إثيوبيا وأرض الصومال … طموحات النفوذ وتحديات الاعتراف

إثيوبيا وأرض الصومال ... طموحات النفوذ وتحديات الاعتراف

تقدير موقف ┃ 1 فبراير 2026

مقدمة

تشكل مسألة الاعتراف الإثيوبي بأرض الصومال عقدة جيوسياسية تتجاوز ثنائية الاعتراف وعدم الاعتراف، لتلامس رهانات النفوذ وإعادة تشكيل التوازنات في القرن الإفريقي، ففي ظل سعيها الدائم لكسر قيد الجغرافيا بوصفها دولة حبيسة، تنظر أديس أبابا إلى أرض الصومال رافعة استراتيجية محتملة، لا سيما إذا ما نجحت في توظيف أي اختراق دولي نوعي ــ بما في ذلك الرهان على اعتراف الكيان الإسرائيلي بوصفه طرفًا دوليًا خارج الإطار الإفريقي ــ لتخفيف الكلفة السياسية لخطواتها اللاحقة، غير أن هذا الطموح يصطدم بهاجس داخلي عميق، يتمثل في الخوف من أن يتحول الاعتراف إلى سابقة تغذي النزعات الانفصالية داخل قوميات الدولة الفيدرالية الإثيوبية.

وبين إغراء المكاسب الاستراتيجية ومخاطر التفكك الداخلي، تواصل إثيوبيا إدارة ملف أرض الصومال بوصفه ورقة مؤجلة، لا قرارًا محسومًا.

معضلة الدولة الحبيسة وحدود المناورة

لا يمكن فهم السلوك الإثيوبي تجاه أرض الصومال خارج إطار المعضلة البنيوية التي تعيشها الدولة منذ أن تحولت فعليًا إلى دولة حبيسة عقب استقلال إريتريا عام 1993، فغياب المنفذ البحري لم يكن مجرد خسارة جغرافية، بل تحول إلى عامل مقيد لإرادة الدولة وطموحاتها، وأعاد تشكيل أولوياتها الاستراتيجية بما يفرض عليها نمطًا من البراغماتية القسرية التي تتحرك ضمن هوامش ضيقة، مهما بدت خياراتها الخارجية مغرية.

في مواجهة هذا القيد الجغرافي، تبنت إثيوبيا سياسة تقوم على تعظيم الفوائد وتقليص المخاطر، دون السعي إلى حلول جذرية قد تنطوي على كلفة سياسية أو أمنية مرتفعة، ومن هنا تحديدًا، جاء الانفتاح على أرض الصومال بوصفها كيانًا قادرًا على توفير منفذ بحري بديل وعملي دون الحاجة إلى خوض صدامات عسكرية أو مغامرات إقليمية أو يمكن القول بتأجيلها على الأقل، غير أن هذه البراغماتية نفسها تصطدم بحدود واضحة، حين يتعلق الأمر بالاعتراف الرسمي والسيادي.

فعلى الرغم من الإغراءات الاقتصادية والجيوسياسية التي يتيحها الاعتراف بأرض الصومال، فإن النهج الاستغلالي الإثيوبي يتوقف عند النقطة التي تبدأ فيها المخاطر الوجودية، فالاعتراف لا يقرأ فقط خطوة خارجية، بل رسالة داخلية شديدة الدقة والحساسية، وقد تفسر على أنها إقرار بشرعية الانفصال أداة سياسية، وفي دولة تقوم بنيتها الفيدرالية على أساس قومي، يصبح هذا الاعتراف بمقام سابقة قد تقوض قدرة المركز على ضبط أطرافه القابلة للانفصـال.

الداخل الإثيوبي … وحدة هشة ونزعات كامنة

يمثل الداخل الإثيوبي العامل الأكثر حساسية في معادلة الاعتراف، فالدولة الفيدرالية تقوم على أساس عرقي يمنح القوميات حقوقًا واسعة في حكم نفسها، بما في ذلك حق تقرير المصير نظريًا وفق دستور إثيوبيا لعام 1995، المتعلق ببنية النظام، بشكلها هذا جعلت النزعات الانفصالية كامنة ومستمرة، وقابلة للانفجار في أي لحظة، وضمن هذا السياق قد تخشى أديس أبابا أن يؤدي الاعتراف بأرض الصومال إلى إحياء مطالب مشابهة داخل حدودها، على مبدأ “يجوز لنا ما يجوز لغرينا”[1].

