفاع عنها نيابةً عنها.

 

كاتب