لقاء باريس السوري الإسرائيلي… مقدمة لسايكس بيكو جديد

أحمد رفعت يوسف

كاتب ومحلل سياسي

 

عندما عقد لقاء باريس يومي 5 و 6 كانون الثاني/ يناير الجاري، بين ممثلين عن سورية وإسرائيل، برعاية أمريكية، كان يعتقد أنه يستهدف منه استكمال محادثات التطبيع، بين الحكومتين السورية و “الإسرائيلية” ليتبين فيما بعد، أن للقاء أهدافًا أبعد من ذلك بكثير، ويمكن اعتباره واحدًا من سلسلة لقاءات ومشاورات؛ لرسم مشروع سايكس بيكو جديد في المنطقة، وهو بذلك يشبه مفاوضات فرساي عام 1918، التي يجري فيها تقاسم المشرق العربي، وإطلاق علمية سايكس بيكو، التي رسمت خريطة المنطقة على مدى أكثر من مئة عام، واستهدف بشكل خاص سورية (بلاد الشام)، وبقيت حتى انتهت مفاعيل هذه المرحلة، وبدأ العمل لسايكس بيكو جديد، من سورية بلاد الشام أيضًا.

هذا يؤكد، دور سورية الجيوسياسي، بوصفها المفتاح والبوابة لمنطقة شرق المتوسط وغرب آسيا، وهي المنطقة التي عرفت على مدى التاريخ أنها المؤشر على صعود وهبوط الإمبراطوريات والدول العظمى.

الشكل الذي عقد فيه اللقاء ونوعية ومستوى الوفود يعطي الكثير من المؤشرات والقراءة لمضمونه؛ إذ حضرت الولايات المتحدة الأمريكية بوفد رفيع، مكون من المبعوث الأمريكي إلى المنطقة ستيف ويتكوف، والمبعوث الأمريكي إلى سورية توم باراك، وصهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنير، الذي يؤدي دورًا رئيسًا في تنفيذ سياسات ترامب، وهذا يؤكد الأهمية التي توليها واشنطن للقاء؛ إذ تجري هندسة المنطقة وفق مصالحها الاستراتيجية، وضمان هيمنتها عليها؛ للتفرغ للصين.

كان الجانب السوري مُمَثَّلًا بوفد رفيع المستوى، برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني، ورئيس الاستخبارات حسين السلامة، وهذا يؤكد الأهمية التي توليها السلطة السورية لمثل هذه اللقاءات؛ لتعزيز سلطتها، واكتساب الدعم من الدول المؤثرة؛ لحل ما تواجهه من معضلات في الداخل السوري، وفق رؤيتها.

أما الوفد الإسرائيلي فقد ضم مستوى منخفضًا، قياسًا بالوفدين السوري والأمريكي، مكونًا من مسؤولين من الصف الثاني، برئاسة سفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل لايتر، والسكرتير العسكري لنتنياهو رومان جوفمان، والقائم بأعمال مستشار الأمن القومي جيل رايش، وهذا يؤكد أن إسرائيل ذهبت إلى اللقاء لا لتناقش أو تفاوض، وإنما فقط لتملي مطالبها على الجانب السوري؛ لأنها تعمل وفق معطيات الميدان، وليس غرف التفاوض، وحالها يشبه ما قاله هارون الرشيد مخاطبًا غيمة تسير وهي محملة بالمطر: “أمطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك”.

لم يقتصر لقاء باريس على الحضور حول الطاولة، وإنما كان هناك حضور آخرون، لا يقلون أهمية عن الموجودين في غرفة التفاوض، ففرنسا كانت موجودة خلف الكواليس، بوصفها الجهة المستضيفة للقاء، وتحاول أن تستعيد بقايا حلم موعود وأمل مفقود من إمبراطورية آفلة ولن تعود.

أما بريطانيا فقد كانت الغائب الأكثر حضورًا، بوصفها تشكل دماغ المنظومة الاستعمارية الغربية، ومطبخ الأفكار والمشاريع لهذه المنظومة، وهي التي تضع جدول الأعمال والمواضيع التي سيناقشها الحضور، وهي التي تمسك بتلابيب السلطة في دمشق.

أما اللافت أكثر فكان متابعة وزير الخارجية التركي حقان فيدان للقاء، من خارج غرفة المفاوضات، وهذا يؤكد الأهمية القصوى الذي توليه تركيا للوضع في سورية باعتبار أن ما يجري في سورية سيجري تطبيقه في تركيا.