أبرز الأمثلة على هذه المعضلة الإثيوبية تظهر في إقليم تيغراي؛ إذ أسفر الصراع المسلح بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والحكومة الفيدرالية في 2020–2022 عن كارثة إنسانية وأزمة سيادة حقيقية، ما كشف مدى هشاشة مركز الدولة أمام إقليم ذي بنية عسكرية وسياسية قوية نسبيًا، قادر على تحدي السلطة المركزية، أما أوروميا، أكبر الأقاليم الإثيوبية من حيث السكان، فتشهد تصاعدًا مستمرًا للخطاب القومي، مع وجود فصائل مسلحة مثل الجبهة القومية لتحرير الأورومو، التي طالبت في مراحل مختلفة باستقلال جزئي أو كامل، ما يجعل أي خطوة خارجية في هذا الإطار قابلة للتفسير على أنها إقرار بمبدأ الانفصال، ويمكن أن تتسبب في تغذية المطالب المحلية بالانفصال[2].

إضافة إلى ما تقدم، يمثل إقليم الصومال الإثيوبي “الأوجادين” حالة حساسة للغاية في الحسابات الإثيوبية بسبب موقعه الجغرافي والسياسي والديموغرافي؛ إذ يمتد الإقليم على طول الحدود مع الصومال، ويضم أغلب سكانه من العرقية الصومالية، مما يمنحه امتدادًا في الثقافة والهوية خارج الحدود الوطنية، هذا الامتداد العرقي جعل الإقليم تاريخيًا ساحة لصراعات الهوية والسلطة، وشهد في عقود سابقة محاولات متكررة لإقامة كيانات شبه مستقلة أو لتحريك مطالب الحكم الذاتي داخل إطار الدولة الإثيوبية، حتى الأقاليم الأقل إثارة للنزاع مثل العفر وبني شنقول – قماز، على رغم ضعف حدة المطالب الانفصالية لديها، تحمل في طياتها توترات عرقية وشعورًا بالتهميش يمكن أن تتفاعل بقوة مع أي نموذج ناجح للانفصال حولها[3].

القيود الإقليمية والدولية ومخاطر الاصطفاف الأمني في البحر الأحمر

يواجه أي تحرك إثيوبي للاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي مجموعة من التعقيدات المتصلة بالقيود الإقليمية والدولية تجعل هذه الخطوة شديدة الكلفة على المستويين السياسي والأمني، فعلى رغم الإغراءات الاقتصادية والجيوسياسية الواضحة المرتبطة بالحصول على منفذ بحري على خليج عدن، ومقاربة الرؤى لتنسجم مع الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية فيما يخص منطقة القرن الإفريقي وباب المندب، لا تزال “أرض الصومال” جزءًا لا يتجزأ من جمهورية الصومال بموجب القانون الدولي ووفق مبدأ وحدة الأراضي المثبت في ميثاق الأمم المتحدة.

إضافة إلى ذلك، يتبنى الاتحاد الإفريقي بشكل صارم “مبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار” خشية فتح الباب أمام موجات انفصال جديدة في قارة تعاني أصلًا من هشاشة الدولة الوطنية، هذا الموقف عبرت عنه مؤسسات الاتحاد الإفريقي مرارًا، وهو ما يضع إثيوبيا – بوصفها دولة محورية وعضوًا مؤثرًا في الاتحاد – أمام خطر العزلة السياسية وتقويض مصداقيتها الإقليمية إذا أقدمت على اعتراف أحادي يتناقض مع هذا الإجماع[4].

أما إقليميا، فتخشى إثيوبيا –أيضًا- من أن يشكل الاعتراف سابقة قد تستخدم ضدها على المستوى الداخلي كما أشرنا سابقًا، فضلًا عن أن اعتراف كهذا يمكن أن يعمل على توتير علاقاتها مع دول عربية وإسلامية فاعلة في البحر الأحمر، ترى في وحدة الصومال جزءًا من أمنها القومي، وهو ما يمكن أن يضيف تبعات سياسية واقتصادية إلى كلفة الاعتراف الإثيوبي.

