بعد ستة أشهر من حملتها العسكرية ضد إيران، عادت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التعويل على سلاح العقوبات الاقتصادية مجددًا، وأعلنت فرض ما وصفته بـ”أقسى العقوبات الاقتصادية في التاريخ” على إيران، في ظل فشل الولايات المتحدة إخضاع إيران إلى إرادتها تحت مظلة المفاوضات.
لكن العقوبات الجديدة لا تُقرأ من زاوية تأثيرها المحتمل في الاقتصاد الإيراني فقط، بل من زاوية أوسع تتعلق بمستقبل النفوذ الأمريكي نفسه، فماذا يعني أن تتزامن حملة “الضغط الاقتصادي القصوى” ضد إيران مع انهيار المفاوضات التجارية بين واشنطن وكندا؟ وهل يؤدي توسيع استخدام أمريكا لقوتها الاقتصادية سلاحًا إلى توحيد مشاعر الخوف والقلق من هيمنتها المالية لدى خصومها وحلفائها على حد سواء؟
بالنسبة لإيران، فإن استخدام الولايات المتحدة لسياسة العقوبات الاقتصادية ليس بالأمر الجديد بحد ذاته؛ إذ بدأت مع وصول نظام الجمهورية الإسلامية المناهض لواشنطن إلى سدة الحكم في طهران عام 1979م، وأصبحت سمة مميزة لعلاقة الصراع بين الدولتين حتى اليوم.
وهي العلاقة التي وصلت إلى مرحلة فارقة من الصدام، بعد شن أمريكا بالشراكة مع كيان الاحتلال “الإسرائيلي”، في أواخر فبراير الماضي، عدوانًا عسكريًا واسعًا ضد طهران؛ بهدف إضعاف وإسقاط نظامها.
أطلقت عليه واشنطن اسم “الغضب الملحمي”، بالتوازي مع حملة اقتصادية أطلقت عليها عملية “الغضب الاقتصادي”، وشملت حزم متتالية من العقوبات التي أصدرتها وزارة الخزانة الأمريكية خلال الأشهر الماضية من الحرب.
وما يميز الحزمة الجديدة عن سابقاتها ضمن عملية “الغضب الاقتصادي”، أنها تبدو أقرب إلى محاولة إدارة ترامب استخدام خيار الضغط الاقتصادي بديلًا للخيار العسكري.
وقد عبرت إدارة ترامب عن هذا التحول في أكثر من مناسبة، منها التصريح الصريح لنائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، بقوله: إن “الأداة الاقتصادية أكثر فاعلية لواشنطن حاليًا ضد إيران”، ما يعني ضمنيًا أن الأداة العسكرية لم تعد كذلك.
ويدعم التحول الجديد لمقاربة الصراع من قبل البيت الأبيض، مجموعة من الاعتبارات الداخلية والعسكرية، منها قرب موعد الانتخابات النصفية، ومشكلات نقص مخزون السلاح الأمريكي، وارتفاع تكلفة الحرب، وإظهار طهران صلابة وقدرة على امتصاص الضربات والرد المؤثر ضد القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، إلى جانب استخدامها ورقة هرمز للضغط على واشنطن.
غير أن الأهم في العقوبات الجديدة، ليس القطاعات الاقتصادية الإيرانية التي تستهدفها، فقد سبق أن شملت عقوبات واشنطن جميع تلك القطاعات تقريبًا وفقا لمنتدى المجلس الأطلسي،
إنما استهدافها “المصادر الخارجية من دول وشركات وأساطيل، التي تعتمد عليها إيران للوصول إلى التجارة والتمويل والالتفاف على العقوبات، وذلك يتضمن أساطيل الظل والمصافي الأجنبية والوسطاء الماليين في الصين والإمارات وهونغ كونغ والعراق وعُمان”.
أي أنها لا تضغط على إيران مباشرة فقط، بل تحاول تضييق المجال أمام الأطراف الأخرى التي تواصل التعامل معها.
“من ليس معنا فهو ضدنا”
ومن ثَمَّ جاءت تحذيرات ترامب وتصريحات وزير الخزانة سكوت بيسينت، الموجهة إلى حلفاء واشنطن في المنطقة ودول العالم، على غرار الشعار الشهير “من ليس معنا فهو ضدنا”، الذي ارتبط بالرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش، بعد أحداث سبتمبر 2001، وقيادته ما عرف بـ”الحرب على الإرهاب”، وهي الحرب التي استباحت فيها أمريكا دول العالم الإسلامي، غير أن الاختلاف هذه المرة أن أداة الاصطفاف ليست سياسية وعسكرية وأمنية فقط، بل مالية واقتصادية أيضًا.
