ترجمة خاصة (بتصرف) │غسان محمد
نشر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) قراءة تحليلية أعدها الباحثان والمسؤولان السابقان عن قطاع البحث والتقييم في الاستخبارات والموساد إيلداد شافيت وسيما شاين حول التداعيات الاستراتيجية لمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية على “إسرائيل” وحالة الإحباط غير المسبوقة داخل الكيان، والخيارات المتاحة أمامه للتعامل مع المرحلة الجديدة التي ستنشأ بعد توقيع الاتفاق النهائي.
تُشير مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران إلى نهاية الحملة العسكرية، ولكنها لا تُنهي التعامل مع التهديد الإيراني، لا تُمثل هذه الوثيقة اتفاقًا نوويًا جديدًا، بل إطارًا مؤقتًا يهدف إلى وقف القتال، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري، والسماح بإجراء مفاوضات بشأن اتفاق نهائي في غضون 60 يومًا.
من وجهة نظر إسرائيل، الصورة سلبية وتنطوي على مخاطر، الضرر الأولي: يتعلق بصورة إسرائيل وعلاقاتها مع الولايات المتحدة، والضرر الثاني: منح إيران شرعية للتأثير في مجريات الأحداث في لبنان، وعلى رغم أن المذكرة تُقدَّم إنجازًا دبلوماسيًا مهمًا ينهي فعليًا مرحلة المواجهة المباشرة، إلا أنها تؤجل اتخاذ القرارات الصعبة إلى المرحلة التالية. تُصوِّر الإدارة الأمريكية فتح مضيق هرمز ووقف الأعمال العدائية إنجازًا سيُسهم – إلى جانب انخفاض أسعار النفط وإزالة التهديد على الاقتصادي العالمي – في تحقيق تقدم مستقبلي في المجال النووي، ومن جانبها، تُقدّم إيران المذكرة على أنها وقفٌ للحرب لا استسلام.
لا تُنهي المذكرة الملف الإيراني، بل تُحوّل القضايا الرئيسة – ولا سيما مستقبل البرنامج النووي الإيراني والعقوبات – إلى مسار إدارة الأزمات. وهذا يُعطي ترامب صورة النصر، ولكنه يُتيح لإيران أيضًا متسعًا من الوقت على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، قبل التوصل إلى تنازلات كاملة ومُفصّلة وقابلة للتحقق.
في الميزان الإسرائيلي: إنجازات عسكرية وإخفاقات سياسية:
من وجهة نظر إسرائيل، لا تكمن المشكلة الرئيسة في نهاية الحرب بحد ذاتها، بل في هيكلية مذكرة التفاهم والثغرات التي تتركها، تمنح المذكرة إيران تنازلات مُبكرة ومسارًا لرفع العقوبات، بينما تُؤجل القضايا الحاسمة بالنسبة لإسرائيل – كالمواد المخصبة، ومستقبل التخصيب، وعمليات التفتيش، والصواريخ، والوكلاء، وحرية العمل في لبنان – إلى الاتفاق النهائي أو تُهمل تمامًا؛ لذا، قد تُقلل المذكرة من نفوذ إسرائيل وحرية عملها حتى قبل حل التهديدات الرئيسة.
تعكس هذه الفجوة أيضًا الاختلاف بين أهداف إسرائيل وأهداف ترامب في المرحلة النهائية؛ فقد سعت إسرائيل إلى ضمان أن تُترجم الإنجازات التي تحققت خلال الحملة إلى تغيير طويل الأمد في علاقتها مع إيران وحزب الله: التعامل الكامل مع مخزون المواد المخصبة، ومنع استعادة القدرات الخطيرة، والحفاظ على حرية العمل، من جهة أخرى، سعى ترامب إلى إنهاء الحرب، وفتح مضيق هرمز، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، وتحقيق إنجاز سياسي سريع، ومن النقاط المهمة – أيضًا – استبعاد إسرائيل من المفاوضات بين واشنطن وطهران بشأن شروط إنهاء الحرب؛ فقد كانت إسرائيل شريكًا أساسيًا في المجهود العسكري، لكنها لم تُشارك في صياغة النهاية السياسية، ويبرز هذا التباين بشكل لافت للنظر؛ إذ تتناول المذكرة قضايا حيوية لإسرائيل: لبنان وحرية العمل ضد حزب الله، والمواد المُخصبة، ومستقبل التخصيب، والصواريخ، وآليات التفتيش، وهي مسائل صُممت ضمن إطار أمريكي إيراني.
كما كشفت المذكرة عن ضعف متزايد في مكانة إسرائيل على الساحة السياسية الأمريكية؛ ففي السنوات الأخيرة ركزت إسرائيل معظم قدراتها السياسية على العلاقات مع ترامب والحزب الجمهوري، بينما تدهورت علاقاتها مع قطاعات كبيرة من الحزب الديمقراطي، ومع التيار الليبرالي، ومع بعض أفراد الجالية اليهودية في الولايات المتحدة؛ لذا، عندما تظهر فجوةٌ – تحديدًا مع ترامب – لا تملك إسرائيل شبكة أمان سياسية واسعة كافية في واشنطن.
