أسباب قادت إلى قطع العلاقات بين الجزائر والإمارات

أسباب قادت إلى قطع العلاقات بين الجزائر والإمارات

أسباب قادت إلى قطع العلاقات بين الجزائر والإمارات

أسباب قادت إلى قطع العلاقات بين الجزائر والإمارات
Picture of توفيق المديني

توفيق المديني

كاتب وباحث تونسي

أعلنت السلطات الجزائرية عن قطع العلاقات الدبلوماسية بين الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية ودولة الإمارات العربية، يوم الخميس 10 سبتمبر 2026، في أخطر تصعيد بين البلدين منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية في سبعينيات القرن الماضي، وقال التلفزيون الرسمي الجزائري: إنَّ القرار اتخذ بعد استنفاد جميع الوسائل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية…

وتبادلت الجزائر والإمارات افتتاح السفارات في منتصف سبعينيات القرن العشرين، وتوطدت علاقاتهما مدة رئاسة عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019) الذي أقام مدة طويلة في الإمارات بعد استبعاده من السلطة عقب وفاة الرئيس الأسبق هواري بومدين نهاية 1978.

وأصدرت وزارة الخارجية الجزائرية بيانًا جاء فيه: إزاء تزايد التصرفات الاستفزازية أو العدائية الصادرة عن دولة الإمارات العربية المتحدة، تحلت الجزائر بقدر كبير من ضبط النفس وبحس عالٍ من المسؤولية، ولم تدخر جهدًا – انطلاقًا من روح الاحترام الكامل للمبادئ التي تحكم العلاقات بين الدول، أي جهد – في لفت انتباه الجانب الإماراتي وتحذيره من العواقب الوخيمة التي قد تترتب عن سلوكياته المؤسفة وغير المبررة.

وشهدت العلاقات بين الجزائر والإمارات المتحدة توترًا شديدًا على خلفية الإجراءات التي اتخذها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يوم السبت 7مارس/آذار 2026بإلغاء الاتفاقية المتعلقة بالخدمات الجوية بين الجزائر والإمارات، الموقعة في “أبو ظبي” بتاريخ 13 مايو/آيار 2013، والمصادق عليها بموجب المرسوم الرئاسي الصادر في 30 ديسمبر/كانون الأول 2014.

في أسباب الخلافات بين الجزائر والإمارات

بحسب رأي الخبراء المتابعين للأحداث الجارية في منطقة المغرب العربي، تعود جذور الأزمة بين الجزائر والإمارات إلى عدة ملفات إقليمية.

أولًا: تزايد النفوذ الصهيوني في المغرب والصحراء الغربية:

من أكثر الأسباب التي خلقت توترًا في العلاقات بين الجزائر والإمارات، التقارب المتنامي بين الإمارات والمغرب، لا سيما فيما يتعلق بالدعم الإماراتي لمقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب لحل نزاع الصحراء في الوقت الذي تقف الجزائر في الطرف النقيض في هذه القضية.

وتواجه الإمارات والكيان الصهيوني اتهامات من قبل الجزائر بتقديم دعمٍ عسكريٍ للمغرب، إلى جانب تعزيز التعاون الاقتصادي باستثمارات ضخمة في إقليم الصحراء، كما تُتهم “أبو ظبي” بتزويد المغرب بأنظمة مراقبة وتجسس إسرائيلية حديثة، يُقال: إنَّها تستهدف الجزائر، وخلال السنوات الأخيرة، شهد التعاون العسكري بين “أبو ظبي” والرباط توسعًا ملحوظًا، ما زاد من مخاوف الجزائر.

 وترفض الجزائر علاقات التطبيع بين المغرب والكيان الصهيوني؛ إذ تُعد توسع الوجود الصهيوني في منطقة المغرب العربي والساحل تهديدًا مباشرًا لأمنها، وقطعت الجزائر علاقتها مع الرباط منذ 2021م عقب تصريحات أدلى بها وزير الخارجية الصهيوني آنذاك من الرباط أبدى خلالها قلقه بشأن تحالف الجزائر مع إيران، وترفض الجزائر انضمام الكيان الصهيوني إلى الاتحاد الإفريقي بصفة مراقب.

