كيف تقرأ صنعاء التهديد الإسرائيلي في القرن الإفريقي؟

طالب الحسني

كاتب وباحث سياسي

    • تقدير موقف – 5 /2026/1

—————————————————————

  • في المقابلة الأخيرة له مع قناة الجزيرة قال الرئيس الصومالي حسن محمود شيخ: إن الحكومة الفدرالية في مقديشو كانت على دراية بنشاط سري لـ “إسرائيل” في أرض الصومال.

لم يحدد شيخ التاريخ، فتاريخ نشاط العدو الإسرائيلي في القارة الإفريقية يحدد بالعقود وليس بالسنوات، ما يريده الآن هي مرحلة جديدة لمهام كذلك جديدة.

 يُقرأ التطور الأخير في منطقة القرن الإفريقي -اعتراف العدو الإسرائيلي بأرض الصومال دولة منفصلة عن الصومال-  وما ينطوي عليه من خطورة تموضع العدو الإسرائيلي في القرن الإفريقي، وما يتطلبه من سقف رادع لمنع هذا التموضع، من ثلاث زوايا:

الزاوية الأولى: تهديد وجودي وحالة حرب:

هذه الزاوية التي انطلق منها السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي؛ لتحديد الخيار الإجباري الاضطراري، إجراء عسكري رادع وسريع يتناسب مع اعتبار وجود العدو الإسرائيلي على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب تهديدًا استراتيجيًا وحيويًا ووجوديًا.

الثانية: سلوك استفزازي يهدد الاستقرار

يوصف الإجراء بأنه خطوة تثير الكثير من التداعيات الداخلية في الصومال والقرن الإفريقي، أقلها منع حكومة هرجيسا من الاستقرار، ومن ثَمَّ الوجود الإسرائيلي لن يحقق أهدافه.

الثالثة: فرصة لتوحيد الموقف ضد العدو الإسرائيلي

تشكل الخطوة الإسرائيلية فرصة لتوحيد الموقف العربي والإسلامي الآسيوي والإفريقي في مواجهة تحركات العدو الإسرائيلي من القاعدة التي تؤكد أن تحركات العدو الإسرائيلي باتت تطوق كل هذه الأطراف.

 جرى تحديد هذه الزوايا الثلاث استنادًا إلى ردود الفعل التي أعقبت إعلان كيان العدو الإسرائيلي. وباستثناء الزاوية الأولى والموقف اليمني وإعلان السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي؛ فإنها تبدو قاصرة وستحدد سقفًا متدنيًا لمواجهة مخطط واسع لكيان العدو الإسرائيلي على غرار الكثير من ردود الفعل القاصرة التي تسببت في تداعيات لم تعالج حتى اللحظة. وإن العدو الإسرائيلي في تاريخه أسس استراتيجيته على مراكمة الخطوات التدريجية التوسعية عندما وجد ردود فعل لا ترقى إلى التقييم الصحيح للمشروع الصهيوني.

لكن ماذا ينقص السيناريو الأسوأ لكي يكتمل؟

الصورة المهددة يمكنها أن ترتسم بثلاثة سيناريوهات:

  • السيناريو الأول: الاعتراف الأحادي المعلن من الجانب الإسرائيلي

تكتمل خطوات العدو الإسرائيلي وحكومة أرض الصومال عن طريق الاعتراف الأحادي، وتبدأ على الفور ترتيبات عسكرية –  وهي جوهر ما يخطط له الكيان – : ميناء وقاعدة عسكرية في بربرة، وتجاهل ردود الفعل الداخلية في صوماليلاند وجميع الأقاليم الصومالية، وكذلك محاولة مواجهة ردود الفعل الخارجية.
وما من شك أن الطرفين قد وضعا ذلك واحدًا من الاحتمالات المرجحة .

ويعتمد نجاح سلوك التجاهل على قوة ردود الفعل وحجمها وديمومتها. وحتى اللحظة وعن طريق تتبع المواقف فإن ردود الفعل في الداخل الصومالي بجميع أقاليمه يغلب عليها الرفض والسخط الشديد، وانعكس ذلك في التظاهرات والردود القبلية وفتاوى العلماء الذين جرموا ما قامت به حكومة صوماليلاند. في المقابل صعدت مواقف تبريريه من شخصيات بينها برلمانية، بينما حاولت مؤسسات إعلامية ومنصات تواصل إظهار الترحيب الشعبي بالاعتراف “الإسرائيلي”.

قد تخفت ردود الفعل الشعبية، وهو نمط خطير يقرأه العدو الإسرائيلي وقد يراهن عليه. وفي كثير من الحالات تشير إليه الكثير من الدراسات الإسرائيلية، على أن إعادة ردود الفعل إلى الواجهة سترتبط بصورة مباشرة بالتطورات، بينها الخطوات العسكرية اليمنية إذا باشر العدو الإسرائيلي بالتواجد على الإقليم.