في الماضي، كان بإمكان إسرائيل الاعتماد بشكل أكبر على دعم الحزبين في الكونغرس وعلاقاتٍ وثيقة مع كليهما، أما اليوم فإذا كان البيت الأبيض غير راضٍ عن إسرائيل، وإذا تبنّت بعض أطياف الحزب الجمهوري نهجًا انعزاليًا، فإن قدرة إسرائيل على استخدام أدوات بديلة تصبح محدودة. هذا تحوّل استراتيجي مهم؛ فإسرائيل اليوم أكثر اعتمادًا على الولايات المتحدة من أي وقت مضى في حملتها ضد إيران، لكن تأثيرها في صياغة السياسة الأمريكية أصبح أقل مما كان عليه في السابق، هذا يعني أن أي إجراء إسرائيلي يُنظر إليه على أنه يُهدد إنجازًا يسعى ترامب إلى تسويقه للرأي العام الأمريكي، ولا سيما التحركات في لبنان، قد يُقابل برد فعلٍ قاسٍ من البيت الأبيض. في ظل التزام ترامب العلني بمذكرة التفاهم، وتوقع أن يُرسي مجلس الأمن دعائم الاتفاق النهائي، قد يتقلص هامش المناورة المتاح لإسرائيل أكثر.
إيران لم تُهزم:
تكبدت إيران خسائر فادحة خلال المعارك، لكنها تخرج من هذه الحملة دون أن تُهزم أو ينهار نظامها، بل على العكس، فقد نجت من هذه الحرب، وتمكنت من الصمود في وجه جيوش الولايات المتحدة وإسرائيل القوية، وبفضل عزيمتها واستعدادها لتحمل الكثير من الخسائر، يمكنها حتى أن تدّعي النصر. تمنح مذكرة التفاهم النظام الأمل في أنه عن طريق الإفراج عن الأموال المجمدة وتصدير النفط – علنًا لا سرًا – سيتمكن من البدء في عمليات إعادة الإعمار الأولية. قد تكون هذه الحقيقة أيضًا حافزًا لاستمرار المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، وربما حتى تقديم تنازلات في المجال النووي تسمح للنظام بتحقيق هدفه النهائي: رفع العقوبات والحصول على الفوائد الاقتصادية الأخرى التي تقدمها مذكرة التفاهم في حال توقيع الاتفاق النهائي.
الاستنتاجات والتوصيات:
تُبيّن مذكرة التفاهم الفجوة بين القوة العسكرية الإسرائيلية وقدرتها على التأثير في صياغة المرحلة السياسية النهائية للحملة؛ فقد أظهرت إسرائيل قدرات عسكرية واستخباراتية وتكنولوجية لافتة، لكنها فشلت في توظيفها للتأثير بشكل كافٍ في شروط التسوية، ولذلك، تجد نفسها مجددًا في موقف شبه مُنفرد وتوجيه انتقادات حادة لخطوة أمريكية صيغت دون علمها، التي تحظى في هذه المرحلة بدعم دولي واسع.
وفي ضوء ذلك، ينبغي على إسرائيل ما يلي: تجديد التنسيق مع الإدارة الأمريكية في ظل الشكوك الكبيرة التي تُحيط بها بوصفها طرفًا قد يُعرقل عملية التفاوض، سواءً عن طريق تحركات عسكرية في لبنان أم عن طريق اتخاذ إجراءات عسكرية في أي ساحة أخرى.
الحفاظ على حوار مفتوح مع واشنطن بشأن القضية اللبنانية، التي تُعدّ حساسة للغاية. يجب على إسرائيل وضع تفاهمات واضحة بشأن حرية تحركها في لبنان، وتقديم مقترحات بناءة لتعزيز الحوار مع الحكومة اللبنانية، مع الاستعداد لاتخاذ تدابير لبناء الثقة على أرض الواقع، إضافةً إلى ذلك، يجب على إسرائيل أن تُدرك أن سياسة الاحتواء التي لا تُجازف بالانسحاب من النقاط التي سيدخلها الجيش اللبناني ستؤدي إلى اشتباكات مع الإدارة الأمريكية.
يجب إجراء حوار دبلوماسي هادئ بشأن الملف النووي الإيراني، يتضمن ثلاثة مطالب ملموسة: وضع جدول زمني قصير وقابل للتحقق لتخفيف تركيز المواد المخصبة، وتحديد حدود واضحة للتخصيب المستقبلي، وتصميم آلية للمراقبة والإنفاذ بصلاحيات واضحة، بما في ذلك تحديد العواقب في حال حدوث أي انتهاك، كما يجب البدء بمراجعة شاملة لوضع إسرائيل في الولايات المتحدة، بحيث لا تبقى مُعتمدة بشكل شبه كامل على ترامب واعتباراته السياسية.
وعليه، يخلص الباحثان في ختام تحليلهما إلى هذه النتيجة، حيث يذكران:
“باختصار” الدروس المستفادة من هذه الحرب هي أن القدرة العسكرية وحدها لا تكفي. تحتاج إسرائيل إلى حيّز سياسي، وشرعية أمريكية، والقدرة على التأثير في شروط النهاية، من دون هذه الأمور، حتى الحملة الناجحة عمليا قد تنتهي بنتيجة استراتيجية إشكالية.
تُوقف المذكرة الحرب، لكنها لا تُنهي المواجهة مع إيران، والسؤال المحوري الآن هو: هل الولايات المتحدة وإيران ستتوصلان إلى اتفاق نهائي يتضمن التفكيك الفعلي للقدرات الخطيرة؟ وهل الاتفاق سيمنح إيران الوقت والموارد والشرعية لاستعادة قوتها تحت مظلة ترتيب دبلوماسي؟
المصدر: معهد أبحاث الأمن القومي| تاريخ النشر: 21 يونيو 2026| لغة المصدر: العبرية| الكاتب: إلداد شافيت وسيما شاين|