منذر المقطري
شهدت محافظة حضرموت -منذ أواخر نوفمبر الماضي- تصعيدًا عسكريًا بين قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة إماراتيًا، وقوات حكومة المنفى المدعومة سعوديًا، في سياق تنافس الرياض وأبو ظبي على السيطرة على المحافظة الأكبر والأغنى بالموارد النفطية وموقعها الجيوسياسي. وعلى وقع هذه التطورات، تناولت وسائل إعلام غربية ومراكز دراسات استراتيجية صهيونية آثار هذه المواجهات وتداعياتها المحتملة في مستقبل الوحدة اليمنية، وإعادة تشكيل موازين القوى السياسية والعسكرية فيها.
ينظر الإعلام الغربي والأمريكي، ومعه مراكز الدراسات الاستراتيجية داخل الكيان الإسرائيلي، إلى سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظتي حضرموت والمهرة، أنها تحول استراتيجي بالغ الأهمية يجب الاستفادة منه، سواء على الصعيد الأمني أم الجيوسياسي أم الاقتصادي.
في هذا السياق، يتبنى الإعلام الغربي خطابًا واضحًا يدعم التحركات الأخيرة للمجلس الانتقالي، وسيطرة قواته – المدعومة إماراتيًا – على المحافظات الشرقية، ويقدّمها على أنها خطوة مهمة في إعادة تشكيل الخارطة السياسية اليمنية، تمهيدًا لانفصال الجنوب، والحصول لاحقًا على اعتراف دولي.
القضية الجنوبية في ميزان الإعلام الغربي:
يتداول الإعلام الأمريكي والغربي، إلى جانب مراكز الأبحاث الاستراتيجية، أطروحات متزايدة حول إمكانية دعم ما تصفه بـ “كيان جنوبي مستقر”، بل والذهاب أبعد من ذلك إلى الاعتراف الدولي بانفصال الجنوب، عن طريق إعادة هندسة اتفاق الرياض بما يمنح المجلس الانتقالي شرعية سياسية وقانونية أوسع.
ويُنظر إلى دعم نفوذ المجلس الانتقالي – أنه قوة عسكرية منظمة وموحدة، تسيطر على شريط ساحلي ممتد على بحر العرب وخليج عدن – بوصفه خيارًا استراتيجيًا منخفض التكلفة بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها، سيحقق لها أهدافا مهمة بوصفها حماية الممرات البحرية الحيوية من “تهديدات صنعاء”، وتقليص الحاجة إلى وجود عسكري أمريكي مباشر، كذلك الاعتماد على “الحلفاء الإقليميين” في إدارة الملف الأمني.
وفي هذا الإطار، أوصت بعض مراكز الدراسات الغربية بضرورة العمل المشترك مع قوات الانتقالي المدعومة إماراتيًا، في انسجام مع رؤية أمنية إقليمية أوسع، تتقاطع مع مصالح الكيان الإسرائيلي، لاسيما فيما يتعلق بالسيطرة على الموانئ والممرات البحرية الحيوية. وبشر (معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي) بـ ” نهضة جنوب اليمن من جديد “.
أزمة محلية أم صراع إقليمي؟
تتفق مراكز الدراسات الإسرائيلية مع الخطاب الإعلامي الغربي في وصف طرف الحكومة المدعومة من السعودية بـ”تحالف ضعيف ومفكك”، غير قادرة على إدارة الصراع أو فرض سيطرته على الأرض، ومن هذا المنطلق، يجري توصيف الأزمة الجنوبية على أنها أزمة محلية متراكمة تعود جذورها إلى ما بعد حرب صيف 1994 وسياسات الإقصاء التي طالت الجنوب حد تقديرهم، مع الإقرار – في الوقت ذاته – بتأثير التنافس الإقليمي في تعقيد مسارات الصراع.
ويرى الإعلام الغربي أن سيطرة الانتقالي على حضرموت والمهرة يمثل إحدى ساحات صراع النفوذ غير المباشر بين الرياض وأبو ظبي؛ ففي حين لا تزال السعودية – نظريًا – متمسكة بخيار يمن موحد، تختار الإمارات دعم مشروع انفصال الجنوب، بما يسمح لها بإعادة تشكيل موازين النفوذ، وتقليص الدور السعودي في المشهد السياسي اليمني.
