أحمد محمد القانص
صحفي وباحث سياسي
المقدمة والسياق العام:
شكلت معركة “طوفان الأقصى” أكتوبر 2023م نقطة الانفجار التي أعادت تشكيل الإقليم من جديد، لم تكن مجرد مواجهة فلسطينية–إسرائيلية، بل تحولت إلى زلزال جيوسياسي أعاد خلط الأوراق، وفتح الباب أمام أطراف إقليمية لإعادة تعريف أدوارها.
في هذا السياق المضطرب، دخلت اليمن على خط المواجهة بعمليات عسكرية متتابعة في البحر الأحمر، مستهدفة السفن الإسرائيلية والمرتبطة بها، في واحدة من أطول المعارك البحرية غير التقليدية التي يشهدها الإقليم منذ عقود، امتدت هذه العمليات نحو عامين تقريبًا[1]، شاركت الولايات المتحدة وبريطانيا المعركة البحرية بتشكيل تحالف “حارس الازدهار”، في محاولة لاحتواء النفوذ اليمني في الممر المائي الأكثر حساسية في العالم[2] .
هذا الانخراط اليمني دشّن مرحلة معقّدة للدول المطلة على البحر الأحمر، وعلى رأسها مصر، التي تعتمد على قناة السويس والبحر الأحمر بوصفهما شريانًا ماليًا وأمنيًا واستراتيجيًا، فالممر الذي تمر منه ما بين 12% و15% من التجارة العالمية، وهذا ليس مجرد خط ملاحي بالنسبة للقاهرة، بل هو ركيزة من ركائز الأمن القومي ومصدر رئيس للعملة الصعبة[3]، وخلال عامي 2021/2022 حقق قطاع قناة السويس زيادة قدرها73.42 مليار جنيه في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 178.16%؛ ليسجل 114.63 مليار جنيه بالمقارنة بـ 76.71 مليار جنيه عام 2016/2017 [4] لذلك كان التأثير المباشر للهجمات اليمنية في السفن الإسرائيلية، أو المتجهة إلى موانئها، مباشرًا، كما أن شركات شحن كبرى موقعة على عقود النقل إلى الموانئ الإسرائيلية أعادت توجيه سفنها حول رأس الرجاء الصالح خوفًا من الاستهداف؛ فتراجع تدفق النفط والسلع، وتباطأت حركة التجارة التي تغذي الاقتصاد المصري.
انعكست النتيجة فورًا على الاقتصاد المصري؛ إذ تراجعت إيرادات قناة السويس إلى أدنى مستوى لها منذ عشرين عامًا، وزاد الوضع سوءًا تأثر واردات الوقود والغذاء والسلع الوسيطة بسبب اضطراب الشحن، وتراجع السياحة في جنوب سيناء والبحر الأحمر إثر الحرب على غزة وسقوط حطام صواريخ وطائرات مسيّرة فوق سيناء[5]. امتدت الأزمة لتمس قطاعات مرتبطة بالأمن الحدودي والاستقرار الداخلي، ما جعل القاهرة ترى في البحر الأحمر ساحةً حساسة تتقاطع فيها مصالحها الاقتصادية والأمنية والرمزية.
من هنا تبرز أهمية تحليل الموقف المصري (سياسيًا وإعلاميًا وعسكريًا) تجاه الموقف اليمني من طوفان الأقصى ومعركة إسناد غزة، الذي تتناوله هذه الورقة، بالاستفادة من منهجية تحليل الخطاب لفهم اللغة والرموز المستخدمة في التصريحات الرسمية والإعلامية المصرية، وكذا تحليل السياسات الخارجية لربط هذا الخطاب بالمصالح الاستراتيجية للقاهرة في البحر الأحمر. في أربعة محاور رئيسة:
المحور الأول: الموقف المصري من أزمة قناة السويس والبحر الأحمر:
شكّلت أزمة البحر الأحمر وتراجع إيرادات قناة السويس من 9.4 مليارات دولار عام 2023 إلى نحو 3.62 مليارات في 2024/2025 اختبارًا شديد الحساسية للأمن القومي المصري.
