جذور أزمة الصومال مع الصهيونية العالمية وتداعيات الاعتراف الإسرائيلي بـ «صوماليلاند»

أحمد صلاح ابراهيم

باحث صومالي

ورقة تحليلية-8يناير 2026

شكَّل الإعلان الإسرائيلي الأخير والاعتراف بجمهورية أرض الصومال صدمة كبيرة في أوساط المجتمع الصومالي، فلم يتوقع الصوماليون في أسوأ كوابيسهم أن يقدم شخص صومالي على هذه الخطوة بحكم أن المجتمع الصومالي مجتمع قبلي تحكمه الأعراف والتقاليد الصارمة، بالإضافة إلى أن الشخصية الصومالية تتسم بتمسكها الشديد بالإسلام والانتصار للقضايا الإسلامية.

فمنذ تاريخ ٢٦ ديسمبر من العام المنصرم أصبح اسم صوماليلاند متداولًا بشكل واسع في عناوين نشرات الأخبار العالمية.

فما هي «صوماليلاند»، وما جذور الأطماع الصهيونية في الصومال؟ وما أبعاد وتداعيات اعتراف إسرائيل بأرض الصومال؟ وما الذي يجب فعله تجاه هذه الخطوة الخطيرة؟

صوماليلاند… من أين أتى الاسم؟

صوماليلاند: هي الترجمة الحرفية لبر الصومال، الذي كان يتداوله الصوماليون قديما؛ إذ لم تكن الأسماء الحديثة للدول موجودة، فكان يطلق على اليمن بر العرب، وعلى إرتيريا بر الدناكل وعلى الصومال بر الصومال، من هنا ترجم الإنجليز بر الصومال إلى صوماليلاند، وكذا سميت المنطقة الخاضعة للحكم البريطاني باسم صوماليلاند.

إذا عدنا إلى كتب التاريخ فإن هذه المنطقة تعاقبت على حكمها سلطنات عدة، مثل سلطنة عدل التي كانت تضم أغلب مناطق صوماليلاند، وإثيوبيا وجيبوتي وجزء من إرتيريا، وسلطنة أيفات التي كانت تحكم أغلب أراضي صوماليلاند، بالإضافة إلى سلطنة ورسنجلي التي كانت تحكم الجزء الشرقي من صوماليلاند.

يقطن في صوماليلاند قبائل مختلفة منهم الإساق، السمرون العيسى، وقبائل الهرتي (الورسنجلي والطولباهنتي).

وعندما قدم الاستعمار البريطاني إلى بربرة ١٨٨٤ أبرم الاتفاقيات السياسية مع مشيخات القبائل التي كانت تتنافس على المراعي والأراضي:

١. وقع أول اتفاقية مع مشيخة قبيلة هبر أول الإساقية في ١٤ يوليو ١٨٨٤.

٢. مع مشيخة قبائل السمرون، ١١ ديسمبر ١٨٨٤.

٣: مشيخة قبيلة هبرجعلو الإساقية، ٢٦ ديسمبر ١٨٨٤.

٤. مع مشيخة قبائل العيسى، ٣١ ديسمبر ١٨٨٤.

٥. مع مشيخة قبيلة هبر غرحيجيس الإساقية، ١٣ يناير١٨٨٥.

٦. مع سلطنة الورسنجلي، التي كانت آخر السلطنات والمشيخات توقيعًا للاتفاقية مع بريطانيا في ٢٧ يناير ١٨٨٦.

أما مشيخة قبائل الطولباهنتي، فقد رفضت الاتفاق مع الاحتلال البريطاني، ومما ساعدها على ذلك بعدها عن السواحل.

وفي عام ١٨٩٣ بدأت ثورة الدراويش ضد الاحتلال الأجنبي في الصومال إلى أن انتهت عام ١٩٢١، وبعدها واصل أبناء الشعب الكفاح إلى أن وافقت بريطانيا على الخروج من شمال الصومال في ٢٦ يونيو ١٩٦٠، وبعدها بخمسة أيام خرج الاستعمار الإيطالي من جنوب الصومال، وتأسست الجمهورية الصومالية في ١ يوليو ١٩٦٠.

