لم تكن تصريحات نائب الرئيس الأمريكي (جي دي فانس) حول الكيان الصهيوني مجرد تصريحات عادية، أو اختلاف في وجهات النظر حول قضية عابرة، وإنما كانت مؤشرًا على تيار أمريكي يتصاعد بشكل مختلف عن العلاقة التي تتجاوز الاستراتيجية؛ لتأخذ شكل القداسة، التي تربط الولايات المتحدة الأمريكية بالكيان الصهيوني حتى الآن، والأخطر أنها جاءت على خلفية قضية مصيرية، تعترض واشنطن وتل أبيب، وهي العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وفي ظل مخاوف وجودية، باتت تقلق قادة الكيان الصهيوني.
ففي مقابلة مع الـ (بودكاست) الأمريكي، جو روغان، اتهم جيه دي فانس، إسرائيل بالسعي لإفشال المفاوضات بين واشنطن وطهران، وأكد أنه يعلم “بما لا يدع مجالًا للشك أن هناك شخصيات في الحكومة الإسرائيلية تتلاعب بالرأي العام الأمريكي، وتحاول توجيه السياسة الأمريكية نحو مواصلة الحرب ضد إيران إلى أجل غير مسمى، بدلًا من التوصل إلى تسوية أو حلول دبلوماسية تضع حدا للقتال”.
كما وافق فانس، على المعلومات التي تقول: إن جيفري إبستين، المدان بالفضائح الجنسية، والاتجار بالبشر، كان على صلة بأعلى المستويات مع الموساد وأجهزة المخابرات الإسرائيلية.
تصريحات فانس، أشعلت أضواء حمراء في الكيان الصهيوني، ليس فقط لأنها وصلت إلى مرحلة غير مسبوقة، من مسؤول أمريكي كبير بهذا المستوى، وإنما لأنها تؤشر إلى تيار متصاعد في الولايات المتحدة الأمريكية، مناهض للكيان الصهيوني، وهو ما أكده فانس في تصريحاته بأن “إسرائيل تخسر حاليًا معركة الرأي العام في الولايات المتحدة”.
استطلاعات الرأي الأمريكية تؤكد ذلك؛ إذ أظهر استطلاع أجرته مؤخرا مؤسسة (غالوب) أن تعاطف الجمهوريين مع “إسرائيل ” انخفض في أعقاب الحرب على إيران، إلى أدنى مستوى له منذ عام 2004، ويُسجل التراجع الحاد بشكل خاص بين جيل الشباب؛ إذ تُظهر دراسات تتبعت مواقف الجمهوريين والإنجيليين الشباب، انخفاضًا بنسبة 24% في دعم “إسرائيل” بين الجمهوريين الذين تقل أعمارهم عن 45 عامًا، والأهم من ذلك، أن استطلاع غالوب، الذي تجريه المؤسسة منذ العام 2001، أظهر لأول مرة أن تعاطف الأمريكيين العام لم يعد يميل نحو الإسرائيليين، وإنما إلى الفلسطينيين، فمن بين الفئة العمرية 18-34 عاما، يُظهر 53% تعاطفا أكبر مع الفلسطينيين، مقابل 23% فقط يظهرون تعاطفًا أكبر مع إسرائيل، وهذه النتائج تعد نقطة تحوّل تاريخية في الرأي العام الأمريكي، وليست مجرد موجة عابرة.
أيضًا ما يثير القلق داخل الكيان الصهيوني أن هذا التحول في الرأي العام الأمريكي يطال حتى أعضاء الكونغرس والنخب الأمريكية؛ إذ أيّد نحو نصف أعضاء الحزب الديمقراطي – الذين يشكلون الأغلبية الفعلية – تصويتًا جرى في مجلس النواب الأمريكي منتصف هذا الشهر حول اقتراح يطالب بوقف فوري للمساعدات العسكرية السنوية لإسرائيل، البالغة 3.3 مليارات دولار.
وعلى رغم فشل الاقتراح؛ بسبب معارضة الحزب الجمهوري وبقية الديمقراطيين، إلاّ أن النسبة الكبيرة من الأعضاء الذين أيدوا الاقتراح، تعكس عمق التحول في علاقة الحزب الديمقراطي بـ”إسرائيل”، وقد تجلى هذا الخلاف في الانتخابات الداخلية للحزب؛ إذ أصبح التحالف مع “إسرائيل” قضية خلافية، تصب في مصلحة خصومها بالدرجة الأولى.
