الصفقة الإسرائيلية اليونانية وصراع الهيمنة والنفوذ على شرق المتوسط

الصفقة الإسرائيلية اليونانية وصراع الهيمنة والنفوذ على شرق المتوسط

الصفقة الإسرائيلية اليونانية وصراع الهيمنة والنفوذ على شرق المتوسط

الصفقة الإسرائيلية اليونانية وصراع الهيمنة والنفوذ على شرق المتوسط
Picture of أحمد يوسف

أحمد يوسف

كاتب ومحلل سياسي

في خطوة تدل على التبدلات السريعة في المواقف وتوازنات القوى والقوة الإقليمية والدولية، وقع “الكيان الإسرائيلي” و”اليونان” صفقة عسكرية بقيمة 3 مليارات يورو (نحو 3.48 مليار دولار أمريكي)، ستنشئ “تل أبيب” بموجبها منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات في اليونان، تشمل عددًا من المنظومات، من بينها منظومتا “مقلاع داود” و”سبايدر” اللتان تصنعهما شركات إسرائيلية.

كما جرى توقيع صفقة تكميلية، بقيمة 26 مليون يورو لبيع منظومات “درون دوم” الإسرائيلية، وبذلك تُعد الصفقة منظومة دفاعية متكاملة؛ لمواجهة مجموعة واسعة من التهديدات، لا سيما الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مضافًا إليها الخبرة العملياتية الواسعة، التي اكتسبتها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية خلال حروبها العدوانية، التي ستنقلها إلى اليونانيين.

وصف رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” الصفقة بأنها “من أهم صفقات التسلح في تاريخ “البلاد”، وتأتي “امتدادًا لتحالفنا في شرق المتوسط، الذي أُبرم قبل 10 أعوام مع اليونان وقبرص”.

من جانبه، شدد رئيس الوزراء اليوناني المحافظ “كيرياكوس ميتسوتاكيس” على أن بلاده تقيم “علاقة استراتيجية مع إسرائيل”، وأكد أن “اليونان جسر بين أوروبا والشرق الأوسط” مذكرًا بعلاقات بلاده مع دول المنطقة.

وعلى رغم أن الصفقة ليست فريدة من نوعها بين الدول، لكنها أثارت اهتماما كبيرًا؛ بسبب مؤشراتها ودلالاتها على التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، وارتباطها المباشر بالصراعات العسكرية، من فلسطين المحتلة إلى العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، إلى أوكرانيا، إلى الخلاف اليوناني التركي، والوضع في قبرص، وارتباطها أيضًا بصراعات النفوذ والهيمنة، ليس فقط بين تركيا والكيان الصهيوني، وإنما حتى مع السعودية ومصر وإيران.

أيضًا لا يمكن تجاهل أن توقيعها جاء بعد توقيع حلف مكة بين تركيا والسعودية والباكستان، وتزامن مع اليوم الذي عُقد فيه أول اجتماع اللجنة الدفاعية الاستراتيجية لدول الحلف.

كما لا يمكن فصل الصفقة عن التحولات الكبيرة في شكل الحروب وطبيعة التهديدات الجوية، التي ظهرت بشكل خاص في أوكرانيا وإيران؛ إذ أصبحت الطائرات المسيرة الانتحارية والصواريخ المجنحة والباليستية عناصر أساسية في ساحات القتال.

وحتى في دلالاتها التاريخية فإن اختيار اسم منحوت من التراث الإغريقي “درع آخيل” للصفقة، يعيد أصداء حرب “طروادة” التي دارت بين الإغريق وأهل مدينة “طروادة” التي تقع على أرض تركيا الحالية.

يبدو واضحًا، أن العلاقات الاستراتيجية المستجدة بين اليونان والكيان والارتباط المباشر لتركيا مع كل هذه التشابكات والتعقيدات في المنطقة والعالم، يجعل تركيا تدرك بأنها المستهدف الأول بالصفقة، لا سيما أنها جاءت مترافقة مع توقيع “قبرص” على عقد لشراء منظومة “Barak MX” الإسرائيلية؛ لتعزيز قدراتها في الدفاع الجوي، ومع استضافة مصر قادة اليونان وقبرص في قمة ثلاثية بعد توقيع اتفاقيات للكهرباء والغاز بين الدول الثلاث، وإجراء محادثات خلال القمة حول تعزيز التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والسياحة والنقل، والتعاون في مجال الهجرة، وتأكيد الرئيس السيسي بأن الشراكة بين الدول الثلاث “تشمل التنسيق الأمني والعسكري؛ لمعالجة التحديات التي تواجه المنطقة”، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن مصر تدخل من ضمن الدول التي تنظر بعين الريبة للسياسات التركية بشكل عام، ومحاولاتها الهيمنة ومد نفوذها، لا سيما في المحيط الحيوي والاستراتيجي لمصر.