ثانيًا: تنامي الدور الإقليمي للإمارات في دول الساحل:

برزت خلافات أخرى مرتبطة بالتحركات الاقتصادية في إفريقيا، من بينها دعم “أبو ظبي” مشروع أنبوب الغاز المغربي – النيجيري، الذي يُنظر إليه في الجزائر مشروعًا منافسًا لمشروع أنبوب الغاز الجزائري – النيجيرين، بالإضافة إلى غضب الجزائر من نزول الإمارات بكل ثقلها الاقتصادي للاستثمار في الصحراء المغربية.

وفضلًا عن ذلك، تؤدي دولة الإمارات دورًا متزايد الأهمية في منطقة الساحل – لا سيما في مالي – باستثمارات اقتصادية، ومساعدات إنسانية وشراكات عسكرية وأمنية، وتمول الإمارات قوات دول الساحل لمحاربة الجماعات الجهادية والمعارضة، التي تُتهم الجزائر بدعم بعضها، وتتهم الجزائر الإمارات العربية المتحدة بتمويل أو تزويد المجلس العسكري الحاكم في مالي، الذي توترت علاقاته مع الجزائر منذ بداية 2025، بالمعدات العسكرية: الأسلحة المركبات المدرعة والطائرات بدون طيار، وفي السودان تدعم الإمارات قوات الدعم السريع، فيما تدعم الجزائر الجيش السوداني.

كما تشير التقارير الغربية إلى أنَّ الإمارات تدعم جزئيًا أنشطة شركة “فاغنر” الروسية في المنطقة، وفي يناير 2023، فرضت الخزانة الأمريكية عقوبات على إحدى هذه الشركات؛ بسبب دورها في نقل الأفراد والأسلحة والذهب من دول إفريقية، بما فيها مالي.

كانت الجزائر وسيطًا دوليًا لحل الأزمات في دول الساحل، لكن في مطلع 2024 انسحب المجلس العسكري الحاكم بمالي من اتفاقية الجزائر الموقعة في عام 2015 مع الجماعات المتمردة التي يقودها الطوارق، وهاجموا السلطة الجزائرية، واتهموها بالأعمال العدائية، ويرى الماليون أن هذا الفشل الاستراتيجي والدبلوماسي هو الأكثر مرارة وإذلالًا للجزائر منذ استقلالها، وتتويجًا لاستراتيجية منخفضة التكلفة تنتهجها الإمارات في منطقة الساحل.

ثالثًا: العمل على تقسيم الجزائر من خلال تقديم الدعم للبربر:

تتهم الجزائر دولة الإمارات بالتدخل في شؤون الجزائر الداخلية، وفق ما ذكرته صحيفة “الخبر”، المعروفة بقربها من السلطات الجزائرية، التي قالت: إن الإمارات العربية المتحدة مشتبه بها في دعم حركة تقرير مصير القبائل (ماك)، وهي حركة انفصالية مصنفة منظمة إرهابية في الجزائر.

ففي أيار/مايو 2025، شهدت العلاقات بين “أبو ظبي” والجزائر توترًا كبيرًا؛ إذ اندلعت بعد استضافة قناة فضائية إماراتية “سكاي نيوز عربية” للمؤرخ المثير للجدل محمد الأمين بلغيث، الذي نفى وجود هوية “أمازيغية” للجزائر، وقال: إنَّ “الهوية الأمازيغية هي مشروع صهيوني فرنسي”، واعتبرت السلطات الجزائرية هذا الأمر اعتداء على وحدتها الوطنية والاجتماعية والثقافية، ويُشار إلى أنه جرى الاعتراف بالأمازيغية لغة رسمية في الجزائر عام 2016، وفي عام 2017 جرى إضافة “يناير”، رأس السنة الأمازيغية إلى قائمة الأعياد الوطنية.

