إبراهيم يحيى الحكيم
برز أخيرًا متغيرٌ لافت، تجاوز الصوت الخافت، وبدأ موقف إرتيريا يأخذ لونًا بعدما ظل رماديًا في السنوات العشر الأخيرة، حيال العدوان على اليمن، قبل وأثناء خوض اليمن معركة «طوفان الأقصى» وإسناده غزة ومقاومتها، بعمليات حظرت الملاحة البحرية للعدو الإسرائيلي، وسعت بقوة إلى حظر ملاحته الجوية.
المتغير الجديد، هو إعلان الرئيس الإرتيري، إسياس أفورقي، قبل أيام، موقفًا قويًا لبلاده من المساعي الحثيثة لقوى الهيمنة الدولية والإقليمية، إلى عسكرة البحر الأحمر، تحدث صراحة عن مؤامرات إقليمية ودولية لفرض هيمنة أجنبية على هذا الممر البحري المهم، بـإنشاء قواعد عسكرية أجنبية.
بدا أفورقي، واعيًا لما يدور، فعدَّ حرب السودان غزوًا أجنبيا، والعدوان على اليمن طموح احتلال، وتقسيم الصومال «بلقنة»، وامتدادًا للمؤامرة على منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي وباب المندب وخليج عدن، وصولًا إلى سقطرى، بوصفها منطقة مترابطة جيوسياسيًا واستراتيجيًا.
شخّص الرئيس الإرتيري، المؤامرة بقوله: «ما يثير القلق اليوم هو محاولة قوى خارجية ترسيخ مواقع هيمنة في هذه المنطقة تحديدًا. هناك جهود لإنشاء قواعد في سقطرى، وهي جزء من اليمن وتقع في القرن الإفريقي، وبالمثل، محاولات لبناء قواعد في جزيرتي ميون وزقر بمضيق باب المندب».
الأهم في مقابلة أفورقي مع تلفاز إرتيريا، هو النظرة العامة لما يدور، فقد تحدث عن أنه بالنظر إلى هذه الجغرافيا -من سقطرى إلى ميون- ومحاولات بلقنة الصومال، يتضح أن الهدف النهائي هو تهيئة مناخ ملائم لإنشاء قواعد عسكرية أجنبية في هذه المنطقة؛ لتحقيق أهداف سياسية معينة.
لهذا لم يفصل بين ما يُحاك للمنطقة والعدوان على اليمن، وقال: «ينبع عدم الاستقرار في اليمن- في جوهره- من طموح القوى العالمية لترسيخ وجود عسكري في اليمن وجزره ودول منطقة القرن الإفريقي برمتها. تُشكل هذه المؤامرات خطرًا مستمرًا على البحر الأحمر وخليج عدن وسواحل المحيط الهندي».
أما الموقف الإرتيري، حيال هذا، فلخصه أفورقي بقوله: إن «أمن البحر الأحمر مسؤولية الدول المطلة عليه»، و«لا توجد قوة خارجية يمكنها أن تحل محل القدرات الداخلية لكل دولة ساحلية»، و«يجب أن تلتزم كل دولة ساحلية وشعبها بمبدأ حماية مواردها البحرية، بوصفها كيانًا ذا سيادة عن طريق قدراتها الداخلية».
في المقابل، أيد أفورقي أن «تكون هناك آلية تعاون بين الدول الساحلية لتوحيد قواها وتأمين هذا الممر المائي الدولي بشكل جماعي عن طريق إطار قانوني ومؤسسي مشترك»، واستدرك قائلا: «في حال عجز هذه الدول، قد يكون هناك دور للتعاون الدولي ضمن حدود القانون الدولي وفي إطار قانوني واضح».
لكنه حذر من انفراد كل دولة مطلة على البحر الأحمر بإبرام اتفاقيات مع القوى العظمى أو دول المنطقة بحجة حماية أراضيها البحرية، معتبرًا هذا غير مقبول لما يحمله من تعقيدات وتحديات إضافية، علاوة على تأكيده أن هذه العملية لا تتطلب قواعد عسكرية أجنبية أو تدخل قوى إقليمية أو عالمية، بل دول المنطقة بنفسها.