كان لهذا التراجع أثره في الاقتصاد المصري، وزاد الضغط على الاحتياطي النقدي، ورفع كلفة الواردات، وعمّق اختناقات سلاسل التوريد[6]، وأثر أيضًا في السياحة في جنوب سيناء والبحر الأحمر؛ نتيجة الحرب على غزة وسقوط حطام صواريخ ومسيّرات في المناطق الحدودية، دفع ذلك القاهرة إلى التكيّف عبر سياسات مالية جديدة، وزيادة الدعم الخليجي، ومحاولة تعزيز بدائل إيرادية مؤقتة.
وضع هذا التطور القاهرة أمام معادلة معقدة: حماية الممر البحري الأهم للدولة، تجنب التصعيد العسكري مع صنعاء، والحفاظ على توازن علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في البحر الأحمر[7]، في وقت يتعرض فيه الاقتصاد المصري لضغط غير مسبوق نتيجة تراجع إيرادات القناة.
جاء الموقف المصري محكومًا بسياقين جوهريين:
الأول: الهواجس الأمنية التي ارتفعت بفعل الحرب في غزة واحتمالات التهجير الفلسطيني نحو سيناء، ما جعل ملف البحر الأحمر—على أهميته—تهديدًا ثانويًا مقارنة بملف غزة–سيناء[8]، وقد احتل الجيش الإسرائيلي معبر رفح في مايو 2024، وكثَّف تحركاته العسكرية في محور صلاح الدين/ فيلادلفيا، فردت مصر بزيادة عدد قواتها والبنى التحتية العسكرية في سيناء.
الثاني: التدهور الاقتصادي الذي زاد من اعتماد مصر على العملة الصعبة، ما أضفى بُعدًا مضاعفًا على تأثير أي اضطراب في حركة التجارة الدولية عبر القناة[9] ؛ لذلك تبنّت القاهرة سياسة تقوم على “الاحتواء الدبلوماسي” بدلًا من المواجهة، وعلى “إدارة المخاطر” بدلًا من الانخراط في تحالفات عسكرية قد تستفز صنعاء أو تضر بعلاقاتها مع إيران والسعودية.
في الخطاب السياسي الموجّه للخارج، ظهرت مصر “ضامنًا للاستقرار البحري”، مستخدمة لغة محسوبة تؤكد حرية الملاحة، وترفض التصعيد، وتدعو إلى حلول سياسية للأزمات الإقليمية. صُمم هذا الخطاب ليخاطب المجتمع الدولي دون استعداء صنعاء، ويحافظ على توازن القاهرة داخل ساحة البحر الأحمر، التي تتنازعها الرياض وأبو ظبي وطهران وواشنطن.
وانطلاقًا من منهج المصلحة، حرصت السياسة المصرية على عدم الانجرار إلى صدام غير مضمون العواقب، خصوصًا مع وجود قناعة بأن الضربات اليمنية ليست موجهة ضد مصر، وأن الصراع البحري يدور في إطار المعادلة الأكبر بين صنعاء وتل أبيب وواشنطن[10].
في الداخل، جاء الخطاب أقل حدة وأكثر تطمينًا، وركّزت القاهرة على أن تراجع إيرادات القناة ظرف عالمي مفروض على كل الممرات البحرية، وأن الدولة “تسيطر على الوضع”، وأن الإجراءات الاقتصادية ليست سوى استجابة مؤقتة، كان الهدف منها الحد من التأثيرات الاجتماعية وتجنب تحميل اليمن مسؤولية مباشرة قد تخلق اصطفافات سياسية أو تؤثر في سياسة القاهرة المتوازنة، ينسجم هذا مع منهج الأمن القومي الذي يعطي الأولوية للاستقرار الداخلي والحفاظ على صورة الدولة القادرة على إدارة أزماتها الاستراتيجية[11].
