فواز أحمد النقاش
مع دخول الرئيس دونالد ترامب ولايته الثانية، لم تعد سياسة “الضغط الأقصى” مجرد استئناف لنهج سابق، بل تحولت إلى عقيدة راسخة في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إيران، وهذه السياسة- التي تتسم بالغطرسة الشخصية والسياسية، وتتناغم بشكل كامل مع رؤية الحليف الاستراتيجي المجرم بنيامين نتنياهو- وجدت في الاحتجاجات الداخلية الأخيرة في إيران فرصة لتشديد الخناق، وتحقيق ما لم يستطيعوا القيام به في حرب الاثني عشر يومًا، لكن هذا الرهان اصطدم بما يمكن وصفه بـ “صلابة الصمود” الإيراني، التي تجلت بوضوح في الشارع نفسه.
هذه المقالة تحلل المواجهة القائمة صدامًا بين إرادتين: إرادة فرض الهيمنة عن طريق استغلال التوترات والاحتجاجات الداخلية، وإرادة الحفاظ على السيادة الوطنية عن طريق حشد الولاء الشعبي الثوري الوطني.
وهنا نحاول تجاوز التحليل التقليدي للصراع الإيراني-الأمريكي بوصفه صراع مصالح جيوسياسية، لنقدم تحليلًا سيكولوجيًا واستراتيجيًا يربط بين سلوك القادة الحاليين (الغطرسة) واستجابة الدول (الصلابة)، وتبيان دور “معركة الشارع” كأداة حاسمة في الحروب الهجينة الراهنة؛ إذ لم يعد الصراع مقتصرًا على الجبهات العسكرية والاقتصادية، بل امتد ليشمل شرعية الأنظمة وقدرتها على الحشد الشعبي. ونستعين في هذه المقالة بالمنهج التحليلي لدراسة الخطاب السياسي وسلوك الفاعلين الدوليين في ظل الإدارة الأمريكية الحالية، بالتركيز على المصادر الأولية (الخطابات الرسمية، التغريدات، البيانات الصحفية)؛ بهدف فهم الدوافع والاستراتيجيات والنتائج المترتبة على سياسات كل طرف.
الغطرسة مقابل صلابة الصمود
يعتقد محور ترامب-نتنياهو أن سنوات الحصار الاقتصادي قد أنضجت الظروف لانهيار داخلي، وعندما اندلعت الاحتجاجات الأخيرة- مدفوعة بمطالب مشروعة- رأى فيها هذا المحور فرصته لتحقيق ما عجزت عنه العقوبات وحرب الاثني عشر يومًا، وتتجلى غطرسة هذا النهج في:
- الدعم العلني والفوري للاحتجاجات:سارع الرئيس ترامب بواسطة منصاته الإعلامية إلى إعلان دعمه الكامل للمتظاهرين، واصفًا إياهم بـ “الأبطال”، وهذا التدخل يتبع نمطًا موثقًا لإدارته؛ إذ يستخدم الدعم الخارجي أداة ضغط مباشرة، متجاهلًا كيف يُقرأ هذا الدعم داخليًا ([1]).
- التهديد بالتدخل لم يكتفِ ترامب بالدعم المعنوي، بل لوّح بفرض عقوبات إضافية على المسؤولين الإيرانيين، مهددًا “بعواقب وخيمة”، وهذه الاستراتيجية تعكس إيمانه الراسخ بفاعلية القوة الخشنة، وهي السمة المميزة لنهجه الإجرامي الذي يصفه بعضهم بـ”الدبلوماسية القسرية” ([2]).
- الغطرسة في قراءة الشارع:الرهان الأمريكي-الإسرائيلي مبني على قراءة تبسيطية مفادها أن ” كل محتج هو عدو للنظام”، وهذه القراءة تتجاهل الأبحاث التي تؤكد أن المجتمعات- حتى في ظل الاستياء- غالبًا ما تتوحد ضد أي تدخل خارجي يهدد سيادتها الوطنية ([3]).
صلابة الصمود
في مواجهة هذا التحدي المزدوج، أظهرت الدولة الإيرانية صلابة استراتيجية، منتقلة إلى “هجوم مضاد” في معركة الشرعية الثورية الشعبية عن طريق:
- فضح التدخل الخارجي:استثمر النظام الإيراني دعم ترامب السافر للاحتجاجات لصالح البلاد بواسطة إعلامه الرسمي، وجرى فضخ قادة مجاميع وخلايا وجواسيس الموساد داخل الاحتجاجات تقوم بأعمال تخريبية وتنفذ “مؤامرة خارجية”، هذا الخطاب، الذي يُعرف بـ”تأطير التهديد الخارجي” هو تكتيك كلاسيكي تستخدمه الأنظمة لتعرية التدخلات الخارجية لتعزيز التماسك الداخلي وتحويل الانتباه عن المشاكل المحلية وفضح المؤامرات الخارجية ([4]).
- حشد الشارع المؤيد: كان الرد الأقوى شعبيًا أن الدولة دعت إلى مسيرات مليونية مؤيدة للبلد ورفضًا للتدخلات الأمريكية -الإسرائيلية الغربية، وخروج هذه الحشود لم يكن مجرد استعراض للقوة، بل كان رسالة مزدوجة للداخل والخارج، تؤكد أن الشعب مع الدولة وأنها لا تزال تتمتع بقاعدة شعبية كبيرة قادرة على الحشد وقلب الموازين ضد كل خونة وجواسيس البلد وسادتهم في الخارج، وهو ما يمثل ركيزة أساسية لـ “الشرعية الثورية” في إيران ([5]).