هذه التوليفة حول الوفود تعطي صورة لما انتهت إليه مناقشات باريس، التي تُعد البداية لما يخطط له، وهي:

  1. إنشاء خلية تنسيق “Fusion cell” بإشراف أميركي؛ لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وربط الأمن بالدبلوماسية.
  2. منطقة اقتصادية “منزوعة السلاح” تفتح مسارات تعاونٍ مدني (الطاقة والزراعة والصحة) تكون ضمانة لإشراف إسرائيلي مديد على الجنوب السوري، وصولًا حتى التنف؛ إذ تتواجد القاعدة الأمريكية عند مثلث الحدود السورية الأردنية العراقية.
  3. إسرائيل بقيت مصرة على كل مطالبها الأمنية والسيادية في الأراضي السورية، حيث منطقة عازلة ومنزوعة السلاح، تمتد من الحدود مع فلسطين المحتلة حتى حدود دمشق، مع الطلب من السلطات السورية بنسيان المنطقة المحتلة في الجولان، التي اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضمها إلى الكيان الإسرائيلي، مع بقائها في المناطق التي سيطرت عليها خارج هذه المنطقة، بعد سقوط نظام الأسد، التي تشمل المناطق التي انسحبت منها “إسرائيل” بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 والاتفاق الأمني الذي جرى بين الجانبين في العام 1974.

الغريب أن وزارة الخارجية السورية سارعت بتوزيع خريطة لسورية بدون الجولان المحتل، وأتبعه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بتصريح يؤكد على الخريطة بداعي الواقعية.

تتمة لقاء باريس وما نتج عنه من ترتيبات، رأيناها على الأرض مباشرة؛ إذ أوقف وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني -وبشكل مفاجئ- مفاوضات كانت تجري في دمشق، بين قائد تنظيم سورية الدمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، والوفد السوري برئاسة وزير الدفاع مرهف أبو قصرة؛ ليتدخل الشيباني ويوقف اللقاء، ولتبدأ في اليوم التالي معركة حلب، وما تلاها في دير حافر والرقة ودير الزور؛ إذ يجري رسم حدود المنطقة، التي تسيطر عليها قسد، مقدمة لترتيب الوضع في عموم سورية، وفق ما يجري رسمه في مشروع سايكس بيكو الجديد؛ ليجري تعميمه على كل المنطقة بعدها، بما فيها تركيا.

هذه القراءة لنتائج لقاء باريس، أكدها الصحفي الإسرائيلي (إيدي كوهين) عندما قال: إنه ستليها “مفاجآت كثيرة” كما أكدها وزير الاتصالات الإسرائيلي السابق (أيوب قره)، وأكدها أيضًا المحلل السياسي والأمني في صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية (أمين أيوب) الذي قال: إن “وراء قمة باريس تكمن صفقة تنسيق تكتيكية بين إسرائيل وسوريا، وليست اختراقًا للسلام…، وإسرائيل تبني سياسة الشك الاستراتيجي، التي تعطي الأولوية للردع على الثقة الدبلوماسية…، ويجب على إسرائيل الحفاظ على وجودها العسكري الحالي في المنطقة العازلة، وعلى قمة جبل الشيخ…، والحفاظ على تفوقها العسكري، واستراتيجية الضربة الاستباقية، ووحده الضغط العسكري المستمر، ووجود منطقة عازلة كفيلان بضمان عدم تحول تجربة الشرع إلى التهديد الوجودي التالي، على الحدود الشمالية لإسرائيل.

الفارق الكبير بين سايكس بيكو الأول وما يجري اليوم، هو أن الأول كان تنفيذه بجيوش أجنبية؛ إذ جاءت فرنسا وبريطانيا وسيطرتا عسكريًا على المنطقة كلها، وكان من أهم نتائج هذه المرحلة إقامة الكيان الصهيوني، وسيطرة تركيا على ما يعادل نصف مساحة سورية، وسلخها لواء إسكندرون، أما سايكس بيكو الجديد فتتكفل بتطبيقه جيوش وفصائل [ جهادية ] عربية وإسلامية، بدون أن تراق دماء الجنود الأمريكيين والغربيين.

وبعد باريس، لنتابع ما سيعقد من لقاءات لاحقة، وما يجري تطبيقه على الأرض.

 

كاتب