عن الصراع الحتمي اليمني والعربي مع الكيان الصهيوني

د/ نبيل أحمد الدرويش*

في خطابه الأخير بمناسبة الذكرى السنوية للشهيد، قدّم السيد عبد الملك الحوثي، رؤيةً سياسيةً حاسمة، تضع ملامح الموقف اليمني من القضية الفلسطينية في إطارٍ عقائدي واستراتيجي واضح. الخطاب لم يكن مجرد استذكار لتضحيات الشهداء فحسب، بل كان إعلانًا جديدًا بأن الموقف من فلسطين والكيان الصهيوني يمثل جوهر العقيدة السياسية للمسيرة القرآنية، وأن الصراع مع العدو الإسرائيلي ليس طارئًا ولا مرتبطًا بموسمٍ أو حدثٍ سياسي، بل هو صراع وجودي ممتدّ في عمق الهوية العربية والإسلامية.

انطلق السيد الحوثي في خطابه من تأكيد أن الموقف من فلسطين هو معيار الثبات على المبدأ، وأن العدوان الصهيوني المستمر على غزة ليس عدوانًا على الفلسطينيين وحدهم، بل عدوانًا على الأمة كلها، وعلى رأسها محور المقاومة، الذي يتقدّم اليمن اليوم ليكون جزءًا فاعلًا منه.

في خطابه، وضع الحوثي النقاط على الحروف حين قال: إن ما يجري في فلسطين يختبر مصداقية المواقف العربية والإسلامية، وإن الصمت تجاه الجرائم الإسرائيلية هو خيانة للأمة، في حين أن التحرك ولو بالحد الأدنى دفاعٌ عن الكرامة والسيادة والهوية.

من هنا يمكن القول: إن اليمن، الذي يخوض منذ سنوات معركة الدفاع عن سيادته ضد العدوان الخارجي، يرى في الكيان الصهيوني الوجه الأوضح لذلك العدوان، سواء في بعده العسكري أم الاقتصادي أم السياسي؛ فإسرائيل ليست كيانًا محليًا يقتصر خطره على حدود فلسطين، بل مشروعٌ توسعي يسعى لفرض هيمنته على المنطقة بأكملها، مستفيدًا من حالة الانقسام العربي والاختراق الأمريكي لأنظمة الحكم في الشرق الأوسط.

البعد التاريخي للصراع:

منذ نشأة الكيان الإسرائيلي عام 1948، لم تكن أطماعه خافية على أحد؛ فالمشروع الصهيوني، منذ وعد بلفور حتى اليوم، قائم على أسس توسعية ترى في الوجود العربي عقبة يجب إزالتها أو احتواؤها، ومنذ الأيام الأولى لقيام الدولة العبرية، تبنّت إسرائيل سياسة الحدود المتحركة، التي لا تعترف بثبات الجغرافيا، بل بتغيّرها وفقاً لموازين القوة. هذه الرؤية العقائدية جعلت من الكيان الصهيوني حالة دائمة من العدوان، لا تكتفي باحتلال فلسطين، بل تتطلّع إلى ما وراءها، إلى الجولان، وسيناء، ولبنان، بل حتى البحر الأحمر.

اليمن، من موقعه الجغرافي المطل على الممرات البحرية الدولية، يُمثّل في الوعي الإسرائيلي موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، وقد ظهرت أطماع الكيان الصهيوني في البحر الأحمر منذ ستينيات القرن الماضي، حين سعت إسرائيل للسيطرة على باب المندب وتأمين خطوط الملاحة المؤدية إلى ميناء إيلات، ومنذ ذلك الوقت، تكرّر الحديث في مراكز الأبحاث الإسرائيلية عن أهمية أمن الممرات المائية في البحر الأحمر وضرورة منع أي قوى عربية أو إسلامية من السيطرة عليه.

البعد السياسي والاستراتيجي المعاصر:

اليوم، وبعد عقود من التحولات في المنطقة، يعيد الكيان الصهيوني إنتاج نفسه سياسيًا عن طريق ما يُعرف بـ اتفاقيات التطبيع، التي تهدف إلى دمج إسرائيل في المحيط العربي وطمس مركزية القضية الفلسطينية، غير أن الموقف اليمني، كما عبّر عنه السيد عبد الملك الحوثي، يأتي ليؤكد أن هذا المسار لن يمرّ دون مقاومة، وأن الشعوب الحرة لا يمكن أن تقبل بوجود كيان محتلّ يقوم على القتل والإرهاب والتمييز العنصري.