وبصرف النظر عن قدرة الولايات المتحدة على تطبيق حزمة العقوبات الجديدة ضد طهران بالشكل الذي “يسحق ويعزل الاقتصاد الإيراني”، في ظل رفض الصين، وعدم إبداء الدول التي تربطها شراكة تجارية مع إيران أي حماس للخطوة حتى تلك التي تعد حليفة لواشنطن كالإمارات وباكستان وتركيا لأسباب عدة والعامل الأهم، هو استمرار قدرة طهران على التأثير بالملاحة في هرمز، واحتمال عودة التصعيد العسكري مجددًا بوتيرة عالية، وقد تكون الهجمات المتبادلة خلال الأيام القليلة الماضية، مقدمة لذلك.
إلا أن الخطوة بحد ذاتها، تتخطى واقع التصعيد الحالي، إلى إعادة تذكير العالم بحقيقة مزعجة مفادها أن هيمنة الدولار على النظام المالي الدولي يمنح واشنطن قوة استثنائية يجعلها قادرة على استخدام النظام المالي الذي يتمحور حوله أداة من أدوات القوة الجيوسياسية، هذه القدرة نفسها تضع واشنطن أمام مفارقة متزايدة، فكلما توسعت في استخدام الدولار سلاحًا ضد خصومها، ولوحت به في وجه حلفائها وشركائها، يزداد لدى الطرفين دوافع البحث عن بدائل تقلل الاعتماد على النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة، وهذا لا يعني أن هيمنة الدولار مهددة بالسقوط الوشيك، فالدولار لا يزال يستند إلى حجم ومرونة الاقتصاد الأمريكي، وعمق أسواقه المالية، وعدم وجود بديل قادر حتى الآن على تقديم مجموعة المزايا نفسها على نطاق عالمي، لكن استمرار الهيمنة لا يعني غياب التآكل.
سياسات تعزز أطروحة “البترودلار”
فالحروب في المنطقة (غزة، لبنان، إيران)، وكذلك الروسية الأوكرانية، والحرب التجارية مع الصين، واختطاف الرئيس الفنزويلي، وتزايد التوتر بين واشنطن وكثير من حلفائها في أوروبا وكندا وآسيا، جميعها تعيد طرح تساؤلًا مهمًا يتمحور: إلى أي مدى تستطيع الدول تحمل تكلفة الاعتماد على نظام مالي يمكن لواشنطن استخدامه سلاحًا سياسيًا؟ ومن هنا تبرز إحدى القراءات التي تقدمها أطروحة “البترودلار”، وتقارب التدخلات والحروب والسياسيات التي مارستها الإدارات الأمريكية في تلك الملفات والأزمات، من زاوية سعي واشنطن على الحفاظ على هيمنة الدولار على مسرح النظام النقدي العالمي، ولو كان ذلك بإشعال الصراعات وقصف الدول، وخطف الرؤساء، وابتزاز الأصدقاء، وتقويض مؤسسات النظام الدولي، والانقلاب على مبادئ وشعارات الحقوق والحريات التي رفعتها طويلًا، وتجاوز كل الخطوط في سبيل فرض المصالح الأمريكية على حساب الجميع، ومهما كان الثمن – بحسب رأي أنصار هذه الأطروحة – لا يلزم التسليم بهذه الأطروحة لتفسير كل الحروب والصراعات الدولية حتى نصل إلى حقيقة مباشرة، مفادها أن استخدام الضغوط الاقتصادية بصورة متكررة يمكن أن يدفع المتضررين منها إلى البحث عن وسائل تقلل من ارتهانهم لها، وهذا ما يفسر الجهود المتزايدة داخل مجموعة “بريكس+” وخارجها لتوسيع استخدام العملات المحلية، وتنويع الاحتياطيات، وتقليل الاعتماد على الدولار في بعض المعاملات التجارية والمالية.