أدى الخطاب الإعلامي دورًا محوريًا في صناعة رواية الأزمة، داخليًا، حيث ركّز الإعلام على قدرة الدولة على حماية القناة، وعلى جاهزية الجيش لتأمين الطرق البحرية، وعلى أن التأثيرات الاقتصادية “قابلة للمعالجة”، أما في الخطاب الموجّه للخارج فظهر الإعلام المصري بوصفه أداة دبلوماسية: لا عداء مع صنعاء، ولا اعتراف بشرعية ضرباتها، ولا انخراط في خطاب غربي تصعيدي، كل ذلك اندرج ضمن استخدام مصر للمقاربات البنائية في تثبيت هويتها التاريخية بوصفها فاعلًا بحريًا مسؤولًا.
عند تحليل الخطاب من خلال الجمع بي منهج المصلحة مع منهج الأمن القومي، يمكن القول إن القاهرة اعتمدت استراتيجية تقوم على ثلاث ركائز:
- 1. تجنب التصعيد مع صنعاء؛ لأن كلفته أكبر من مكاسبه، ولأن فتح جبهة جديدة سيخل بتوازن علاقاتها الإقليمية.
- 2. حماية قناة السويس بالدبلوماسية لا بالقوة؛ خشية تفاقم الانخفاض في حركة التجارة إذا انزلقت الأمور إلى مواجهة مباشرة.
- 3. الحفاظ على صورة مصر ركيزة استقرار بحري على رغم تراجع الإيرادات؛ لتجنب الإضرار بثقة المستثمرين أو الحلفاء الدوليين.
المحور الثاني: الموقف المصري من الضغوط الداخلية والخارجية تجاه الأزمة في البحر الأحمر:
تحركت مصر داخل بيئة مضغوطة ومركبة، خليط من أزمات اقتصادية داخلية، وتوازنات إقليمية حساسة، وضغوط أمريكية وإسرائيلية وخليجية مباشرة وغير مباشرة؛ بهدف جرّ القاهرة إلى اتخاذ موقف من صنعاء في البحر الأحمر.
أولًا: الضغوط الداخلية وتأثيرها في القرار المصري:
تعاني مصر من هشاشة اقتصادية جعلت أي خطوة عسكرية غير محسوبة ذات كلفة سياسية ومالية مباشرة، ففي الأزمة الاقتصادية الممتدة منذ 2022–2024: تراجع الاحتياطي، شح الدولار، ارتفاع خدمة الدين، الاعتماد على قروض خليجية، ودعم أمريكي غير مباشر، جعلت القيادة المصرية تدرك أن الدخول في تحالف بحري أو مواجهة مفتوحة سيخلق ارتدادات داخلية قد تكون أثقل من المكاسب.
واجهت الحكومة كذلك ضغطًا شعبيًا حساسًا تجاه أي خطوة يمكن تفسيرها بأنها اصطفاف مع إسرائيل خلال حرب غزة، واستخدم الإعلام المصري الرسمي خطابًا تحذيريا لصنعاء في البداية، لكنه يتجنب تصويرها عدوًا مباشرًا، هذا يعكس إدراكًا لخطورة الانجرار إلى تأطير سياسي يربط مصر بواشنطن وتل أبيب في لحظة إقليمية مشتعلة[12].
الجيش المصري نفسه، الأكثر انضباطًا في حسابات القوة، كان يدرك أن أي تدخل مباشر خارج المسار التقليدي (المتوسط – غزة – سيناء) قد يفتح جبهة ليست ضرورية ولا مضمونة النتائج.
ثانيًا: الضغوط الخارجية:
كانت واشنطن الطرف الأكثر إصرارًا على عسكرة البحر الأحمر عن طريق إنشاء التحالف البحري “حارس الازدهار” نهاية 2023 [13]، ودعا البنتاغون دولًا عربية للانضمام إليه، ومنها مصر، ومن المحتمل أن واشنطن مارست ضغوطا، ليس فقط عن طريق القنوات العسكرية (المساعدات العسكرية)، بل عن طريق أدوات اقتصادية ــ رسائل مبطّنة بأن مشاركة مصر قد تُسهّل خطوط المساعدات والتمويل عن طريق صندوق النقد ودول عربية مرتبطة باتفاقيات التطبيع الإبراهيمية.