دوافع طرفي الصراع
يسعى المجلس الانتقالي إلى تقديم نفسه أمام القوى الدولية بوصفه كيانًا عسكريًا منظمًا وقابلًا للاعتماد عليه ضمن منظومة التحالف الغربي–الإقليمي في مواجهة صنعاء. وتمنحه سيطرته على السواحل الجنوبية والشرقية أهمية استراتيجية مضاعفة، بوصفه فاعلًا رئيسًا في تأمين الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن.
وتنبع هذه الأهمية من عدة عوامل منها توظيف قدراته نحو تأمين الممرات البحرية الدولية، كذلك الأهمية الجيوسياسية لمواقع مثل عدن وسقطرى، بوصفها مواقع متقدمة للرصد الاستخباراتي والتجسس العسكري على قوات صنعاء، إلى جانب استعداده السياسي للانخراط في ترتيبات إقليمية جديدة، بما في ذلك الاعتراف بالكيان الإسرائيلي والانضمام إلى اتفاقيات “إبراهام” (وكان ملاحظ في وقت سابق أن مراكز البحوث والدراسات الغربية والصهيونية وضعت في توصياتها أنه يجب فتح خطوط تواصل مع خصوم حكومة صنعاء، وأن المجلس الانتقالي يعد شريكا محتملًا وأداة مُفضلة في السيطرة على باب المندب).
اقتصاديا، تمنح السيطرة على المحافظات النفطية المجلس الانتقالي ورقة ضغط تفاوضية قوية في أي تسوية سياسية مستقبلية مع صنعاء، وتعزز قدرته على فرض شروطه في ملفات تقاسم الثروة والسلطة.
من جهتها تدرك حكومة العليمي المدعومة من السعودية، أن سيطرة المجلس الانتقالي على حضرموت والمهرة تعني خسارة مضاعفة سياسيًا واقتصاديًا؛ إذ يضع الانتقالي يده على ما يقارب 80% من المناطق النفطية، فضلًا عن حساسية موقع محافظة حضرموت بالنسبة للأمن القومي السعودي، بوصفها عمقًا استراتيجيًا وممرًا حدوديًا مهما.
التأثيرات في صنعاء:
يرى الإعلام الغربي أن تعمّق الصراع في الجنوب يخدم – بصورة غير مباشرة – موقف صنعاء عسكريًا وسياسيًا، عن طريق إضعاف معسكر خصومها وتشتيت جهودهم.
وفي المقابل، تطرح بعض مراكز الدراسات الأمريكية سيناريو إعلان “استقلال الجنوب” من الناحية القانونية، لكنه يبقى مشروطًا بدعم سعودي وأمريكي واضح، خشية أن يؤدي الانفصال إلى فراغ استراتيجي قد تستغله إيران لتوسيع نفوذها، وبمعنى آخر، فإن الاعتراف بدولة جنوبية مستقلة قد يعني – ضمنيًا – تكريس واقع دولتين، والاعتراف العملي بدولة شمالية تحت حكم أنصار الله.
يبقى المشهد السياسي والعسكري في الجنوب مفتوحًا على عدة سيناريوهات، منها تعميق الانفصال وفرض واقع سياسي وأمني جديد على الأرض يصل حد دعم الانفصال والدفع باتجاه اعتراف دولي، أو إعادة تشكيل الوحدة اليمنية بصيغة جديدة، تفرضها توازنات القوى الإقليمية والدولية.
وفي خلفية هذه السيناريوهات، تبرز رؤية إسرائيلية–إماراتية موحدة تقوم على تعزيز نفوذ أبو ظبي في سواحل البحر الأحمر وجنوب اليمن والقرن الإفريقي، عن طريق السيطرة على الموانئ التجارية، والممرات البحرية الحيوية، وإنشاء قواعد عسكرية وأنظمة رادار متقدمة، بما يوفّر قدرات تجسسية واسعة النطاق، يجري فيها دمج أمن الاحتلال الاسرائيلي ضمن بنية الإمارات، ويعيد الأمن البحري في المنطقة.