وحمل تلفزيون الدولة الرسمي آنذاك على الإمارات بأنها “تتحول إلى مصانع للفتنة وبث السموم الأيديولوجية” بين العرب والأمازيغ، وبحسب القناة الجزائرية، فإنَّ ما وصفته بـ “تصعيد إعلامي خطير” من دولة الإمارات حيث مقر “سكاي نيوز عربية”، “يتجاوز كل الخطوط الحمراء”.

وتشتبه السلطات الجزائرية بمحاولة إماراتية (إلى جانب المغرب والكيان الصهيوني) لزعزعة استقرار البلاد، ووضعها في حالة عدم استقرار دائم وحرب استنزاف كامنة مكلفة للغاية بالنسبة لاقتصادها، ولتحقيق هذا الهدف، يشتبه في أن الإماراتيين يمارسون لعبة مشبوهة في البلدان المجاورة، لا سيما في تونس وليبيا.

رابعًا: دعم اللواء المتقاعد حفتر في ليبيا:

تُعَدُّ الحالة الليبية مثالًا واضحًا في هذا الصدد؛ ففي حين تدعم الجزائر رسميًا حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة المدعومة من قطر وتركيا ودول أخرى، المعترف بها من قبل الأمم المتحدة والدول الغربية في طرابلس، تدعم “أبو ظبي” إلى جانب دول أخرى، الرجل القوي في شرق ليبيا، المشير خليفة حفتر الذي هدَّد الجزائر في عدَّة مناسبات.

وترى الجزائر في حفتر وعلاقاته بـ”أبو ظبي” و”فاغنر” الروسية تهديدًا لاستقرار ليبيا ولمصالح الجزائر، وتعتقد أنَّ “أبو ظبي” ضغطت بقوة على الولايات المتحدة لإجبار مجلس الأمن الدولي على رفض ترشيح الدبلوماسيين الجزائريين رمطان لعمامرة (أبريل 2020) وصبري بوقادوم (يونيو 2022) لمنصب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا.

خامسًا: التطبيع مع الكيان الصهيوني ومحاربة المقاومة:

تشكل العلاقات الإبراهيمية بين الإمارات والكيان الصهيوني التي بدأت منذ عام 2020، واصطفاف الإمارات إلى جانب العدو الصهيوني في محاربة حركة المقاومة الفلسطينية في غزَّة، نقطة خلاف رئيسة بين الجزائر و”أبو ظبي”.

تتهم الجزائر الإمارات – إلى جانب المغرب – بالضغط داخل جامعة الدول العربية وفي بعض الدول الإفريقية لتعميم تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، وهو أمر ترفضه الجزائر، وتعده نفوذًا صهيونيًا في إفريقيا.

كما أنَّ الإمارات هي من دفعت الرباط إلى اتفاقية “تطبيع العار” المسماة “اتفاقية إبرهام” عام 2020 مقابل الاعتراف الأمريكي بتبعية الصحراء الغربية للمغرب، مما يضر بالموقف الجزائري الداعم لجبهة “البوليساريو” التي تخوض صراعًا مع المغرب؛ بهدف استقلال الصحراء الغربية.

سادسًا: استثناء تبون الإمارات في اتصالاته مع البلدان الخليجية:

في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون: إنَّ علاقات بلاده مع جميع دول الخليج ودية، باستثناء دولة واحدة، في إشارة على ما يبدو إلى الإمارات.

ووصف تبون العلاقات مع السعودية والكويت وسلطنة عمان وقطر بأنها علاقات “أشقاء”.

واتهم الدولة التي لم يسمها بالتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر، والسعي إلى زعزعة استقرارها، قائلًا: إن “المشاكل تبدأ عندما يأتي من يحاول تخريب بيتي ولأسباب مشبوهة، ويتدخل في أمور داخلية”.

