أحمد رفعت يوسف
كاتب وباحث سياسي
يتجاوز تأثير عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو- ونقله إلى الولايات المتحدة الأمريكية- العلاقات الأمريكية الفنزويلية؛ لتكون محطة فاصلة في العلاقات الدولية.
150 دقيقة، كانت عملية تشبه في تأثيرها وتداعياتها أحداث 11 أيلول في واشنطن ونيويورك، وطوفان الأقصى في فلسطين المحتلة؛ لأنها أسقطت منظومة جيوسياسية وجيواستراتيجية كاملة، ووضعت حجر الأساس لقواعد جديدة من الصراع، ترتسم فيها حدود توازنات القوى والقوة في المنظومة الدولية التي تتشكل على أنقاض التوازنات التي نشأت منذ الحرب العالمية الثانية، التي تتداعى وتتمظهر في صراع الإرادات، بين الولايات المتحدة الأمريكية والقوى العظمى، وفي مقدمتها الصين، القائمة على السيطرة على منابع النفط وخطوط إنتاج الطاقة ونقلها، والمعادن النادرة، والممرات البحرية والبرية، وطرق سلاسل التوريد العالمية.
بهذه العملية أثبت ترامب أنه رجل أفعال وليس رجل كلام، كما كان يقال عنه، وظهر بعكس الصورة التي حاول تصديرها عن نفسه، بأنه صانع سلام وضد الحروب، كما ترجم كلامه بأنه سيعيد أمريكا عظيمة (وفق مفهومه) بشكل عملي.
وحتى تكون الأمور أكثر وضوحًا، لا بد من الإشارة إلى عدد من النقاط، التي رافقت العملية:
- حدثت العملية بدون أي خسارة في الجانب الأمريكي، وكان واضحًا أن الأمريكيين كانوا يمتلكون كل التفاصيل الدقيقة عن مكان وجود مادورو، وكيفية الوصول إليه، وهذا مستحيل بدون وجود أشخاص من داخل الدائرة المقربة منه، وهذا يؤكد أهمية العامل البشري من الجواسيس والعملاء في أي حرب مهما كانت.
- هجوم سيبراني، عطل محطات التوليد الكهرمائية في سد “غوري” الذي يولد 70% من كهرباء فنزويلا؛ مما أدى إلى إطفاء الأنوار في العاصمة كاراكاس ومعظم فنزويلا، كما عطلت أنظمة الدفاع الجوي والاتصالات، ومنعتها من مراقبة واكتشاف الطائرات المهاجمة، وهذا يظهر أهمية محطات التوليد الكهربائية، ومحطات الاتصالات في الحروب الجديدة.
- عطلت أجهزة التشويش الأمريكية أنظمة الدفاع الجوي الروسية، لاسيما إس إس 300، التي استثمرت فيها فنزويلا 2 ملياري دولار، وهو ما سيجعل دولًا أخرى- تزودت بهذه الرادارات، وأنظمة الدفاع الجوي- تتساءل عن جدواها، وهذا الأمر لا يتعلق بالروس فقط، وإنما حتى بالأمريكيين، عندما فشلت أنظمة الدفاع الجوي الهندية الأمريكية المنشأ في اعتراض الطائرات والأسلحة الباكستانية، ذات المصدر الصيني، وما يعنيه ذلك من أهمية قصوى في الصراع الأمريكي الصيني، الذي ينحصر اليوم بصراع الإرادات بينهما، وقد يتحول في أي لحظة إلى صراع عسكري.
أما المستهدف من العملية فليست –فقط- فنزويلا، وإنما كانت رسالة لدول وقوى أخرى متعددة، أهمها:
- محاولة استكمال تطويق الصين وجعلها تحت رحمة الولايات المتحدة الأمريكية، لاسيما في مجال الطاقة؛ إذ تُعد الصين أكبر مستورد للنفط الفنزويلي في العالم، بواردات تجاوزت 600 ألف برميل يوميًا، واستحوذت العام الماضي 2025، على ما يصل إلى 85% من إجمالي صادرات النفط الفنزويلي، وهذا يأت استكمالًا لمحاولات السيطرة الأمريكية، على كامل منطقة غرب آسيا وشرق المتوسط، التي تحتوي (مع فنزويلا) على معظم الإنتاج العالمي من النفط والغاز، وحتى المتوقع منه في مناطق شرق المتوسط، وكان أحد الأسباب الرئيسة للتغيير الدراماتيكي الذي حصل في سورية، بوصفها مفتاح السيطرة على المنطقة، وأدى إلى وقف مشروع الحزام والطريق الصيني، الذي كان ينتهي على الموانئ السورية بشكل رئيس.