واللافت أن كبار الشخصيات في الحزب الديمقراطي، بمن فيهم رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي، بالإضافة إلى نواب معروفين بموقفهم الداعم لـ”إسرائيل”، صوّتوا لصالح مشروع القانون.
كما هيمنت على تصريحات أعضاء الكونغرس، التي برروا فيها قرارهم بشأن المُقترح، إشارات سلبية إلى الحكومة الإسرائيلية، ورئيسها بنيامين نتنياهو، وإلى الطريقة التي تخوض بها “إسرائيل” حروبها في المنطقة، بما في ذلك إلحاق الأذى بالأبرياء، واستخدم كثيرون مصطلح الإبادة الجماعية.
وفي أبريل/نيسان الماضي، صوّتت أغلبية كبيرة، بلغت نحو 75% من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين لصالح إلغاء مبيعات الأسلحة لإسرائيل، واقتراح آخر بحظر بيع الجرافات، التي تستخدمها إسرائيل في غزة ولبنان، وهي زيادة ملحوظة مقارنةً بتصويتات مماثلة جرت في السنوات الأخيرة.
وفي داخل الكيان الصهيوني، أثارت تصريحات فانس والتحولات في الرأي العام الأمريكي موجة من المواقف الرسمية، وعند النخب السياسية والأكاديمية والإعلامية؛ إذ تحاول الحكومة الاسرائيلية عدم الاعتراف بهذه التحولات من خلال الفصل بين الرأي العام، الذي بات مُعاديًا لإسرائيل والسياسة الفعلية، التي يُفترض أنها لم تتغير.
أما النخب الإسرائيلية فقد رفعت الصوت محذرة من هذه التحولات، التي تشير إلى تراجعٍ خطير في مكانة “إسرائيل” داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وبأن هذه التحولات سيكون لها تداعياتٍ خطيرة على “إسرائيل” خاصة في حال تحققت الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس بعد انتخابات التجديد النصفي في 3 تشربين الأول/نوفمبر المقبل، كما هو متوقع؛ إذ ستزداد الضغوط من المُشرّعين الأمريكيين لتغيير نمط العلاقات بين “إسرائيل” والولايات المتحدة.
وأجمعت معظم مواقف وتعليقات النخب الإسرائيلية على ضرورة أخذ تصريحات فانس على محمل الجد، بوصفه مُرشحًا بارزا لقيادة الحزب الجمهوري في المرحلة المقبلة بعد ترامب، وهو مرشح لتولي منصب الرئاسة فورًا في حال غياب ترامب؛ بسبب عملية اغتيال، أو عزل، أو عجز عن الاستمرار في منصبه.
ونبهت التعليقات إلى أن فانس، وعلى رغم أنه ليس الأكثر تطرفا في الحزب، فيما يتعلق بـ”إسرائيل”، إلاّ أن تصريحاته توضح أن مكانة “إسرائيل” في الحزب الجمهوري المُستقبلي تبدو غير مضمونة على غرار الحزب الديمقراطي.
أيضًا ثمة نقطة جوهرية في هذا الموضوع، وهي أن تصريحات فانس، وتزايد نسبة المعارضين للسياسات الإسرائيلية في الكونغرس الأمريكي وعند النخب الأمريكية وفي استطلاعات الرأي، تشير كلها إلى وجود مسار متصاعد عند مختلف فئات الشعب الأمريكي في مناهضة السياسات الإسرائيلية.
وإذا كانت هذه التحولات لا تزال حتى اليوم ضمن الهوامش الممكنة للحركة السياسية، ولم تنتج بعد سياسات تؤثر بشكل جدي ومباشر في التحالف الأمريكي الإسرائيلي، لكن الازدياد الكبير في أوساط الرأي العام الأمريكي المناهض للسياسات الإسرائيلية – لا سيما في جيل الشباب – سينتج عنها تحولات دراماتيكية في السياسات الأمريكية، عندما تتحول هذه المواقف إلى أصوات في انتخابات الرئاسة والكونغرس، وستكون مؤثرة بشكل جدي في الرأي العام الأمريكي، وهو ما يثير القلق الحقيقي داخل الكيان الصهيوني؛ إذ يشكل الدعم الأمريكي للكيان ركنًا أساسيًا من مقومات وجوده، وتوفير أسباب بقائه.