تُظهر التجربة اليمنية في مواجهة العدوان الأمريكي السعودي أن الشعب اليمني طوّر وعيًا سياسيًا عميقًا بخطورة المشروع الصهيوني على الأمن القومي العربي؛ فاليمنيون يدركون أن الحرب المفروضة عليهم ليست معزولة عن الاستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة؛ إذ تسعى تل أبيب بواسطة تحالفاتها الإقليمية إلى تحييد القوى المناهضة لها، وإضعاف الدول التي يمكن أن تشكّل تهديدًا لمصالحها.

وفي هذا السياق، يتضح أن التحركات الإسرائيلية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي ليست سوى امتدادٍ لمحاولتها السيطرة على الممرات الاستراتيجية وإخضاع المنطقة لهيمنتها الأمنية؛ فالتواجد الإسرائيلي في إريتريا، والتعاون العسكري مع بعض دول شرق إفريقيا، والحديث المتزايد عن قواعد استخباراتية إسرائيلية قرب باب المندب، كلها مؤشرات على مشروعٍ توسعي يُحاول الالتفاف على عمق العالم العربي من الجنوب بعد أن أُرهق من الشمال والشرق.

صراع وجودي لا حدودي:

حين يصف السيد الحوثي الصراع مع الكيان الصهيوني بأنه صراع وجود لا حدود، فهو يعبّر عن حقيقةٍ تتجاوز الخطاب السياسي إلى عمق الفهم التاريخي؛ فإسرائيل لا تريد السلام، بل تريد الاعتراف بشرعيتها على أرضٍ اغتُصبت من أصحابها، ومن يقبل بهذا الاعتراف إنما يتنازل عن هويته أولًا وعن مستقبله ثانيًا؛ لهذا، فإن الموقف اليمني والعربي الحر يرى أن التعايش مع الكيان الصهيوني ضربٌ من الوهم؛ لأن وجوده نفسه قائم على نفي الآخر، ولأن أمنه لا يتحقق إلا بتهديد أمن جيرانه.

إذن الصراع ليس جغرافيًا بل حضاريًا، بين مشروعٍ يسعى إلى إلغاء الأمة، ومشروعٍ يقاوم من أجل بقائها، ولعل ما يميّز الموقف اليمني اليوم هو أنه لا ينطلق من حسابات مصلحية أو ظرفية، بل من منطلق مبدئي يرى أن الدفاع عن فلسطين دفاعًا عن الكرامة اليمنية والعربية؛ لذلك، تأتي المشاركة اليمنية الرمزية في دعم المقاومة الفلسطينية سواء بالمواقف أم بالخطاب أم حتى بالقدرات العسكرية؛ تعبيرًا عن وعيٍ قومي يتجاوز حدود الجغرافيا.

ختامًا:

الصراع الحتمي مع الكيان الصهيوني ليس خيارًا سياسيًا يمكن التراجع عنه، بل قدرًا تاريخيًا فرضته طبيعة المشروعين المتناقضين: مشروع التوسع والهيمنة الإسرائيلي الصهيوني، الذي يسعى إلى السيطرة على الأرض والإنسان، ومشروع المقاومة العربية والإسلامية، الذي يتمسّك بالحق والكرامة والسيادة، وفي قلب هذا الصراع، يبرز اليمن اليوم صوتًا حرَّاً يذكّر الأمة بأن فلسطين لا تُحرَّر بالبيانات ولا بالمواثيق ولا بالتطبيع، بل بالمواقف الصادقة والتضحيات الحقيقية.

في هذا السياق، عبّر السيد عبد الملك الحوثي بوضوح عن أن الموقف من الكيان الصهيوني هو اختبارٌ للانتماء والهوية، وأن الأمة التي تنسى فلسطين تفقد نفسها قبل أن تفقد قضيّتها، ومن هنا، لا يصير الصراع اليمني والعربي مع الكيان الصهيوني دفاعًا عن فلسطين فقط، بل دفاعًا عن جوهر الوجود العربي ذاته، وعن حق الشعوب في أن تبقى حرّةً في مواجهة مشاريع الاستعباد والهيمنة.

إنها معركة وعيٍ قبل أن تكون معركة سلاح، وصراع قِيَمٍ قبل أن يكون صراع مصالح، وستظل قائمةً ما بقي هذا الكيان قائمًا على الاغتصاب، وما بقي في الأمة من يؤمن بالحق والكرامة والمقاومة.

_______________________

*أكاديمي وكاتب سياسي

كاتب