«مجلس ترامب» في غزة.. الاستثمار بزعم السلام

الإعلان عن تشكيل ما يسمى بـ”مجلس السلام” في غزة، في ظل استمرار آلة القتل الصهيونية بحق المدنيين الفلسطينيين، يعد تناقضًا أخلاقيًا وسياسيًا صارخًا، ويؤكد على أن المجلس ليس مجرد مبادرة إنسانية، أو صحوة مفاجئة في ضمير العالم، بل هو أداة لحصاد ثمرة حرب الإبادة، وشرعنة القتل المستدام، واستكمال تحقيق ما عجزت عنه الحرب العسكرية بمعركة جديدة تعرف بمعركة المجالس الدولية، التي تهدف إلى إعادة ترتيب منطقة الشرق الأوسط وفق رؤية إسرائيلية أمريكية طويلة المدى.

أولا: تحليل بنود ميثاق المجلس

من النظر إلى بنود الميثاق التأسيسي للمجلس يتضح أنها صياغة خاصة بـ “حوكمة الشركات” ولا تمت بأي صلة للغة المواثيق الأممية والقوانين الدولية؛ إذ يمنح دونالد ترامب صفة “الرئيس المؤسس” غير قابل للعزل، ويمتلك صلاحيات مطلقة غير قابلة للرفض أو المراجعة، بل يمنحه حق تعيين خليفته، وهذا يعني أننا أمام مؤسسة خاصة ومشروع شخصي لا هيئة دولية.

كما يشترط ميثاق المجلس دفع مليار دولار نقدًا مقابل الحصول على العضوية الدائمة في المجلس، وهذا يكرس مفهوم “خصخصة السلام”، ويجعل من المجلس أشبه بـ”نادٍ للدفع” حيث تُشترى المقاعد الدائمة بالمال وليس بالوزن الجيوسياسي، أو الالتزام بالشرعية الدولية.      ويتجاهل ميثاق المجلس الجغرافيا الفلسطينية، ويتعدى حدود قطاع غزة ليحكم قبضته على المنطقة بأكملها، ويفرض نظامًا إقليميًا جديدًا يتجاوز الهياكل التقليدية القائمة.

فالنص الحرفي لميثاق تأسيس المجلس لم يشر صراحة إلى “غزة” على رغم أن المجلس أعلن حلًا لأزمتها، غير أن الميثاق يصف المجلس بأنه ” منظمة دولية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة إرساء الحوكمة الموثوقة والمشروعة، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات”.

وهذا يعني أن المجلس سيغدو بمقام نظام وصاية جديد لإعادة هندسة الشرق الأوسط الجديد.

ثانيا: تكريس الهيمنة الصهيوأمريكية

عمد ترامب إلى ضم مجرم الحرب نتنياهو إلى مجلس السلام، وهو المسؤول الأول عن إبادة ما يقارب 72 ألف فلسطيني حتى الآن، وتدمير 90% من البنى التحتية في غزة، ثم يأتي ترامب ليمنحه “صك براءة”، ويحوله من مجرم الحرب الأول إلى شريك في صناعة السلام، وهذا بحد ذاته يكشف القناع عن الأهداف الخفية لهذا المجلس الصهيوأمريكي.

وقد أثار هذا القرار استياءً واسعًا لدى مختلف الفصائل الفلسطينية، التي اعتبرته “شرعنة للعدوان” واستهتارًا بضحايا الحرب، وتجاهلًا للملاحقات القانونية الدولية ضد مجرمي الحرب.

ثالثا: الانقسام الدولي

وجه الرئيس ترامب دعوات لنحو 60 زعيمًا حول العالم للانضمام إلى “مجلس السلام”؛ محاولة لإضفاء شرعية دولية عليه، وانتزاع اعتراف دولي لترامب بأنه صانع سلام عالمي، إضافة إلى تقاسم الكلفة المالية.

وقد استجابت عدد من الدول التي تدور في الفلك الأمريكي، مثل مصر والإمارات والسعودية وتركيا وقطر، فيما أعلنت دول وازنة مثل فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا والنرويج والسويد، رفضها المشاركة في هذا المجلس؛ بسبب غياب المرجعية القانونية للمجلس، وعدم استناده لقرارات الأمم المتحدة وتقويضه للشرعية الدولية.

وصرح مسؤولون أوروبيون بأن ميثاق المجلس يتجاوز القانون الدولي، ويؤسس لسلطة فردية لا تخضع لرقابة جماعية.

رابعًا: السيناريوهات المتوقعة

السيناريو الأول: فرض “مجلس السلام” أمر واقع في غزة إداريًا وأمنيًا؛ إذ يغدو المجلس مجرد صندوق مالي وهيئة إدارية تحت الوصاية الأمريكية والإسرائيلية، تركز على حلول اقتصادية جزئية، دون إيجاد حل سياسي شامل، مع استبعاد أي دور لفصائل المقاومة أو حتى للسلطة الفلسطينية.

وهذا ما أفصحت عنه خطة جاريد كوشنر (صهر ترامب) التي تتضمن بناء حوالي 180 برجًا في الشريط الساحلي لغزة، وتخصيص قلب القطاع لمجموعات صناعية ومراكز بيانات كبرى، دون التطرق لإعادة المواطنين إلى منازلهم.

إضافة إلى بناء شبكة طرق حلقية دائرية تلتف حول الكتل السكانية؛ بهدف التحكم الأمني وتسهيل تقسيمها إلى مناطق معزولة عن بعضها.

السيناريو الثاني: أن يفشل المجلس في جمع التمويل اللازم من الدول الأعضاء، مما يؤدي إلى تجميد نشاطه أو تحوله إلى مجرد هيكل إداري بلا تأثير عملي، لاسيما إذا حدثت صدامات مع فصائل المقاومة الفلسطينية.

السيناريو الثالث: أن يتخذ المجلس من قطاع غزة منطلقا للتوسع الإقليمي والتدخل في نزاعات إقليمية أخرى، مستغلا صلاحياته الواسعة، مما ينذر يتفكك تدريجي لدور الأمم المتحدة في الشرق الأوسط.

الخلاصة

يسعى مجلس ترامب إلى تثبيت ما أفرزته القوة وتدوير نتائج الحرب سياسيًا، وتبييض جرائم الإبادة وتحويلها من مأزق أخلاقي إلى مبادرة متدثرة بالإنسانية ذات عناوين ناعمة، تفضي إلى تشكل نظام وصاية جديد يتوخى إعادة صياغة الإقليم؛ ليغدو أكثر طوعًا وخضوعًا للهيمنة الصهيوأمريكية.

ومن هنا فإن مجلس ترامب، يمثل خطرًا حقيقيًا على المنطقة العربية بشكل عام، وعلى القضية الفلسطينية بشكل خاص، لاسيما في ظل انقسام البيت الفلسطيني الآخذ في التوسع.