ومن المحتمل أن مطلب ترامب في أبريل 2025، بمرور مجاني للسفن الأمريكية من قناة السويس، كان في إطار الضغط على مصر نتيجة موقفها من التحالف البحري.
كما أن من المحتمل أن السعودية والإمارات مارستا ضغوطًا سياسية غير مباشرة على القاهرة؛ للتورط في معركة البحر الأحمر، وعلى رغم ذلك، حافظت القاهرة على مسافة محسوبة تمثلت بالحفاظ على الأنشطة البحرية المشتركة مع السعودية (مناورات “الموج الأحمر”، ومشاورات حول قوة إقليمية مشتركة)، ولكن من دون الدخول تحت القيادة الأمريكية.
أما إسرائيل فمن المحتمل أنها قد دفعت -عن طريق قنوات دبلوماسية غربية وخليجية- باتجاه موقف مصري أكثر تشددًا ضد صنعاء، لكن القاهرة رفضت تبنّي هذا التحول؛ لحماية توازنها الإقليمي وصورتها الداخلية[14].
أسباب رفض مصر الانضمام لتحالف “حارس الازدهار”:
لم يكن القرار المصري تكتيكيًا بل استراتيجيًا؛ إذ رأت القاهرة أن التحالف الأمريكي منحاز سياسيًا ضد صنعاء قبل أن يكون دفاعيًا، وأن الانضمام إليه يعني خسارة ثلاثة مرتكزات جوهرية:
- 1. الأمن القومي المصري:
تدرك مصر أن السماح بدخول قطع بحرية للتحالف إلى الموانئ المصرية، أو الانخراط في عمليات قتالية في مضيق باب المندب، يفتح الباب لتدويل الأمن البحري المصري، ويضعف سيادة القاهرة على ممرّاتها الحيوية؛ فمصر لا تريد أن تعمل قوات أجنبية انطلاقًا من أراضيها في معركة ليست معركتها المباشرة.
- 2. تجنب الظهور طرفًا في الصراع اليمني – الإسرائيلي غير المباشر:
فأي ضربات مصرية ضد اليمنيين ستُصور دعمًا لإسرائيل، فالقوات المسلحة اليمنية تربط هجماتها بإسناد غزة، وهو ما سيخلق ردود فعل داخلية، ويضر بصورة القاهرة عربيًا، ويُفقدها القدرة على القيام بدور الوساطة في الملفات الفلسطينية.
- 3. الحفاظ على دور الوسيط الإقليمي:
راهنت مصر على صورتها بوصفها وسيطًا في ملفات غزة والأسرى والمساعدات، ويضعف المشاركة في تحالف عسكري ضد صنعاء موقعها التفاوضي وتُجردها من قدرتها على التأثير في أطراف متعددة، بما فيهم إيران.
المحور الثالث: أبعاد الموقف المصري تجاه اليمن ومعركة إسناد غزة
جرى التعامل مع المعركة في البحر الأحمر بوصفها أزمة قابلةً للإدارة لم تستوجب انخراطًا مباشرًا، مقابل ملف غزة – سيناء الذي احتل موقعًا متقدمًا في هرم الأولويات، هذا التراتب هو مفتاح فهم الموقف المصري من صنعاء. ويتوزع الموقف المصري على ثلاثة مستويات رئيسة:
أولًا: البعد السياسي:
اختارت مصر خطابًا براغماتيًا لا يصطدم مع صنعاء، وجرى تصنيف الأزمة بوصفها تهديدًا للملاحة الدولية، وليس صراعًا سياسيًا مع طرف يمني.
