التدخل السوري ضد المقاومة اللبنانية… مهمة شبه مستحيلة

التدخل السوري ضد المقاومة اللبنانية... مهمة شبه مستحيلة

التدخل السوري ضد المقاومة اللبنانية… مهمة شبه مستحيلة

التدخل السوري ضد المقاومة اللبنانية... مهمة شبه مستحيلة
Picture of أحمد يوسف

أحمد يوسف

كاتب ومحلل سياسي

أثارت التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – على هامش مشاركته في قمة مجموعة السبع، حول رئيس السلطة السورية أحمد الشرع، ودور سورية في لبنان – الكثير من التساؤلات عن مدى دقتها وجديتها، وعن دور سورية الإقليمي.

فقد قال الرئيس ترامب: “أنا من وضعت الشرع رئيسًا على سوريا، بالتعاون مع أردوغان…”، وأشاد بعمله، وبأنه يقوم “بعمل مذهل.

واعتبر ترامب أن سوريا تتجه نحو مزيد من الاستقرار والوحدة، و”تتوحد بشكل جيد”، وأضاف أن أحمد الشرع يقوم “بعمل رائع”، وسوريا “بدأت تتماسك وتتّحد بشكل جيد جدًا”.

أما الكلام الذي أثار الجدل أكثر فكان حول حزب الله، عندما قال: إنه “اقترح على إسرائيل أن يتولى الشرع أمر حزب الله اللبناني…””، وأضاف أن إسرائيل “تقاتل حزب الله منذ مدة طويلة جدًا، ويسقط عدد كبير جدًا من القتلى…، اقترحت على إسرائيل أن تتولى سوريا أمر حزب الله؛ لأنني بصراحة أعتقد أنهم سيقومون بعمل أفضل”.

وعلى رغم أن هذا الكلام قد قاله ترامب دون التشاور مع الشرع، وهو ليس جديدًا؛ إذ جرى تداوله سابقًا بداية العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، والإسرائيلي على لبنان، وسارعت السلطات السورية حينها إلى نفي وجود أي خطط من هذا النوع، لكن طرح ترامب لهذا الموضوع بعد الفشل الأمريكي الإسرائيلي في تحقيق أهداف العدوان على إيران، وإعلان ترامب عن التوصل إلى اتفاق مع طهران لوقف الحرب – بشروط أقرب إلى الموقف الإيراني، ويشمل وقف القتال في لبنان دون التشاور مع حكومة نتنياهو – أثار أسئلة وعلامات استفهام كثيرة حول خلفياته وأهدافه وأبعاده.

يؤكد الموقف السوري من الوضع في لبنان – منذ التغيير الدراماتيكي الذي حصل في دمشق – أن السلطات السورية تتعامل بحذر مع الملف اللبناني؛ لأنها لا تريد الانجرار إلى مسار قد يهدد استقرارها الداخلي، أو يفتح عليها أزمات سياسية واجتماعية إضافية.

وعلى أرض الواقع – سياسيًا وميدانيًا – فإن انخراط سورية في مثل هذا الصراع ليس بالسهولة التي أظهرتها تصريحات ترامب، ودونها عقبات تجعلها شبه مستحيلة.

فالمسألة لا تتعلق – فقط – بقدرة سوريا على الدخول في هذه المواجهة، وإنما في كلفة هذا الخيار أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا، في الوقت الذي تواجه فيه سورية تحديات داخلية كثيرة، وتحاول إعادة بناء مؤسساتها، وتعزيز الاستقرار بعد سنوات من الحرب والانقسام.

وأي دور لسورية في لبنان يحتاج إلى غطاء رسمي لبناني، وقدرات عسكرية واستخباراتية كبيرة، واستعداد لمواجهة لن تكون سهلة مع الحزب، وهذا غير متوافر حاليًا عند الدولة السورية، إضافة إلى ذلك فإن هذه الخطوة تمنح حزب الله مبررًا إضافيًا للاحتفاظ بسلاحه، ويعزز الانطباع بأن الدولة اللبنانية عاجزة عن إدارة شؤونها السيادية، فيما قرارات الدولة اللبنانية والأمم المتحدة أناطت بالجيش اللبناني أن يتولى المسؤولية على كامل الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح بيد الدولة.