الوعي الإرتيري في ظل التآمر القائم، يتجلى أكثر في إعلان أفورقي- صراحة- أنه: «خارج هذه الرؤية، لا مبرر لمقترحات إنشاء قواعد عسكرية أجنبية أو لتدخلات عسكرية مباشرة تستهدف أي دولة مطلة على البحر الأحمر بحجة حماية أمن الممر البحري، هذه التدخلات غير قانونية وغير مقبولة، ولن تكون مثمرة».
قد يبدو هذا التحول بنظر بعضهم ردًا على الضغوط الإثيوبية – الإسرائيلية على إرتيريا، لكنه يبدو موقفا واعيًا لعواقب استقدام أي قوات أجنبية، خصوصًا بعد تجربة إرتيريا تأجير ميناء عصب لدولة الإمارات، واستخدام الأخيرة له في أنشطتها العدوانية باليمن والصومال والسودان، قبل إلغاء اتفاقية التأجير.
أيضًا، قد يبرز بنظر بعضهم البحث عن دور، دافعًا لهذا التحول في الموقف الإرتيري تجاه ما يدور من تنافس تحشيد وعسكرة للبحر الأحمر، وربما دعا هذا بعضهم إلى اختزال التحول الإرتيري في محاولة جذب أنظار واستجداء دور في التنافس الدولي، باعتبار إرتيريا دولة تعتمد اقتصاديًا على موقعها.
عمليًا، المقومات الجيوسياسية لموقع إرتيريا وساحلها الطويل على البحر الأحمر تفرض أن تكون لاعبًا أساسيًا في هذا الممر الدولي الاستراتيجي. صحيح أن المتغيرات السياسية التي مرت بها إرتيريا، أثرت في قدرات الدولة وجعلتها تنكفئ وتُوارى عن الاضطلاع بهذا الدور، بل والخضوع بدافع الحاجة لاتفاقيات تأجير موانئها.
لكن تراجع إرتيريا عن هذا الخطأ الاستراتيجي، وإلغاءها اتفاقية تأجير ميناء عصب لدولة الإمارات، يعزز التحول في الموقف الإرتيري، ويؤكد توجهها إلى استعادة دورها في البحر الأحمر، واستشعارها مخاطر فرض حصار عسكري عليها بقواعد عسكرية أجنبية في جزر ميون وزقر وأرخبيل حنيش اليمنية.
يضاف إلى هذا، تصريح أفورقي بتأييد موقف مصر الثابت والمتجدد إعلانه طوال عامي «طوفان الأقصى» في وجه الضغوط الأمريكية الصهيونية، بقوله: «إن كلًا من إرتيريا ومصر على استعداد للاضطلاع بدورهما في تعزيز بيئة تعاونية بين دول البحر الأحمر، تضمن بقاءه ممرًا مائيًا عالميًا».
كان دقيقًا وعميقًا، أن يختم الرئيس أفورقي حديثه عن التهديدات المحدقة، بقوله: «من هذا المنظور، ومع مراعاة العمق الاستراتيجي والترابط بين دول هذه المنطقة، فإن ضرورة التعاون والتضامن الإقليمي بين شعوبها وحكوماتها واضحة وضوح الشمس، وهذا ليس خيارًا، بل واجبًا تاريخيًا».
يأتي هذا الإعلان الإرتيري، لهذا التحول في الموقف حيال مجريات الأحداث في البحر الأحمر، عقب زيارة رسمية نفذها إلى جمهورية مصر العربية، استمرت خمسة أيام (٣٠ أكتوبر – ٤ نوفمبر ٢٠٢٥)، تجاوزت غايتها المشاركة في افتتاح المتحف المصري الكبير، إلى إجراء محادثات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وصفت بأنها ذات أبعاد استراتيجية.