هذا الخطاب السياسي كان جزءًا من استراتيجية لإعادة تأطير المشهد من منطلق أن المعركة في البحر الأحمر امتداد للحرب في غزة وتنتهي بانتهائها، وليست مواجهة مستقلة مع صنعاء، بهذا التوصيف حافظت القاهرة على ثلاثة أهداف:
- 1. تفادي الانخراط في مواجهة تُظهرها في موقع الاصطفاف مع إسرائيل خلال حرب غزة، وهو خط أحمر داخلي وإقليمي.
- 2. الإبقاء على موقع الوسيط وضامن الاستقرار، وهو موقع يمنحها أوراقًا حيوية في ملفات الأسرى والتهدئة والمساعدات.
- 3. الحفاظ على توازن محسوب مع السعودية، بدعم الأمن البحري وحماية باب المندب دون الانجرار إلى خيار المواجهة.
ثانيًا: البعد العسكري:
تبنّت مصر سياسة “الردع بلا مواجهة”، وعززت وجودها البحري في البحر الأحمر، كثفت الدوريات والمراقبة، وحافظت على مشاركتها في تدريبات “الموج الأحمر” مع السعودية، لكنها امتنعت عن الدخول في أي عمليات هجومية، والأبرز كان عدم الانضمام لتحالف “حارس الازدهار” الذي تقوده واشنطن وتشارك فيه إسرائيل، الذي كان يعني عمليًا المشاركة في ضربات مباشرة ضد اليمن.
رأت القاهرة أن ذلك يفتح عليها باب صراع غير ضروري ويمسّ أمنها القومي؛ لذلك فضّلت الشراكات الإقليمية مع الدول المشاطئة على القيادة الدولية، هذا المسار أنتج تموضعًا مصريًا يضمن الردع وحماية قناة السويس دون التحول إلى طرف مقاتل.
ثالثًا: البعد الإعلامي:
لم يخرج الخطاب المصري عن هذا الخط السياسي–العسكري؛ إذ صيغت الرسالة الإعلامية على شكل رواية واحدة تقريبًا: “الأزمة تهدد الملاحة الدولية، وعلى الجميع حماية الأمن البحري”، وركز الإعلام على سلاسل الإمداد، وتأثر قناة السويس، والاقتصاد العالمي.
غاب الخطاب العدائي تجاه صنعاء، في توجه متعمد يهدف إلى تجنب التصعيد وتبرير الإجراءات الأمنية، كما جرى ربط البحر الأحمر بغزة–سيناء، ما أعاد ترتيب الأولويات أمام الجمهور الداخلي، فالمعركة الأساسية عند حدود رفح، وما يحدث في البحر الأحمر أزمة يمكن احتواؤها، وابتعد الإعلام عن تبني الرواية الأمريكية–الإسرائيلية التي تتحدث عن “تهديد يمني” مستقل، وأعاد دمج الأحداث ضمن سياق التصعيد المرتبط بحرب غزة.
المحور الرابع: آفاق العلاقة بين صنعاء والقاهرة:
توضح القراءة المتعمقة للموقف المصري أن العلاقة بين القاهرة وصنعاء محكومة بثنائية دقيقة: مساحة قابلة للاستثمار السياسي والأمني، مقابل سقف صارم يحكمه هاجس الأمن القومي المصري في البحر الأحمر.
على المستوى السياسي، تملك صنعاء فرصة الاستفادة من ميل القاهرة إلى الحفاظ على موقع الوسيط الحذر، خصوصًا في الملفات المرتبطة بقطاع غزة والأمن البحري، هذا الميل يفتح نافذة لقنوات اتصال مباشرة أو غير مباشرة، ويمنح صنعاء قدرة على تحريك ملفات تفاوضية عن طريق مسارات منخفضة الظهور، إلا أن هذه الفرصة مشروطة بعدم تقويض المصالح المصرية، فالقاهرة حساسة لأي سلوك يُفسَّر بأنه تهديد لممراتها البحرية أو مكانتها الإقليمية.