- الصلابة في إدارة الأزمة:تعامل النظام بصلابة عن طريق التفريق بين “المحتج المحق” و”مثير الشغب”، وبينما جرى احتواء الاحتجاجات أمنيًا أُطلقت وعود بإصلاحات، في محاولة لسحب البساط من تحت أقدام الفوضويين ومن يدعمهم في الخارج، وهي استراتيجية مزدوجة تجمع بين “العصا والجزرة” ([6]).
وفي النتائج يمكن القول: إن الأحداث الجارية قد أثبتت أن الدعم الخارجي المباشر والصريح للاحتجاجات والفوضى في إيران أدى إلى نتائج عكسية، فبدلًا من إضعاف النظام منحه هذا الدعم أداة دعائية قوية وفضح دعاوي المحتجين والمعارضة وإبرازها “طابورًا خامسًا”، مما يبرر مواجهتها ويسهل الحشد الوطني المضاد.
في المقابل كشفت “غطرسة القوة” التي يمارسها الرئيس ترامب وحليفه المجرم نتنياهو عن سوء تقدير عميق للديناميكيات الاجتماعية والسياسية الداخلية لإيران، والاعتقاد أن الضغط الاقتصادي والسياسي سيؤدي حتمًا إلى انهيار النظام، يتجاهل قدرة النظام الثوري على الصمود والتكيف وتوظيف المشاعر القومية لصالح البلاد وحمايتها من أي تدخلات أجنبية، وهذا يقود إلى نتيجة أخرى مفادها أن “صلابة الصمود” الإيرانية ليست مجرد شعار، بل هي استراتيجية متعددة الأبعاد تجمع بين الصبر الاستراتيجي وتنمية القدرات الذاتية، والقدرة الفائقة على الحشد الأيديولوجي والشعبي والثوري عند الشعور بالخطر الوجودي.
وبالمجمل تقدم المواجهة الراهنة درسًا بليغًا في العلاقات الدولية: أن القوة المادية وحدها- حتى عندما تكون ساحقة- لا تضمن تحقيق الأهداف السياسية إذا اصطدمت بإرادة وطنية صلبة، وتثبت أن الغطرسة فشلت مرة أخرى في فهم أن الصلابة لا تُقاس فقط بالصواريخ والدبابات، بل أيضًا بالقدرة على حشد الولاء الوطني والشعبي في اللحظات الحاسمة والفوز في مواجهة “الأحلام الترمبية”.
([1]) Suzanne Maloney, “The Revolution That Wasn’t: How the U.S. Misreads Iran,” Foreign Affairs, March/April 2020.
يشرح هذا المصدر كيف أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة- لاسيما إدارة ترامب- أساءت فهم طبيعة الاحتجاجات في إيران، وافترضت خطًا أنها مقدمة حتمية لانهيار النظام.
([2]) David Sanger, “The Perfect Weapon: War, Sabotage, and Fear in the Cyber Age,” (New York: Crown, 2018).
على الرغم من أن الكتاب يركز على الحرب السيبرانية، إلا أنه يقدم تحليلًا معمقًا لعقيدة ترامب القائمة على استخدام كل أدوات القوة المتاحة (بما في ذلك الاقتصادية والسياسية) بشكل قسري لتحقيق أهدافه.
([3]) Trita Parsi, “Losing an Enemy: Obama, Iran, and the Triumph of Diplomacy,” (New Haven: Yale University Press, 2017).
يجادل بارسي بأن جزءًا كبيرًا من الشعب الإيراني- حتى المعارضين للنظام- يعارضون بشدة التدخل الأجنبي والعقوبات التي تضر بالمواطنين العاديين، مما يخلق شعورًا بالوحدة الوطنية ضد الضغط الخارجي.
([4]) Arshin Adib-Moghaddam, “Psycho-nationalism: Global Thought, Iranian Imaginations,” (Cambridge: Cambridge University Press, 2016).
يقدم هذا الكتاب إطارًا نظريًا لفهم كيف تستخدم الدولة الإيرانية الخطاب القومي والأيديولوجي لتحويل التهديدات الخارجية إلى أدوات لتعزيز التماسك الداخلي والشرعية.
([5]) Ali Fathollah-Nejad, “Iran in an Emerging New World Order: From Ahmadinejad to Rouhani,” (New York: Palgrave Macmillan, 2021).
يحلل هذا الكتاب مصادر شرعية النظام الإيراني، بما في ذلك قدرته على حشد الجماهير في أوقات الأزمات دليلًا على استمرار الدعم الشعبي، حتى مع تآكل الشرعية في جوانب أخرى.
([6]) هذا التكتيك المزدوج هو نمط متكرر في استجابة الدولة الإيرانية للاحتجاجات السابقة، مثل احتجاجات 2009 و2019؛ إذ جرى الجمع بين القمع الصارم للفوضويين والاعتراف ببعض المظالم الاقتصادية. انظر: تقارير International Crisis Group حول إيران لفهم هذا النمط.