- قطع العلاقات الروسية الفنزويلية؛ إذ كانت تعد فنزويلا ملعبًا روسيا متقدما، في قلب الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأمريكية.
- قطع العلاقة الفنزويلية الإيرانية، التي كانت تشكل أحد أهم التمددات الإيرانية خارج حدودها.
- رسالة إلى كل الدول المتمردة على الولايات المتحدة في أمريكا الجنوبية، مثل كوبا، وكولومبيا، وبنما، وحتى البرازيل.
- رسالة إلى الدانمارك حول غرينلاند، التي تريد الولايات المتحدة ضمها إليها.
كما يمكن اعتبار العملية رسالة إلى كل دولة في العالم، التي لا تحظى بالرضى الأمريكي.
أسقطت عملية اعتقال ما دورو الكثير من أسس وقواعد الحروب الحالية، كما ثبتت القاعدة التي تسير عليها الولايات المتحدة منذ تفردها في العالم، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وهي ألَّا شيء يقف أمام العدوانية الأمريكية، أيًا كانت الإدارة الحاكمة، وأنها لا تهتم بالقانون الدولي وشرعة الأمم المتحدة، على رغم أنها تستضيفها، وهو ما يجعل معظم دول العالم مهددة منها، في حال كانت مصالحها تتطلب ضرب هذه الدولة، أو اعتقال رئيسها.
هذه النتيجة، أكدت أن السلاح النووي بات الوحيد القادر على ردع العدوانية الأمريكية، ويجعلها تتمهل كثيرًا قبل التفكير بعدوان على الدولة التي تمتلكه.
هذه القاعدة، ستجعل الدول التي تُعد على عتبة السلاح النووي- لاسيما المهددة سواء من الولايات المتحدة الأمريكية، أم غيرها، مثل إيران، وتركيا، والسعودية، وكوريا الجنوبية، والبرازيل، وجنوب إفريقيا، ودول أخرى متعددة- تفكر كثيرًا في تجاوز هذه العتبة، والدخول السريع في النادي النووي.
هذه الحقيقة، عبَّر عنها ديمتري ميدفيديف، الرئيس الروسي السابق، ونائب رئيس مجلس الأمن الروسي حاليًا، الذي قال: “الضمان الوحيد لحماية أي دولة بشكل موثوق، هو الترسانة النووية فقط، عاشت الأسلحة النووية”.
الآن التساؤل ماذا عن الصين، التي تراقب بصمت كل التحركات الأمريكية، وتدرك أنها المستهدف الأول منها؛ إذ تريد تطويقها قدر الإمكان، قبل أن تعمل على إجبارها على الجلوس على طاولة المفاوضات؛ لوضع حد لتهديدها للولايات المتحدة الأمريكية بنموها السريع، الذي أصبح يهدد التسيد الأمريكي للسياسات والاقتصاديات العالمية بشكل جدي.
وماذا عن روسيا، التي يحاول الجانبان- لاسيما ترامب- إظهار توافق مع بوتين، حول عدد من القضايا العالمية، وفي مقدمتها الحرب الأوكرانية.
وماذا عن أوروبا، التي تعد متضررة، بما لا يقل عن غيرها من الدول الأخرى، لاسيما أن ترامب يهدد دولة منها وهي الدانمارك، عن طريق محاولته ضم جزيرة غرينالد، إضافة إلى التداعيات السلبية الكبيرة عليها، من الحرب الأوكرانية.
وماذا عن إيران، وكوريا الشمالية، والدول الأمريكية، وحتى تركيا، ودول عربية وأجنبية متعددة، على تماس مباشر مع المصالح الأمريكية، ويمكن أن تكون مهددة بالاستهداف الأمريكي.
أسئلة كثيرة، لا بد من الانتظار؛ لمعرفة حدود العدوانية الأمريكية، ومواقف الدول المستهدفة منها.
إنه باختصار عصر البقاء للأقوى، ومَن يمتلك سلاحًا نوويًا، والمحزن أكثر أنه من جانب آخر عصر العملاء والجواسيس والأدوات.