وبهذا تنتفي الادعاءات الكاذبة التي تقول: إن شمال الصومال كان دولة مستقلة وكيانًا سياسيًا منفصلًا وقائمًا بذاته، وانضم إلى جنوب الصومال.

جذور الأزمة والتدخل الإسرائيلي:

كانت هناك أطماع صهيونية في منطقة شمال الصومال؛ إذ طالبت المجموعات الصهيونية عام ١٩٤٣ إبان الحكم الاستعماري البريطاني، بأن تكون المنطقة الممتدة من مرتفعات هرر إلى سواحل زيلع مسكنًا وموطنًا لليهود وذلك لأهميته الاستراتيجية والاقتصادية، بيد أن طبيعة المجتمع الصومالي جعل هذا الطلب مستحيلًا. ومنذ ذلك الحين لم تيأس الصهيونية العالمية عن سعيها في الحصول على موطئ قدم في هذه المنطقة الاستراتيجية، من أجل ذلك سعت منذ سبعينيات القرن الماضي وعملت على تشكيل مجموعات مسلحة وتمويلها بهدف محاربة الحكومة الصومالية المركزية بمساعدة من إثيوبيا، إلى أن سقطت وانهارت الحكومة الصومالية عام ١٩٩١، واستولت المجاميع المسلحة على البلاد.

وبنفس العام سارعت جبهة SNM بإعلان انفصالها عن الصومال الأم وتأسيس جمهورية صوماليلاند بإيعاز من الكيان الصهيوني، ومنذ ذلك الحين لعبت إسرائيل دورًا خفيًا في محاولة تقديم هذا النظام للعالم وجعله مثالًا يحتذى به في الاستقرار الأمني و السياسي، بينما يغرق جنوب الصومال في الصراعات المسلحة، وتغلغلت إسرائيل في أوساط السكان في هذه المنطقة، وتقربت إليهم مدعية أنها تناصر قضيتهم العادلة ومظلوميتهم، وبهذا لاقت قبولًا من النخب السياسية والثقافية.

وتشير المصادر إلى قنوات تواصل اسرائيلية سرية مع جميع الحكام الذين مروا على حكم الإقليم، وكانت تنتظر الفرصة السانحة لإبراز نفسها وفرض الانفصال على أرض الواقع، وقد حانت هذه الفرصة الآن.

لماذا الاعتراف بهذا التوقيت؟

١- العزلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي فرضت على الكيان الصهيوني، وانهيار صورته أمام العالم، دفعه إلى البحث عن أصدقاء جدد، ولو كانوا جيوبًا انفصالية صغيرة.

٢- يحاول نتنياهو تقديم نفسه بأنه خرج منتصرًا في الحرب الأخيرة، وأنه يسعى إلى تغيير الشرق الأوسط.

٣- تنامي قوة اليمن العسكرية وبروز دورها لاعبًا مؤثرًا في الإقليم.

٤- تشكل تحالفات عسكرية في المنطقة، أبرزها تحالف يضم مصر، السعودية، تركيا، وباكستان، مقابل تحالف يضم الهند إثيوبيا، إسرائيل، والإمارات.

لكن هل يُعد اعترافًا رسميًا؟

الاعتراف جاء عن طريق اتصال مرئي بين عبد الرحمن عرو رئيس ما يسمى بأرض الصومال، ونتنياهو وعلى ورقة غير رسمية تحمل توقيع الأخير، ولا تحمل الشعار الرسمي للكيان الصهيوني، كما لم يمر على مجلس الوزراء والكنسيت؛ مما يجعله اعترافًا شكليًا فقط، ولا يستند على أساس شرعي كما قال زعيم المعارضة الإسرائيلي.

أبعاد الاعتراف:

لأهمية الموقع الاستراتيجي لصوماليلاند، وقربه من باب المندب يجعل هذا الاعتراف يأخذ أبعادًا سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية:

أولًا/ الأبعاد السياسية:

١- يعد هذا الاعتراف خرقًا واضحًا لمبادئ الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، القاضية بالحفاظ على الحدود التي تركها الاستعمار كما هي، وعدم المساس بها، مما قد يشجع حركات انفصالية في إفريقيا لاسيما الدول المضطربة والهشة.