كما أن السلطات السورية تدرك أن دخول قواتها إلى لبنان لن يلاقي ترحيبًا حتى من أطراف وازنة تعادي حزب الله؛ بسبب حساسية هذه الأطراف من مرحلة الدخول السوري السابق إلى لبنان عام 1976، وبسبب حساسية أطراف أخرى وازنة أيضًا، من نوعية السلطة الحاكمة في دمشق.

أما النقطة الأهم فهي أن السلطة السورية ليس لها مصلحة بإعطاء صورة داخلية وخارجية بأنها تقف مع الكيان الإسرائيلي ضد المقاومة اللبنانية، على رغم الخلاف حول دورها في سورية منذ العام 2011، وهو ما يفتح الباب أمام تداعيات أمنية خطيرة للسلطة السورية واللبنانية على حد سواء.

أما إقليميًا ودوليًا فإن الدخول السوري إلى لبنان يتطلب حسابات تراعي التوازنات الجيوسياسية المعقدة في المنطقة، وتغطية من القوى والدول الفاعلة، وقرارات أممية غير متوافرة.

كما أن الدول الإقليمية المؤثرة – وفي مقدمتها السعودية وتركيا ومصر – لا يبدو أن أيَّاً منها على استعداد لتغطية مثل هذه الخطوة؛ بسبب خطورتها على توازنات المنطقة، وتعارضها مع مصالحها وأمنها الوطني، وتتجنب الظهور وكأنها تقف مع حكومة الاحتلال.

وفي الموقف الإسرائيلي قد يبدو مفاجئًا أن حكومة نتنياهو تقف في أول المعارضين للتدخل السوري في لبنان؛ لأسباب عدة، فهي تدرك بأن مثل هذه الخطوة ستكون المبرر لإحياء الدور الإيراني في سورية ولبنان، وهي التي خاضت كل هذه الحروب والصراعات لوقف تمدد النفوذ الإيراني…

كما تخشى من وصول تركيا – منافستها الإقليمية وفي الساحة السورية – إلى حدودها، ليس – فقط – في سورية، وإنما في لبنان أيضًا، باعتبار أن أي تحرك سوري سيكون بالتنسيق معها.

هذا الموقف عبرت عنه عدد من تعليقات وسائل الإعلام الإسرائيلية، لا سيما المقربة من الحكومة، ومنها القناة 12 الإسرائيلية التي قالت: إن اقتراح ترامب يثير القلق في إسرائيل، ويشبه إلقاء عود ثقاب في برميل متفجرات، ويعني أننا سنقبل بوجود القاعدة وأردوغان على الحدود الشمالية.

هذا الوضع الجيوسياسي المعقد يجعل من كلام ترامب مجرد تصريح يندرج في إطار فوضى التصريحات الترامبية، وتؤكد أن المساحة المتاحة للدور السوري في لبنان لا يمكن أن يصل إلى ما ذهب إليه ترامب، ولن يتجاوز في أحسن الأحوال ضبط الحدود، ومنع التهريب، والتعاون مع السلطات اللبنانية في السياسات التي تقررها.

هذا الموقف عبر عنه بكل وضوح رئيس السلطة السورية أحمد الشرع، الذي قال في تصريح سابق له: “إن دمشق لن تتحرك في أي ملف متعلق بحزب الله، إلا عبر المؤسسات اللبنانية، وبطلب من الحكومة اللبنانية، لا بصورة منفردة أو بتوجيه خارجي”.

كما أعاد هذا الموقف قبل أيام قليلة أمام وفد من ريف دمشق، وقال: “لن ندخل لبنان، وتلك مطالب أمريكية، ولكن نحن تريد الاستقرار للبنان، ولن نكون طرفًا في هذه الحرب”.

ويُعتقد أن هذا التصريح كان السبب في إلغاء الزيارة التي كان يجري الحديث عنها للشرع إلى واشنطن، كما كانت السبب في إلغاء مشاركته في قمة السبعة الكبار، التي عقدت في فرنسا، الذي كان مدعوًا إليها، على رغم أهمية المشاركة في مثل هذه الحدث المهم على الساحة الدولية؛ لما توفر له ولحكومته المزيد من الاعتراف الدولي.