ضغوط متزامنة
في هذا السياق، تكتسب دراسة الباحثة الكندية ليرتا كاركاني، بعنوان: “كيف يسرع انقلاب القوة المهيمنة على حلفائها نهاية هيمنة الدولار؟” فهي ترى أن النظام المالي المتمحور حول الدولار بات يواجه اليوم ضغوطًا متزامنة من الداخل والخارج، فالضغط الخارجي يرتبط بتراجع اعتماد بعض دول “بريكس+” على الدولار، ومحاولات تنويع العملات الاحتياطية، والتداعيات التي يمكن أن تنتج عن اضطراب حركة التجارة والطاقة في مضيق هرمز، أما الضغط الداخلي فيتعلق بتوتر العلاقات داخل التحالف الغربي نفسه، بالذات عندما تتحول العلاقات التجارية والالتزامات التحالفية إلى أوراق تفاوض ومساومة تستخدمها واشنطن لتحقيق مصالحها على حساب حلفائها، وتجادل الدراسة بأن مكانة الدولار والنظام الدولي القائم على القواعد لا يستندان إلى القوة الاقتصادية الأمريكية وحدها، وإنما يرتبطان أيضًا بمصداقية القيادة الأمريكية لدى حلفائها الغربين وتماسك هذا التحالف، ومن ثَمَّ فإن تعامل واشنطن مع الحلفاء بوصفهم خصومًا اقتصاديين، قد يقوض تدريجيًا البيئة الجيوسياسية التي ساعدتها على بناء نفوذها المالي والحفاظ عليه، ولعل تزامن التصعيد الاقتصادي ضد إيران مع انهيار المفاوضات التجارية بين واشنطن وأكبر شركائها التجاريين، كندا، التي فرضت إدارة ترامب رسوم بنسبة 50% على صادراتها، وهو ما ردت عليه الحكومة الكندية بفرض رسوم مماثلة على البضائع الأمريكية.
والأزمة بين الجانبين، تقدم نموذجًا واضحًا يدعم هذه النتيجة، فالضغط الاقتصادي الأمريكي لم يعد يتحرك بالضرورة في اتجاه واحد من واشنطن نحو خصومها، وإنما أصبح يطال أقرب شركائها وحلفائها أيضا!
الضغوط المتوازية التي يواجها “الدولار” لا تعني بالضرورة أنها تهديد وشيك قد يزيح هيمنته على المدى القريب، فحسب إحصاءات صندوق النقد الدولي، ما يزال يستحوذ على أكثر من نصف إجمالي الاحتياطات العالمية (57%) حتى الربع الأول من عام 2026، إلا أن حصته تراجعت من نسبة (71%) التي كانت عليها عام 2000م، وإذا استمرت واشنطن في نفس مسار سياستها فإنه من غير المستبعد أن تنعكس سلبًا على هيمنة الدولار خلال السنوات المرحلة القادمة.
قائمة المصادر:
1-بي بي سي، “مرحلة جديدة” من الحرب على إيران مع تصعيد الولايات المتحدة للضغوط الاقتصادية، بي بي سي إنجليزي، متاح على:https://www.youtube.com/watch?v=nlE37zPSNpw&t=54s
2-أبو الطرابيش، 2026، 20 أغسطس (ماذا بقي في جعبة ترامب من عقوبات اقتصادية على إيران؟ الجزيرة نت. aljazeera.net
3-الحمادي، 2026، 30 أغسطس،) كندا تقرر خوض حرب تجارية مع الولايات المتحدة وتجابه التصعيد بالتصعيد، صحيفة القدس العربي. https://www.alquds.co.uk/%D9%83%D9%86%D8%AF%D8%A7-
3-راتناتونغا، ج.2026، فبراير)، البترودولار: اليد الخفية الحقيقية للاقتصاد العالمي، Research Gate، :https://www.researchgate.net/publication/405206944_Petrodollar_The_True_Invisible_Hand_of_Global_Economics
4-صندوق النقد الدولي ، 2026، يوليو، موجز بيانات صندوق النقد الدولي: تكوين العملات في احتياطيات النقد الأجنبي الرسمية، :https://data.imf.org/en/news/imf%20data%20brief%20july%201
5-كاركاني، ل. (2026). الطاقة والعملة والقوة النظامية: الحرب الأمريكية الإسرائيلية والإيرانية، ونظام البترودولار، والانقسام بين الحلفاء، ومواطن الضعف الهيكلية في النظام الاقتصادي العالمي [بحث جيوسياسي واقتصادي مستقل]. تورنتو، كندا. :https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=6360620 ملف شخصي على لينكد إن،https://www.linkedin.com/in/laerta-carcani-ma-65b95716a/