إبراهيم الحكيم
كاد اليمن والسعودية، قبل أكتوبر 2023م أن يوقعا اتفاق سلام، أفضت إليه مفاوضات مباشرة وغير مباشرة بين الجانبين في مسقط وصنعاء والرياض، استمرت عاما ونيف بوساطة من سلطنة عمان، ودفع من الرئيس الأمريكي جو بايدن.
لكن اندلاع معركة “طوفان الأقصى”، وإعلان اليمن بقيادة “أنصار الله”، تأييده وإسناده للمعركة، وتداعيات ذلك الدولية؛ حالت دون التوقيع رسميا على الاتفاق، حتى بعد إعلان الأمم المتحدة رسميا تبنيها الاتفاق، نهاية ديسمبر 2023م.
الاتفاق الذي احتفى به الإعلام السعودي وتوزع على ثلاث مراحل، تبدأ بمعالجات سريعة لقضايا ملحة في كل من الملفين الإنساني والاقتصادي، ثم الملف العسكري، فالملف السياسي؛ سمَّي “خارطة الطريق للسلام الشامل في اليمن”.
ظلت السعودية، متمسكة بدعم الاتفاق، وضغطت على الفصائل اليمنية الموالية للتحالف السعودي الإماراتي في اليمن، لإعلان موافقتها على “خارطة السلام”، أمام تفاقم أزمتها الاقتصادية بعد إيقاف صنعاء تصديرها للنفط، مطلع 2023م.
مارست الولايات المتحدة الأمريكية، ضغوطا كبيرة على الرياض، للانخراط في حملتها العسكرية ضد اليمن بقيادة “أنصار الله”، والهادفة إلى إيقاف هجمات اليمن على الملاحة البحرية للكيان الصهيوني وقواعده العسكرية ومطاراته وموانئه.
عبَّرت عن هذه الضغوط زيارات متتالية نفذها قائد القوات الأمريكية المركزية في المنطقة (سنتكوم) إلى الرياض، وزيارات واتصالات بين ووزراء الخارجية والدفاع لكلا البلدين، وتصريح أمريكا برفض السعودية استخدام مرافقها العسكرية ضد اليمن.
بدا الدافع اقتصاديا للتحفظ السعودي ومثله الإماراتي، عن المشاركة المباشرة في حملة الرئيس جو بايدن (بوسيدون) ضد اليمن بقيادة “أنصار الله”، ثم الحملة الأمريكية البريطانية (حارس الرخاء)، فالحملة الأمريكية بعهد الرئيس دونالد ترامب (الراكب الخشن).
آثرت الرياض ومثلها أبوظبي، السلامة، وتجنب أي ردود فعل عسكرية لوح بها اليمن، كالتي دفعتهما لإبرام اتفاق الهدنة في اليمن مطلع ابريل 2022م، وطالت منشآت إنتاج النفط والغاز وموانئ تصديرهما والمطارات، وأحدثت أضرارا بالغة.
في هذه الأثناء، ألزمت السعودية والإمارات التشكيلات المسلحة اليمنية الممولة من كليهما بالهدنة المعلنة عبر الأمم المتحدة لثلاثة أشهر جرى تمديدها مرتين، ثم جعلها مفتوحة، أمام تحذيرات اليمن بطوفان يمني، إثر اندلاع “طوفان الأقصى”.
بالتوازي، مع إعلان الرياض تجميد عمليات تحالفها في اليمن وسعيها لاستبدال بزتها العسكرية بزي وسيط السلام في اليمن؛ عمَّدت إلى الدفع بوساطة صينية لإبرام اتفاق مصالحة مع إيران واستئناف كامل للعلاقات معها، مطلع مارس 2023م.
لكن الرياض، ورغم دخولها أزمة اقتصادية جراء استنزاف صندوقها الاحتياطي في مشاريع بنصف ترليون دولار، يتصدرها مشروع “مدينة نيوم”؛ لم تغفل الجانب العسكري، وأبرمت صفقات تسليح كبرى تركزت في مجال الدفاع الجوي، وأحدث منظوماته.
الآن، وبعد اتفاق إيقاف الحرب بين الكيان الصهيوني والمقاومة الفلسطينية في غزة، وبدء تنفيذ مرحلته الأولى والتزام اليمن به؛ عاد إلى الواجهة، حديث “السلام في اليمن”، عبر دعوة مجلس التعاون الخليجي اليمن بقيادة “أنصار الله” إلى دعم جهود إحلاله.
في المقابل، رد اليمن على الدعوة السعودية عبر مجلسها لتعاون دول الخليج مطلع أكتوبر 2025م؛ بدعوة النظام السعودي إلى “الانتقال من مرحلة خفض التصعيد إلى إنهاء العدوان والحصار والاحتلال وتنفيذ الاستحقاقات الواضحة للسلام، كون ذلك الحل الأقرب”.
ورد هذا في خطاب لرئيس المجلس السياسي الأعلى عشية الذكرى الثانية والستين لثورة “14 أكتوبر”، تعهد فيه بـ “مواصلة الدفاع عن اليمن حتى تحرير كل شبر من أراضي الجمهورية اليمنية وطرد كل محتل غاصب استباح ثروات الشعب وسفك دماء أبنائه”.
الخطاب ألقى الكرة في ملعب السعودية. ورغم التحركات اللافتة، السياسية والاقتصادية والعسكرية، محليا وإقليميا ودوليا، باتجاه الحرب على اليمن بقيادة “أنصار الله”، تحت عنوان “أمن المنطقة والملاحة الدولية”؛ إلا أن المتغير في موازين القوى يظهر جليا.
ويبقى الظاهر، أن دوافع لجوء الرياض إلى الهدنة في اليمن مطلع إبريل 2022م، ما تزال قائمة وبوتيرة أكبر. ما يجعل السعودية أمام خيارين: إما المضي في التوجهات الأمريكية الإسرائيلية لتفجير الحرب في اليمن، أو الأخذ بنصيحة زعيم “أنصار الله” لها: “لا تتورطوا”.