وفي منتصف عام 2023 جرى إقالة وزير الاتصال الجزائري محمد بوسليماني، إثر نشر قناة “النهار” المحلية حينها خبرًا عن “طرد” سفير الإمارات، وهو ما نفته الخارجية الجزائرية لاحقًا.

وفي ظل العدوان الأمريكي-الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أجرى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون سلسلة اتصالات هاتفية مع عدد من قادة دول الخليج العربي عقب الضربات الإيرانية التي استهدفت عددًا من القواعد الأمريكية المتمركزة في دول المنطقة، وشملت الاتصالات كلًا من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وسلطان سلطنة عمان هيثم بن طارق، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إضافة إلى أمير دولة الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح.

في المقابل، لم تُعلن الرئاسة الجزائرية أو وزارة الخارجية عن أي اتصال هاتفي بين تبون ونظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وهو ما اعتبره كثيرون انعكاس لاستمرار التوتر في العلاقات الثنائية، ويؤكد أن الخلاف بين البلدين لم يعد ظرفيًا، بل أصبح جزءًا من سياق سياسي أوسع.

وتأتي هذه التطورات في سياق أزمة سياسية مستمرة بين الجزائر والإمارات العربية المتحدة، ظهرت تجلياتها مؤخرًا بعد اندلاع العدوان الأمريكي-الصهيوني على إيران؛ إذ لم تعرب الجزائر أي تضامن صريح وواضح مع الإمارات العربية المتحدة التي تُعد من أكثر البلدان العربية تعرضًا للضربات من إيران؛ لأنها تستضيف على أراضيها قاعدة عسكرية أمريكية، ومستوطنين صهاينة، إضافة إلى أنها واجهة استثمارية للعولمة المالية الأمريكية المتوحشة.

سابعًا: مطالبة الجزائر باسترداد الأموال المنهوبة في عهد بوتفليقة:

تطالب الجزائر دولة الإمارات باسترداد الأموال المنهوبة في عهد نظام عبد العزيز بوتفليقة؛ إذ تشتبه في إخفاء نحو 300 مليون دولار أمريكي داخل بنوك ومؤسسات مالية إماراتية من قبل أفراد من عائلة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، إلى جانب وزراء وشخصيات مقربة من النظام السابق؛ إذ يُعد استرداد هذه الأموال من أولويات الرئيس عبد المجيد تبون، وتؤكد الجزائر امتلاكها أدلة تثبت أن هذا المبلغ كان في الواقع رشاوى دفعها مستثمرون إماراتيون على مدار 15 عامًا مقابل امتيازات اقتصادية وسياسية من نظام بوتفليقة، وقد تقدمت الجزائر بطلبات متكررة للحصول على مساعدة من السلطات الإماراتية لتحديد أماكن إيداع هذه الأموال، لكن يُقال: إن أبوظبي لم تستجب لهذه الطلبات.

يعتقد الخبراء والمحللون أنَّ قطع العلاقات بين الجزائر والإمارات جاء في سياق جيوسياسي أوسع، وضمن إطار التنافس الإقليمي المتصاعد بين الإمارات والسعودية، وقد يكون الخلاف الجزائري-الإماراتي جزءًا من حراك أوسع تقوده الرياض لتحجيم النفوذ الإماراتي في مناطق استراتيجية مثل البحر الأحمر والقرن الإفريقي، مما يجعل القرار الجزائري حلقة في سلسلة من التحولات الدبلوماسية التي تشهدها المنطقة.

لدى الجزائر عدة مظالم تجاه الإمارات، عدد منها ينبع من الدعم المتصور للجماعات الانفصالية عن طريق إفريقيا في بلدان تشمل ليبيا والسودان حتى أقرب إلى الداخل في الجزائر.

وترى الدولة الجزائرية في تدخل الإمارات في السياسة الخارجية – لا سيما في ليبيا – تهديدًا لأمنها القومي، وهذه واحدة من مظالمها الرئيسة.