الصهيونية العربية… 6 أوراق تفكك مسارات التطبيع ومآلات القضية الفلسطينية

الصهيونية العربية... 6 أوراق تفكك مسارات التطبيع ومآلات القضية الفلسطينية

الصهيونية العربية… 6 أوراق تفكك مسارات التطبيع ومآلات القضية الفلسطينية

الصهيونية العربية... 6 أوراق تفكك مسارات التطبيع ومآلات القضية الفلسطينية
Picture of نجيب العصار

نجيب العصار

كاتب وباحث سياسي

في لحظة فارقة تُعيد رسم ملامح الصراع العربي–الصهيوني وتداعياته الجيوسياسية، أطلق “مركز آفاق اليمن للأبحاث والدراسات” في العاصمة صنعاء إصداره البحثي الاستراتيجي الأول بعنوان: “الصهيونية العربية ومآلات القضية الفلسطينية”.

يأتي إشهار هذا الإصدار في أعقاب التطورات المتسارعة التي تلت معركة “طوفان الأقصى” (أكتوبر 2023)؛ بهدف الإجابة عن أسئلة استراتيجية ملحة حول طبيعة التحولات في مواقف بعض الأنظمة والنخب العربية، وكيفية تحول تيار “الصهيونية العربية” من مجرد اختراق نخبوي وثقافي محدود إلى سياسة رسمية وتخادم وظيفي متكامل (سياسيًا، واقتصاديًا، وإعلاميًا) يقدم مظلة حماية وشريان حياة لكيان الاحتلال الإسرائيلي.

ويجمع الكتاب رؤى ونتاجات نخبة من الباحثين والمفكرين والإعلاميين العرب؛ لتفكيك بنيوية هذه الظاهرة وأثرها في مستقبل القضية الفلسطينية والأمن القومي العربي؛ إذ يسعى الإصدار – في ستة محاور تحليلية – إلى تقييم التداخلات السياسية والاقتصادية والإعلامية لما يُعرف باتجاه “الصهيونية العربية”، ورصد كفاءة هذه التفاهمات في التعامل مع التحولات الميدانية المتسارعة التي أعقبت المعركة.

أبعاد الظاهرة وسردياتها

خلال الفعالية الخاصة بإطلاق الإصدار، أوضح الدكتور/ هاني عبادي المغلس، رئيس مجلس أمناء المركز وعميد كلية التجارة والاقتصاد بجامعة صنعاء، أن مفهوم “الصهيونية العربية” يتطلب دراسة موضوعية تفكك أدواته المتعددة، مشيرًا إلى أن الهدف ليس تصنيف الأشخاص، بل فهم ظاهرة تتجاوز منطق “التعايش” إلى الترويج الاستراتيجي للمشروع الصهيوني في المنطقة.

وأكد المغلس أن إعادة صياغة الوعي الثقافي والسرديات التاريخية تشكل أبرز مظاهر هذا التحول.

تفكيك الخطاب وانكشاف الأدوار

في تقديمه لكتاب “الصهيونية العربية ومآلات القضية الفلسطينية”، يضع الباحث والكاتب الفلسطيني الدكتور محمد البحيصي، عضو الهيئة الاستشارية لمركز آفاق اليمن للأبحاث والدراسات، هذا الإصدار في سياق معركة أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة لتطال مجالات الوعي والهوية والاستقلال الوطني، ويرى أن الكتاب، بوصفه باكورة إصدارات المركز، يهدف إلى إلقاء الضوء على البعد الثقافي والفكري للصراع، عن طريق تفكيك ظاهرة “الصهيونية العربية” بوصفها أحد تجليات المشروع الصهيوني في المنطقة، ورصد مساراتها السياسية والإعلامية ومواقفها من القضية الفلسطينية.

ويبيّن البحيصي أن هذه الظاهرة مرت بمراحل متدرجة؛ إذ بدأت بالطرح الحذر لمفاهيم السلام والتبادل التجاري، قبل أن تتطور إلى تماهٍ كامل مع الرواية الصهيونية ومواقفها إزاء العدوان على غزة.