 من ثَمَّ مركزية تأثير اليمن والمعادلة التي تفرضها سيكون حاسمًا، وفي المقابل يمكن أن يفتح تداعيات جديدة، لكنها ستكون أقل ضررًا من التغاضي.    

 ما تملكه الحكومة الصومالية في مواجهة التهديد بصورته المحددة –  اعتراف أحادي إسرائيلي –  ورقتين:  
الأولى: داخلية عن طريق تأليب الشارع الصومالي ضد حكومة الانفصال، وهو ما سيؤدي إلى انشقاقات وتمردات للمناطق والولايات التي يمكن أن تشكل أقاليم على غرار ” أودال “، وكذلك إقليم ” خاتمو” الذي انفصل فعليا عن أرض الصومال.

 يدعم هذا الخيار إجماع الشعب الصومالي على الوحدة، فمن بين 94 مقاطعة صومالية هناك ثلاث مقاطعات فقط تدعم جزئيًا الانفصال، بينها هرجيسا – عاصمة الإقليم – وبربرة – وبوارو، وهذا يجعل صوماليلاند جيبًا صغيرًا.

والثانية: خارجية تتمثل في استمرار التحرك مع الاتحاد الإفريقي والتنسيق مع مصر والسعودية وتركيا والأمم المتحدة لمنع أي إجراءات إسرائيلية عسكرية.

 وكيفما كان نجاح هذه الورقة فسيبقى ذلك لمرحلة مؤقته، ومن ثم ليست عملية على المدى الطويل، وقد يعمل عليها العدو الإسرائيلي بتأجيل بعض الخطوات العسكرية.

إن أية استجابة لامتصاص الغضب الشعبي الراهن ستتمثل في تراجع الضغط على حكومة الانفصال وأطرافه ودعاته والداعمين له، وهو بمقام استدراج لحركة نشطة من الاستقطاب العلني؛ إذ إن العدو الإسرائيلي وحكومة هرجيسا عن طريق مراقبة ردود الفعل حصلوا على قائمة كبيرة من البيانات يمكن توظيفها عبر سلسلة من الإغراءات أو التهديدات. 

  • السيناريو الثاني: توسع عملية الاعتراف

من المتوقع أن تبدأ دول بالتنسيق مع كيان العدو الإسرائيلي باعتراف مماثل بأرض الصومال، وهناك قائمة دول هامشية وصغيرة، وصولًا إلى متوسطة في إفريقيا وحول العالم، ثم تتسع الدائرة مع مرور الوقت.

يراهن كيان العدو الإسرائيلي بنسبة عالية على هذا السيناريو، الذي تشير إليه دراسات معهد الأمن القومي الإسرائيلي. رهانه قائم على تجربة، فالعدو الإسرائيلي قاد من وقت مبكر مهام لها علاقة بالاعتراف وتنسيق التواصل للحصول على علاقات تطبيع بأبعاد مختلفة، فقد بدأ بما أطلق عليها العلاقة مع الأطراف.

 إثيوبيا والإمارات

 على الرغم من وجود تعقيدات ومخاوف في إثيوبيا من تقليد الخطوة الإسرائيلية، – وهي قد سعت بالفعل للحصول على منفذ بحري- من بينها وجود 12 إقليمًا في إثيوبيا، بعضها قابل لإعلان الانفصال، والحالة هذه لا تنحصر في إثيوبيا بل في كل إفريقيا، ولهذا يجري تجنب الاعتراف بالانفصالات، ومع ذلك فإن أديس أبابا ونتيجة لما تطلق عليه حقها في الوصول للبحر الأحمر ستلحق بكيان العدو الإسرائيلي، وسيكون هذا محتملًا بنسبة عالية. وعلى الطريقة نفسها تجابه الإمارات المتهمة بالتنسيق لكل هذه التطورات تعقيدات مشابهة. وعندما يحدث الاعتراف من أسمرة وأبوظبي، سنكون أمام تحالف إثيوبي إسرائيلي إماراتي تتجاوز تداعياته وخطورته القوى والدول المحيطة إلى دول وقوى في العالم -الصين وروسيا.

في هذا السياق يجب عدم إغفال الهند وتحالفها مع كيان العدو الإسرائيلي.
إن انهيار شبه الاتفاق على إبقاء دول القرن الإفريقي بعيدة عن التدخلات التي تغير الأنظمة السياسية كما حدث في السابق سيحدث بصورة سريعة وتتغير الخارطة؛ ما يؤدي إلى إسقاط أنظمة أو التهديد بإسقاطها لدفعها للرضوخ.

