عندما جرى تعيين توم باراك، مبعوثًا للولايات المتحدة الأمريكية في سورية، برزت إلى الواجهة عدة أفكار وملاحظات:
- هو من أصل لبناني (شامي)، ومن ثَمَّ يعرف تفاصيل المنطقة وتركيبتها الجغرافية والديمغرافية، وهذا مختلف في ذلك عن معرفة المستشرقين من زياراتهم ودراستهم لها.
- خبير بالشأن التركي وتعقيداته عن طريق عمله سفيرًا لواشنطن في أنقرة.
- قربه من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتياره الأمريكي المختلف في أفكاره ومشاريعه عن اليمين الأمريكي المحافظ.
وعندما بدأ باراك عمله، تبين أنه لم يكن مبعوثًا إلى سورية فقط، وإنما تنطبق عليه أكثر تسمية مندوب سامي أمريكي في سورية ولبنان والأردن والعراق وفلسطين المحتلة وتركيا، ولم يكد يبدأ عمله حتى بدأت تظهر منه تصريحات تبيَّن منها أنه يحمل مشروعًا أبعد بكثير من الملف السوري، ويتضمن إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة كلها.
بدأ باراك مهمته بالحديث عن أخطاء اتفاقية سايكس بيكو، التي ورثت الإمبراطورية العثمانية، وقسمت بلاد الشام والرافدين وفق مصالح الفرنسيين والبريطانيين والمشروع الصهيوني، بصرف النظر عن مصالح شعوب المنطقة.
كما تحدث عن فشل دول المنطقة في الوصول إلى مفهوم الدولة، وقال: “لا توجد دول في الشرق الأوسط، هناك قبائل وهناك قرى…، تأسست الدول القوميّة على يد البريطانيين والفرنسيين عام 1916 بمعاهدة سايكس بيكو، قالوا: سنأخذ ما كان يُعرف بالإمبراطوريّة العثمانيّة، ونرسم خطوطًا مستقيمة حولها، وسنطلق عليها اسم الدول القوميّة، لكن الشرق الأوسط لا يسير على هذا النحو، يبدأ الأمر بالفرد والعائلة، ثم القريّة، ثم القبيلة، ثم المجتمع، ثم الدين، وتأتي الدولة القوميّة في المرتبة الأخيرة، وهذا ما أعنيه عندما كنت أتحدّث عن أن السلام في الشرق الأوسط هو مُجرّد وهم؛ لأنه من الصعب جمع 27 دولةً قوميّة، وأكثر من 110 مجموعة إثنيّة، في خط سياسي واحد، ما يمكن أن يوحّد الناس في النهاية، هو في جعل حياتهم وحياة أبنائهم أفضل”.
كما تحدث عن أخطاء سايكس بيكو فيما يخص لبنان بوصفها كيانًا مستقلًا، وتحدث عن إمكانية ضمه إلى سورية، وعن تجاهل الاتفاقية لحقوق خمسين مليون كردي.