في المستوى العسكري، يمنح تجنّب مصر للتورط المباشر مساحة لصنعاء لإدارة عملياتها البحرية دون خشية ردّ مصري مباشر، طالما بقيت هذه العمليات ضمن سقف محسوب لا يضغط على قناة السويس أو يشكل تهديدًا قادرًا على تغيير قواعد اللعبة، لكن أي تجاوز قد يدفع القاهرة إلى إعادة تموضع أمني أكثر صرامة، بما يخلق احتكاكًا غير مرغوب فيه قد يُلقي بتأثيراته على حركة صنعاء البحرية.
أما في المستوى الإعلامي، فإن الخطاب المصري المتوازن وفر بيئة يمكن لصنعاء استغلالها لفهم الخطوط الحمراء المصرية وتجنب خطاب تصعيدي يحرج القاهرة أمام حلفائها، غير أن سوء تقدير هذا الخطاب أو الضغط عليه بتصريحات حادة قد يعيد تشكيل المزاج الإعلامي المصري بطريقة تضر بالمجال السياسي والأمني للعلاقة الثنائية.
يُظهر هذا التفاعل أن الفرص موجودة لكنها تعتمد على إدارة هادئة وحساسة للملفات، وأن المخاطر لا تأتي من خصومة مصر لصنعاء، بل من حساسية مصر لمصالحها البحرية ولضغوط البيئة الإقليمية.
النتائج والتوصيات
تميز الموقف المصري تجاه صنعاء خلال 2023–2025، بالاحتواء المدروس؛ فقد ركزت القاهرة على حماية قناة السويس والمصالح البحرية الحيوية دون الانخراط في مواجهة مباشرة، مع تعزيز الوجود البحري والمناورات الإقليمية، ورفض الانضمام لتحالف “حارس الازدهار”. سياسيًا وإعلاميًا، صُمم الخطاب لتأطير الأزمة بوصفه تهديدًا للملاحة الدولية لا عداء يمنيًا مباشرًا، بما يحافظ على دور مصر بوصفها ضامنًا للاستقرار الإقليمي ووسيطًا في الملفات الفلسطينية، ويوازن بين الضغوط الداخلية والخارجية، مع إدارة المخاطر الاقتصادية والأمنية؛ لضمان استمرار التجارة والاستقرار دون فتح جبهات جديدة.
وتُظهر الدراسة أن الموقف المصري خلال معركة “طوفان الأقصى” وما بعدها، كان مقاربة سياسة قائمة على الواقعية الاستراتيجية؛ إذ وازنت القاهرة بين حماية مصالحها الحيوية والحفاظ على دورها الإقليمي دون الانخراط العسكري المباشر، ومكَّن التفاعل المنسجم بين السياسة والجيش والإعلام مصر من إدارة التحديات المرتبطة بالعمليات البحرية اليمنية في البحر الأحمر مع تجنب التصعيد، مع تعزيز موقعها فاعلًا مستقرًا في بيئة إقليمية مضطربة.
وتكشف القراءة المتأنية أن هذا التوازن يفتح أمام صنعاء نافذة تحرك محدودة لكنها ذات قيمة، خصوصًا في الملفات السياسية والعسكرية البحرية والإعلامية التي يمكن إدارتها وفق تقدير حساس للمصالح المصرية، وفي المقابل، تبقى المخاطر حاضرة إذا طُرحت خطوات يمنيّة تُفسَّر بأنها ضغط على القاهرة أو تهديد لممراتها الحيوية.
بهذا المعنى، فإن فهم الموقف المصري عن طريق منهجيات تحليل الخطاب والسياسات الخارجية، وتوظيفه في بناء مسارات تعاون محسوبة، يمنح صنعاء أساسًا نظريًا وعمليًا للتعامل مع القاهرة ضمن إطار يقلل المخاطر ويستثمر الفرص، في مرحلة تشهد تحولات عميقة في الأمن الإقليمي والبحر الأحمر.