وتتضاعف هذه الكلفة عندما يربط الاعتراف المحتمل بالسياق الأمني الأوسع في البحر الأحمر وخليج عدن، ولا سيما في ظل تصاعد دور أنصار الله والقوات المسلحة اليمنية، وصرامة الموقف الذي أعلنه قائد الثورة السيد عبد الملك الحوثي عقب الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وتأكيده على أن أي تواجد إسرائيلي في أرض الصومال سيكون هدفًا عسكريًا لقواته؛ لما يمثله هذا التواجد من تهديد مباشر لأمن دول المنطقة، وعلى رأسها الأمن القومي اليمني.

فجزء معتبر من التحليلات الغربية و”الإسرائيلية” انطلقت من فكرة ما تمثله “أرض الصومال” بوصفها منصة جغرافية مثالية لمراقبة التحركات البحرية لقوات صنعاء في البحر الأحمر وخليج عدن، بل عمقًا عملياتيًا للتحرك العسكري تجاه السواحل اليمنية، وهو ما يفسر اهتمام الكيان الإسرائيلي الكبير بهذا الإقليم خلال السنوات القليلة الماضية،

وانطلاقَا من هذه الاعتبارات يمكن القول: إن أي اعتراف إثيوبي بأرض الصومال سيكون – في تصور صنعاء على الأقل – منسجمًا مع الرؤية الإسرائيلية والأمريكية لإعادة هندسة التحالفات والنفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ما قد يدفع صنعاء إلى اعتبار إثيوبيا طرفًا في معادلة الصراع، ويحولها من دولة تسعى لتعزيز مكاسبها الاقتصادية ويتفهم محيطها الإقليمي مشروعية ذلك، إلى تهديد أمني في مسرح البحر الأحمر، مما قد يؤدي إلى إدخالها في حسابات الردع اليمنية المرتبطة بـ “إسرائيل” وحلفائها[5].

خلاصة موقف

في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن امتناع إثيوبيا عن الاعتراف بـ “أرض الصومال” حتى الآن على الأقل، لا يعكس رفضًا مبدئيًا لهذا الخيار، بقدر ما يجسد حسابًا دقيقًا تفرضه موازين الكلفة والعائد في السياق الراهن، فالاعتراف مهما حمل من مغريات اقتصادية وجيوسياسية مرتبطة بالنفاذ البحري وملاقاة الرؤى الأمريكية والإسرائيلية، يبقى محفوفًا بمخاطر عميقة تمس جوهر الاستقرار الإثيوبي الداخلي، ويمكن أن يرتد على وحدة الدولة نفسها.

وإلى جانب ذلك، قد يضع اعتراف إثيوبيا في قلب اصطفافات أمنية غير محمودة العواقب، وهو ما يفسر حذرها الراهن في التعاطي مع هذا الملف، وربما يدرك صناع القرار في أديس أبابا أن المكاسب المحتملة من الاعتراف لا تعادل حجم المخاطر السياسية والأمنية والدبلوماسية المترتبة عليه؛ الأمر الذي يجعل خيار الاعتراف مؤجلًا لا مستبعدًا، لكنه يظل خطوة عالية الكلفة تتجاوز قدرة إثيوبيا الحالية على تحمل تبعاتها في المدى المنظور.

[1] Ahmednasir M. Abdullahi، “Article 39 of the Ethiopian Constitution on Secession and Self-determination: A Panacea to the Nationality Question in Africa?”، مجلة Law and Politics in Africa, Asia and Latin America (Verfassung und Recht in Übersee)، المجلد 31، العدد 4، 1998، ص 440–455.

[2] إسلام عبد المجيد عيد، «أزمة تيغراي.. تعيد الانقسامات العرقية في إثيوبيا إلى الواجهة من جديد» ، World Geostrategic Insights، 17 نوفمبر 2020.
متاح على:  https://www.wgi.world/mat-tyghray-taeid-al-iinqisamat-alearaqiat-fi-iithyubia-iilaya-alwajiha-mn-adid/?lang=ar

[3] محمد الدابولي، «الأوجادين.. إقليم يستعصي على الاندماج في إثيوبيا»، مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، 9 أبريل 2020.

متاح على: https://2u.pw/EGPoS

[4] «لماذا اعترفت إسرائيل بأرض الصومال؟»، المركز الإفريقي للاستشارات (African Center for Consultancy)، 28 يناير 2026. متاح على:
https://afrocen.org/article.php?id=2998&l=ar

[5] “Strategic Importance of Somaliland”، Dhyeya IAS، 15 January 2026. متاح على:
https://www.dhyeyaias.com/current-affairs/daily-pre-pare/view/strategic-importance-of-somaliland