وعلى رغم إشارته إلى الجذور التاريخية المبكرة للظاهرة، يتفق البحيصي مع ما طرحه الكتاب من أن خرق الإجماع العربي الرسمي تجسد بوضوح في اتفاقية “كامب ديفيد” عام 1979، التي شكلت الثغرة الأولى لتفكيك جبهة المواجهة العسكرية، لتعقبها اتفاقيتا “أوسلو” (1993) و”وادي عربة” (1994).

وخلص إلى أن الأهمية الاستراتيجية للكتاب تكمن في كشف أدوات خطاب “الصهيونية العربية” وتأثيراته المتزايدة في الوعي الجمعي، مشيدًا بهذه المبادرة البحثية لمركز آفاق اليمن بوصفها بداية لمسار ثقافي نقدي يعزز الفهم العميق للقضية الفلسطينية، ويواجه محاولات إعادة صياغة الوعي العربي تجاهها.

الغطاء والمسار السياسي

من جانبه، تناول الباحث والدبلوماسي عبد الله علي صبري، في المحور الأول “الصهيونية العربية والموقف من طوفان الأقصى”، مراحل تطور الصهيونية العربية ومدى اقترابها من الصهيونية العالمية وانسجامها مع المشروع الصهيوني، بدءًا من فكرة الاعتراف والسلام والتعامل التجاري، وصولًا إلى التطبيع وتبنّي موقف العدو الإسرائيلي في عدوانه وجرائمه على غزة والأمة.

وأوضح صبري أن بداية التحلل من الإجماع العربي التقليدي (المتمثل في ولاءات الخرطوم الثلاث) بدأت حين طرح نظام السادات في مصر المفاوضات المنفردة خيارًا استراتيجيًا بعد حرب أكتوبر 1973، وصولًا إلى اتفاقيات “كامب ديفيد” (1979)، و”أوسلو” (1993)، و”وادي عربة” (1994).

ويرى صبري، أن توقيع “اتفاقيات إبراهام” عام 2020 نقل المسار التطبيعي من أطره السياسية الحذرة إلى البعد الثقافي والاجتماعي الشامل، مؤكدًا أن أحداث غزة الأخيرة وضعت هذه التوجهات في مواجهة أزمة مشروعية حادة أمام الشارع العربي.

التطبيع استراتيجية

يذهب الباحث طالب الحسني، في المحور الثاني المعنون بـ “مدلول التطبيع وتطبيقاته في الاستراتيجية الإسرائيلية”، إلى قراءة التطبيع بوصفه مسارًا استراتيجيًا ممتدًا من “رودس” عام 1949، مرورًا بـ “كامب ديفيد” و”أوسلو”، وصولًا إلى “اتفاقيات إبراهام”.

ولا تكمن أهمية الورقة في استعراض المحطات التاريخية فحسب، وإنما في محاولة تفسير وظيفة التطبيع داخل الاستراتيجية الصهيونيةـ ووفق الحسني، لا يُقدَّم التطبيع بوصفه تسوية قائمة على تنازلات متكافئة، وإنما بوصفه نتاجًا لاختلال موازين القوة.

الشاشة ساحة حرب

وفي السياق ذاته، تضمن الكتاب بحثًا إعلاميًا تناول فيه الباحث عبد الحافظ معجب، في المحور الثالث، موضوع “الإعلام العربي المعادي للمقاومة في غزة، دراسة في تحليل المضمون، قناة الحدث نموذجًا”.