  • السيناريو الثالث: انخراط الولايات المتحدة في عملية الاعتراف

صحيح أن ذلك قد يتأخر، ولكن واشنطن لا ترفض الاعتراف بأرض الصومال ولم تصدر بيان إدانة للموقف الإسرائيلي، بل دافعت عنه في الأمم المتحدة، والوصول لهذا السيناريو من شأنه صناعة فوضى لن تتوقف وسلسلة انشقاقات وانفصالات لا حصر لها في إفريقيا والعالم.
لقد كانت صعوبة وتعقيدات الاعتراف بالجيوب الانفصالية أو المرشحة للانفصال هو ضابط الإيقاع لعقود طويلة، ينطبق ذلك على عشرات النماذج، أبرزها مطالبات الأكراد بدولة على مساحة موزعة في أربع دول: تركيا وإيران والعراق وسوريا. وإذا سمح بذلك فسيكون هناك عشرات الدول تشهد مصير يوغسلافيا شرق أوروبا.  

من الضغط على العدو الإسرائيلي إلى الضغط على اليمن

 إن إدراك عدد من الدول العربية والإسلامية – بينها مصر والسعودية وتركيا والجمهورية الإسلامية الإيرانية – خطورة تموضع العدو الإسرائيلي في بوابة البحر الأحمر والتحكم بهذا الممر على أمنها القومي والوطني والاقتصادي- سيدفعها إلى توحيد الموقف تجاه العدو الإسرائيلي، ومن ثم يقود إلى تراجع حكومة أرض الصومال أو تراجع العدو الإسرائيلي، قد يحدث ذلك وهناك بعض الرهان على مثل هذا السيناريو، ومن هنا تأتي زيارات الرئيس الصومالي إلى تركيا، وكذلك المحتملة إلى السعودية ومصر.

وقد يتزامن ذلك مع ضغط الداخل الصومالي الرافض، وصولًا إلى استدعاء الوساطة الأمريكية، وبإخراج إيران من المجموعة، فإن مجموعة هذه الدول تمارس “الانبطاح ” منهجية في سياستها الخارجية، وخصوصًا مع كيان العدو الإسرائيلي، ودون شك لن تكون الولايات المتحدة الأمريكية وسيطًا يحترم مخاوف الدول العربية والإسلامية، ولا تفعل الولايات المتحدة الأمريكية ذلك. ومن ثم فإن واشنطن ستستحضر سردية استخدمتها سابقا، وهي (حق إسرائيل في الحفاظ على أمنها القومي)، وفي هذه الحالة فإن المطروح حاليا أن وجود العدو الإسرائيلي في القرن الإفريقي يرتبط “بالضرورة الأمنية “.

 بالتالي ما يجب أن نتوقعه في اليمن ويبدو بشكل واضح، أن تقود الولايات المتحدة الأمريكية مفاوضات سرية أو علنية تفضي إلى تراجع كيان العدو الإسرائيلي مقابل توحيد هذه الدول مع العدو الإسرائيلي ضد اليمن.

المقاربة التي يضعها العدو الإسرائيلي مع واشنطن أن أهداف العدو الإسرائيلي للوصول للبحر الأحمر هو حماية مروره من تهديد اليمن بعد عمليات إسناد غزة، وهو من هنا سيضع تراجعه مشروطًا بالتحالف ضد اليمن أو تركه ” للقيام” بما يسميه إزالة التهديد.  هذه مقاربة تشبه ما يضعه في غزة ولبنان وسوريا وترتبط بالسلاح ونزعه.  

لا يشكل وجود العدو الإسرائيلي بقاعدة عسكرية يمكن التعامل معها خطورة على المدى القريب والمتوسط أكبر من خطورة انسحابه- الذي قد يكون شكليا- مقابل توظيف دول مثل السعودية ومصر وتركيا مجتمعة ضد اليمن تحت عنوان ” إزالة تهديد الملاحة الدولية “، هذه الطريقة يعمل بها العدو الإسرائيلي منذ عقود ويتداخل معها الضغط الأمريكي والاستجابة العربية والإسلامية.

التوصيات

بناء على أن جميع السيناريوهات المتوقعة سلبية سواء استمر العدو في الإسرائيلي في الاعتراف الأحادي أم انضمت إلى الاعتراف دول صغيرة ومتوسطة، وصولًا إلى انضمام إثيوبيا بما يشكله تحالفها مع كيان العدو الإسرائيلي من تهديد، وانتهاء بالوساطة الأمريكية استجابة لتحرك سعودي وتركي ومصري، فإن الجهد يتوجب أن يركز على الاستعداد لمواجهة التهديد بحالاته الثلاث.

هناك فرصة تتعلق بالمتسع الزمني لمراكمة الإعداد العسكري، الأمني، التعبوي، والتمويلي. بالإضافة يتعين الاستفادة من الفرص المواتية:

  • – توظيف السخط الشعبي الصومالي لإسقاط حكومة أرض الصومال واستباق أي توسع للاعتراف أو أي نشاط للعدو الإسرائيلي.
  • – أي نجاح لمواجهة العدو الإسرائيلي في الضفة الإفريقية سيكون بوابة واسعة للتأثير في منطقة القرن الإفريقي.
  • – إمكانية أن تكون الحكومة الصومالية متعاونة أكبر من أي وقت مضى مدفوعة بالمخاوف والخطر المحدق .

 

كاتب