أكد هذا الرئيس أفورقي، بقوله: «تكتسب العلاقات الثنائية أهميةً من حيث أبعادها وتداعياتها الإقليمية، ولا تقتصر مجالات تعاوننا على القضايا الثنائية فحسب، بل ناقشنا أيضًا شؤون المنطقة والجوار الأوسع، بالإضافة إلى القضايا التي تؤثر في إفريقيا والمنطقة بشكل كامل، وتركز رؤيتنا الإستراتيجية المشتركة على كيفية الخروج من مستنقع التهميش والتدخلات الخارجية وعدم الاستقرار والحروب، والمساهمة في تهيئة بيئة مواتية لمواجهة هذه التحديات».
أكثر من هذا تصريح الرئيس الإرتيري عن أن المحادثات «تناولت جوانب تفصيلية للقضايا الراهنة والوضع السائد؛ لنتمكن من تجديد التزامنا، ووضع خطط مشتركة، وإشراك الآخرين لإشراك جميع أصحاب المصلحة في المنطقة، وشددنا على رفع مستوى الوعي الاستراتيجي، وتوضيح الأهداف، والاستفادة من الموارد المتاحة، وهي عملية تتطلب جهدًا متواصلًا».
ألمحت تصريحات أفورقي، إلى قرب إشهار تحالف إقليمي للدول المطلة على البحر الأحمر، لاسيما في قوله: إن «الثقافة السياسية التي نغرسها في علاقاتنا الثنائية والاستراتيجية بالغة الأهمية؛ لأن الأهداف طويلة المدى والتحديات جسيمة؛ لذا، تتطلب المهمة التنسيق بين الأهداف الإقليمية والسياق العالمي. ستستمر المشاورات الثنائية، فالعلاقة الاستراتيجية لا تقتصر على إصدار إعلان مشترك حول موقف مشترك، بل تتطلب عملًا جادًا وعمليًا؛ لتعزيز علاقات حقيقية في نهاية المطاف».
يشي هذا الإعلان الإرتيري عن الموقف والتوجه الجديدين لأسمرة والقاهرة، بتحول كبير في مسار التنافس بمنطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي واليمن، يعيد للواجهة مشروعًا يمنيًا قديمًا، جرى إجهاضه أمريكيًا وصهيونيًا عبر أدوات إقليمية، ضمن منافسات دولية للهيمنة والسيطرة على منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي واليمن ومضيق باب المندب وخليج عدن وصولا إلى أرخبيل سقطرى.
حدث هذا في نهاية سبعينيات القرن الماضي، عندما دعا اليمن إلى إنشاء تحالف دول البحر الأحمر، إبان رئاسة الراحل إبراهيم الحمدي، ومؤخرًا جدد اليمن بقيادة “أنصار الله” طرح جوهر المشروع وغايته، المتمثلة في رفض الهيمنة الأمريكية والغربية عموما على البحر الأحمر وعسكرته بحاملات الطائرات والأساطيل الحربية وإنشاء قواعد عسكرية في سواحله وجزره.
فعليًا، تنافس القوى الكبرى وسباقها بمضمار الهيمنة على هذه المنطقة- لاسيما اليمن ودول القرن الإفريقي- محموم منذ اكتشاف الشراع، لكن الجديد أن هذا السباق المسموم بات يتجاوز تفخيخ هذه الدول بالأزمات وفتن الحروب والتقسيم، إلى التنافس علنا على احتلالها سياسيا واقتصاديا وعسكريا! ما يتطلب تحالفات بينية جديدة بين دول المنطقة بما فيها اليمن، تحمي مصالحها في المقام الأول.
ويبقى الثابت أن المنطقة العربية عموما، ومنطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي واليمن، تشهد مخاضًا خطيرًا، بمواجهة تحديات ومخاطر جسيمة، تفرضها أجندات وأطماع قوى الهيمنة الدولية وأدواتها الإقليمية، ويحصر دول المنطقة بين مصيرين: إما الاحتلال والانهيار سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وإما الاستقلال والاستقرار والازدهار… فماذا تختار؟!