يعزز ذلك، أن عقيدة “الوطن الأزرق” التي يتبناها “أردوغان” ترى في منطقة شرق البحر المتوسط بكاملها مجال نفوذ تابع لتركيا، اقتصاديًا وسياسيًا، وقيامها ببناء أسطول ضخم، يضم أكثر من 50 سفينة حربية، وإنشاء محميتين بحريتين جديدتين، ونشر طائرات مسيرة مسلحة وطائرات إف-16 في شمال “قبرص” والتقارب الدبلوماسي مع شرق ليبيا، والقواعد التي تنشئها في أكثر من دولة في المنطقة، وهو ما يثير الريبة والشك من السياسات التركية، عند كل القوى والدول المؤثرة في المنطقة والعالم. 

اليونان عمليًا، لم تكن في تاريخها معادية للقضايا العربية، وكانت دائمًا مؤيدة في المحافل الأممية والدولية لقضايا الشعب الفلسطيني، ومنذ العدوان على غزة شهدت تجمعات عدة للتنديد بما يصفها بعض اليونانيين بأنها “إبادة جماعية” ترتكبها “إسرائيل”، كما واجهت سفن سياحية إسرائيلية احتجاجات خلال توقفها في مرفأ “بيرايوس” أو في الجزر اليونانية.

وعلى رغم هذه العلاقة الاستراتيجية المستجدة مع “الكيان الصهيوني” تؤكد أثينا أنها ستعمل على الحفاظ على علاقات جيدة مع دول الشرق الأوسط الأخرى، لكن تحقيق هذه المعادلة لن يكون بالأمر السهل على الحكومة اليونانية حتى داخل البلاد؛ إذ تواجه هذه العلاقة غضبًا متزايدًا، عبَّر عنه زعيم حزب «باسوك» الاشتراكي، أكبر أحزاب المعارضة “نيكوس آندرولاكيس” الذي قال: “لا يمكن محو مسؤوليات “نتنياهو” التي كان ينبغي أن تقوده إلى المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية”.

كما حذر وزير المالية اليوناني الأسبق “يانيس فاروفاكيس” من أن “تحويل اليونان إلى دولة تابعة لإسرائيل يسير بوتيرة متسارعة للغاية”.

نائب وزير الدفاع السابق “قسطنطينوس إيسيكوس” المعارض للتحالف مع إسرائيل، وصف من جانبه العلاقة بين الجانبين بأنها “غير متكافئة”، قائلا: إن “أحد الطرفين قوي والآخر ضعيف”.

وعلى المستوى الشعبي، أظهر استطلاع أجراه مركز “بيو” للأبحاث أن 65% من اليونانيين يعارضون الشراكة مع “إسرائيل”.

هذا يؤكد، أن التبدلات الكبيرة والمتسارعة في توازنات القوى والقوى وفي العلاقات الإقليمية والدولية، غيرت الكثير من مواقف الدول وتحالفاتها، وهو ما يحاول قادة “الكيان الصهيوني” استغلاله لتحقيق مخططاته ومشاريعه للسيطرة والهيمنة على كامل المنطقة، وتأتي الصفقة العسكرية مع اليونان من ضمن هذه السياسة؛ تستغل حوف اليونان من السياسات التركية؛ لبناء تحالفات تخدم سياسات ومخططاته.

هنا تقف تركيا والكيان “الصهيوني” في جانب واحد -على حد سواء- في تنفيذ سياسات لمد النفوذ والسيطرة، على كامل منطقة شرق المتوسط وغرب آسيا، وهوما يجعلهما في حالة تنافس وصدام من جهة، ومثار شك وريبة من كل الدول والقوى الأخرى في المنطقة من جهة ثانية.

الرئيس التركي رجب طيب “أردوغان” حذر اليونان من مغبة سياساتها، التي اعتبرها معادية لتركيا، وقال مخاطبًا القادة اليونانيين: “إن التاريخ دليل جيد جدًا لمن يعتبر منه”.

والحقيقة، أن هذه العبارة البليغة من “أردوغان” لا تنطبق على اليونان، بقدر ما تنطبق على تركيا قبل أي دولة أخرى، وكذلك على “الكيان الصهيوني” وكل الدول التي تخطئ في قراءة التاريخ ودروسه وعبره.