لذا يوصي الباحث باعتماد مقاربة متعددة المستويات توازن بين الاستفادة من المرونة المصرية والحفاظ على المصالح اليمنية. فمن المفيد تبني سياسة تدرّجية تبدأ بملفات منخفضة الحساسية، مثل الجوانب الإنسانية والمساعدات ومكافحة التهريب البحري، بما يؤسس قاعدة ثقة عملية، كما يُستحسن تعزيز قنوات التنسيق البحري غير المعلنة، لاسيما في مجالات مراقبة الممرات البحرية وتبادل المعلومات الفنية.
على المستوى السياسي، من المهم الحفاظ على قنوات اتصال هادئة عن طريق مسارات دبلوماسية مرنة، وتموضع الخطاب السياسي في إطار احترام المصالح المصرية، أما على المستوى الإعلامي، فيُستحسن تبني لهجة تقرأ بعمق المزاج المصري المتأرجح بين التطمين والقلق، ولا تُفسَّر بأنها استفزاز للقاهرة.
[1] – نعوم ريدان، فرزين نديمي “هجمات مميتة تُبرز تزايد هيمنة الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر” معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 17يوليو 2025
[2]– U.S. DepartmentofWar”Statement from Secretary of Defense Lloyd J. Austin III on Ensuring Freedom of Navigation in the Red Sea” Dec. 18, 2023.
[3] مصر وانخراط الحوثي في الصراع الإقليمي.. الآثار والتحديات وسيناريوهات الاستجابة، مركز المسار للدراسات الإنسانية 17 يناير 2024
[4] حمدي، آية: طفرة في الإيرادات.. تحليل أداء القناة وتحقيق معدلات نمو قوية، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، 30 أكتوبر 2023
[5] المسار للدراسات الإنسانية “الحوثيون والأمن القومي المصري.. جوانب التأثير وتداعيات المتغيرات” 14 أكتوبر 2024
[6] محمد ماهر ومحمد فريد : القاهرة عالقة بين تأمين البحر الأحمر وتجنب تصورها كداعمة لإسرائيل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، ٢٦ يناير ٢٠٢٤
[7] مصر وانخراط الحوثي في الصراع الإقليمي..، مصدر سابق.
[8] من خطاب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في الذكرى الـ ٤٢ لتحرير سيناء: “الموقف المصري الواضح منذ اللحظة الأولى الرافض تمامًا لأي تهجير للفلسطينيين من أراضيهم إلى سيناء أو إلى أي مكان آخر حفاظًا على القضية الفلسطينية من التصفية، وحمايـة لأمـن مصـر القومي”.
[9] محمد ماهر، محمد فريد، مصدر سابق
[10] شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي على ضرورة التنسيق بين الدول المطلة على البحر الأحمر بوصفه صاحبة المصلحة الأولى، بحسب بيان لوزارة الخارجية المصرية، وأكد رفض مصر لاستخدام الأزمة اليمنية كوسيلة لإشراك الدول غير الحدودية في الترتيبات الأمنية المتعلقة بالمنطقة، وذلك خلال لقائه مع رئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد العليمي على هامش اجتماعات الدورة 79 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في 24 سبتمبر 2024.
[11] المنهج البحثي للأمن القومي يدرس جزء منه الأمن الداخلي كبعد أساسي، حيث يركز على تحديد مصادر القوة والضعف في الدولة لمواجهة التهديدات المتعددة التي يمكن أن تشمل التحديات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بالإضافة إلى العسكرية.
[12] تصريح وزير الخارجية المصري سامح شكري – ديسمبر 2023، “حرية الملاحة مسؤولية جماعية، وأي تهديد في البحر الأحمر ينعكس على الاقتصاد العالمي. مصر تدعو إلى ضبط النفس ومعالجة جذور الأزمات سياسيًا، وتؤكد أنها لن تنجر إلى مواجهات لا تخدم استقرار المنطقة.”
[13] محبوب، عبد الحفيظ: أميركا في البحر الأحمر للتفرد وإبعاد الخصوم؟ موقع إيلاف، 22 يونيو 2024.
[14] حسين، محمود،: لماذا ترفض مصر التورط في ضرب الحوثيين؟، موقع DW الألماني ٦ يناير ٢٠٢٤