قدمت الدراسة تحليلًا منهجيًا (كميًا وكيفيًا) لـ 40 مادة إعلامية بثت على قناة “الحدث” بين أكتوبر 2023 وأكتوبر 2025، وأثبتت وجود التقاء بنيوي وتخادم وظيفي تام مع السردية العبرية، وتوصلت النتائج إلى أن القناة اعتمدت مسمى “الجيش الإسرائيلي” بنسبة وصلت إلى 100%، بينما حصرت المقاومة في مسميات ضيقة مثل “عناصر حماس” بنسبة 95% لتجريدها من مضمونها التحرري، مع اعتماد القناة على مصادر ومتحدثين إسرائيليين بنسبة تجاوزت 68%.

تداعيات أوسلو

من جهتها – في المحور الرابع من الكتاب – تطرقت الإعلامية اللبنانية زينب الموسوي في ورقتها البحثية إلى مسار السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها بناءً على اتفاقيات أوسلو عام 1993.

وترى الموسوي أن المنظومة السياسية والأمنية للسلطة تحولت تدريجيًا من بناء مقومات الدولة المستقلة إلى القيام بأدوار إدارية وأمنية تتماشى مع الاشتراطات الإسرائيلية والأمريكية، وأكدت أن الانقسام الداخلي أضعف القدرة الجماعية على مواجهة التمدد الاستيطاني، مما أتاح لمحيط الإقليم تجريد المبادرة العربية للسلام من مضمونها والتنسيق المباشر مع سلطات الاحتلال.

نقطة التحول

أما الباحث فؤاد النقاش فيعود إلى واحدة من أبرز محطات الصراع العربي-الصهيوني في ورقته “اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل بين الواقعية والوقيعة السياسية”.

ويفسر النقاش التحول المصري نحو المفاوضات في ضوء تراكمات حربَي 1967 و1973، والرغبة في استعادة سيناء وتقليص الاستنزاف الاقتصادي، إضافة إلى طبيعة الموقف الأمريكي وضبابية الموقف السوفيتي في تلك المرحلة.

وتلفت الورقة إلى أن “كامب ديفيد” عام 1978 ومعاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية عام 1979 شكّلتا نقطة تحول استراتيجية أخرجت مصر بثقلها العسكري من المواجهة المباشرة، مما أحدث اختلالًا في ميزان القيادة العربية للصراع.

ويمتد المسار الذي يرسمه النقاش من مصر إلى أوسلو، ثم إلى اتفاقيات إبراهام، معتبرًا أن أحداث غزة أعادت اختبار الأسس التي قامت عليها فكرة التعايش مع الكيان الإسرائيلي، خصوصًا في ظل استمرار الاحتلال وطرح سيناريوهات التهجير القسري.

مسارات التطبيع الاقتصادي

ومن السياسة إلى الاقتصاد، تناول الباحث أحمد داود التحولات في السياسة الخارجية الإماراتية من مرحلة التأسيس القائمة على مقاطعة الاحتلال (وفق قاعدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان: “ليس النفط أغلى من الدم العربي”) إلى مرحلة الشراكة الاقتصادية المفتوحة.

وبيّن داود أنه عقب فرض الحظر الملاحي على السفن المرتبطة بالكيان الإسرائيلي في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ابتداءً من نوفمبر 2023، وما نتج عنه من إعلان إفلاس ميناء أم الرشراش (إيلات)، جرى تفعيل “الجسر البري” الذي ينطلق من دبي مرورًا بالأراضي السعودية والأردنية وصولًا إلى الموانئ الإسرائيلية، مسارًا بديلًا للالتفاف على التكلفة البحرية المرتفعة والمخاطر الملاحية.

وتكتسب الورقة أهميتها من الأرقام التي تستند إليها؛ إذ تشير إلى ارتفاع حجم التبادل التجاري بين الإمارات والكيان من 189 مليون دولار عام 2020 إلى أكثر من ملياري دولار خلال عامي 2023 و2024.

وتقدم هذه الأرقام – في قراءة الباحث – مثالًا على انتقال التطبيع من العلاقات السياسية إلى المصالح التجارية وسلاسل الإمداد، بما يجعل الاقتصاد أحد المسارات الرئيسة في إعادة صياغة العلاقات الإقليمية.