المشكلة الحقيقية هي أن الوقائع على الأرض تؤكد أن تصريحات باراك تحمل الكثير من الحقيقة؛ إذ فشلت الدول العربية في تشكيل دولة مواطنة راسخة، لتأتي عاصفة الربيع العربي وتعيدها إلى عصر القبيلة والعشيرة، والمشكلة الأكبر أن هذه النظرة إلى منطقتنا يتساوى فيها كل الغرب الاستعماري منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية، وما تلاها من المشارع الغربية للسيطرة على المنطقة منذ سايكس بيكو إلى توم باراك، أما الحقيقية الأكبر- التي يتجاهلها الغرب الاستعماري سواء البريطاني أم الفرنسي سابقًا أم الأمريكي حاليًا- فهي دوره في منع قيام دول عربية راسخة ومستقرة، لاسيما في بلاد الشام ومصر والعراق، على رغم أنها كانت في بدايات استقلالها تحمل الكثير من مقومات الدول، وكل ذلك خدمة للمشروع الصهيوني، ثم أوصلوها بعد الربيع العربي إلى حافة الانهيار؛ تمهيدًا لإعادة تشكيلها وفق مشارع جديدة ترث سايكس بيكو، وهو ما ظهر بوضوح من طرح مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي جاء به اليمين الأمريكي المحافظ، وبدأ بتنفيذه منذ وصوله إلى البيت الأبيض مع إدارة الرئيس جورج بوش الابن عام 2000، الذي كان يريد إعادة تقسيم المنطقة على أسس عرقية وطائفية، لكن هذه الخطة انحسرت بعد الفشل في غزو العراق وأفغانستان وفي إسقاط سورية خلال ثلاثة أشهر كما كانون يتوقعون، وامتداد أزمتها أكثر من أربعة عشر عامًا، وما رافق ذلك من تغيرات في العمق، في توازنات القوى والقوة في المنطقة والعالم، وكان أبرزها صعود الصين اقتصاديا وسياسيا، وصعود روسيا عسكريا، وتراجع الأهمية الجيوستراتيجية لأوروبا، وما رافقها -أيضًا- من حروب وأحداث كبيرة، كما في أوكرانيا، والانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وطوفان الأقصى في فلسطين المحتلة، وتأكد فشل الخيار العسكري في حسم هذه الصراعات، وهو ما أدى إلى سقوط اليمين الأمريكي المحافظ وأفكاره، ومهد الطريق للترامبية وتيارها، التي تريد ضمان الهيمنة الأمريكية على العالم، انطلاقًا من الهيمنة على منطقة شرق المتوسط، وغرب آسيا؛ بهدف كبح جماح الصين، التي تُعد العدو الأول لقيادة أمريكا في العالم، سياسيًا واقتصاديًا.
هذه التطورات الدراماتيكية العميقة -في المنطقة والعالم- تعطي أهمية خاصة للتطورات في سورية، بوصفها مفتاح المنطقة، ولمهمة باراك وما يقوله، بوصفه يعكس الرؤية الحقيقية للسياسة الأمريكية ومخططاتها في عموم المنطقة، بعد ما وصلت مفاعيل خارطة سايكس بيكو إلى نهايتها، بعد ما حكمت المنطقة أكثر من قرن من الزمن، ولا بد من مشروع جديد لتعبئة الفراغ الذي أوجدته هذه النهاية، وهو ما حاول مشروع الشرق الأوسط الجديد أن يقوم به.
على رغم سقوط اليمين الأمريكي المحافظ، ومشاريعه السياسية والعسكرية، لكن هذا المشروع لم ينته مع الترامبية، وإن كانت قد اختلفت الطريقة والأدوات، بين اعتماد الخيار العسكري وإعادة تقسيم المنطقة على أساس عرقي وديني، كما كان يرى اليمين الأمريكي المحافظ، أو على أساس الفيدراليات والاقتصاد والتنمية، كما ترى الترامبية، لكن المواجهات الأخيرة، بين قوات [الحكومة] السورية وتنظيم سورية الديمقراطية (قسد) ذات الأغلبية الكردية، التي انحازت فيها أمريكا (باراك) إلى جانب دمشق، وإنهاء دور (قسد) وما رافقه من تأكيد أمريكي، على تفضيل التعاون مع الدول، وما يتطلبه ذلك، من إنهاء دور التنظيمات والأحزاب المقاتلة وشبه المستقلة، كما في حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، أعاد خلط الأوراق من جديد، وأضفى المزيد من الضبابية على الرؤية الأمريكية النهائية للخريطة الجيوسياسية التي تريدها للمنطقة، كما أن الصراع بين المشروع الترامبي للمنطقة وبين المشروع الإسرائيلي الذي يريد تقسيم سورية والمنطقة، وعدم حسم الصراع التركي الإسرائيلي على النفوذ والسيطرة في سورية، يزيد من التشويش في الصورة، التي لا تزال في مرحلة رسم ملامحها النهائية.
على رغم هذا التشويش، يمكن التأكيد أن المنطقة تتغير بأسرع مما هو متوقع، في مثل هذه التغيرات الجيوسياسية العميقة، وأن المنطقة- من الآن وإلى سنوات قليلة- لن تكون خارطتها الجيوسياسة كما هي الآن، وسيكون توم باراك، رمز هذا التفكيك الجديد، الذي سيذكره تاريخ المنطقة مستقبلًا، كما نذكر سايكس بيكو اليوم.