٢- يهدد النظام العالمي القائم على احترام سيادة الدول، كما يفتح شهية الكيان الصهيوني في الاعتراف بكيانات أخرى إذا لم يجد رادعًا قويًا.

٣- يشجع إسرائيل على دعم حركات انفصالية أخرى في العالم الإسلامي، لاسيما في جنوب اليمن وغرب السودان وجنوب سوريا وشرق ليبيا بمساعدة دول عربية.

٤- يمنح الكيان الصهيوني وحلفاءه تفوقًا سياسيًا بفرضهم واقعًا سياسيًا جديدا وبهدف ابتزاز دول المنطقة التي تعاني من صراعات داخلية.

٥- تطويق الدول العربية والإسلامية من الخلف وتحجيم أدوارها المؤثرة في المنطقة وتهديد استقرار مجتمعاتها.

٦- يمنح ضوءًا أخضر لإثيوبيا الحبيسة الطامحة للوصول إلى منفذ بحري على خليج عدن والبحر الأحمر.

ثانيًا/ الأبعاد الأمنية:

١-على صعيد الأمن الداخلي الصومالي قد يشجع الاعتراف بالجماعات المسلحة على استهداف صوماليلاند، التي تميزت على مدى الثلاث العقود الماضية بالاستقرار الأمني، كما قد يدفع حكومة صوماليلاند -المنتشية بالاعتراف مدعومة من الكيان الصهيوني- إلى الهجوم على القبائل الرافضة لمشروع الانفصال، مما يزيد من تأجيج الصراعات القبلية في الصومال.

٢- وعلى الصعيد الإقليمي يسعى الكيان الصهيوني إلى مهاجمة الدول الإسلامية من قاعدة بربرة، مثل اليمن وإيران وحتى باكستان؛ إذ تُعد الهند وإثيوبيا حلفاء مع الكيان الصهيوني.

٣- يسعى الكيان إلى فرض سيادته على مياه خليج عدن والبحر الأحمر والتحكم بالملاحة الدولية وحصار الدول العربية لإخضاعها وابتزازها، بالإضافة إلى عرقلة الأطماع التركية الساعية إلى تطوير أبحاثها في مجال الدفاع الفضائي؛ إذ تعمل حاليا على إنشاء قاعدة جوية تركية في الصومال.

ثالثًا / الأبعاد الاقتصادية:

١- سيضعف الاقتصاد الصومالي الهش، وقد يفقد مصادر أساسية من الإيرادات.

٢- سيتأثر التبادل التجاري بين الصومال واليمن بسبب فرض قيود على حركة الأفراد والسلع بين البلدين بسبب التشديد الأمني.

٣- ستندلع مواجهات عسكرية مباشرة في حالة اتخاذ الكيان الصهيوني بربرة قاعدة عسكرية، كما هددت حكومة أنصار الله في اليمن؛ مما يعرقل حركة الملاحة في الممر البحري.

٤- قد يتعرض سكان صوماليلاند للمقاطعة من قبل بقية الشعب الصومالي وشعوب المنطقة الإسلامية؛ مما يحرم صوماليلاند من مصادر مهمة للعملة الصعبة.

رابعًا / الأبعاد الاجتماعية:

١-بدأت تظهر بوادر انقسام اجتماعي كبير بين أبناء صوماليلاند، فبينما قامت قبيلة الإساق بالترحيب بهذا الاعتراف واحتفلت بإعلام الكيان الصهيوني، رفضت بقية القبائل الاعتراف، وخرجت مظاهرات داعمة للقضية الفلسطينية في مدن مثل بورما حاضرة إقليم أودل ولاسعانود وبرن وغيرها من المدن؛ مما يعمق الانقسام القبلي في صوماليلاند ويهدد الأمن والسلم، لاسيما بعد دعوة بعض وجهاء من قبيلة الإساق بترحيل وسجن كل من يعارض الاعتراف الصهيوني من القبائل الأخرى.

٢- هناك مخاوف جدية من تدخل سلطات الإقليم في الشؤون الدينية، لاسيما بعد انتشار دعوات من بعض المثقفين تطالب بإعادة النظر في بعض المسائل الدينية والأخذ بـ (النموذج الإماراتي) في التعايش السلمي.

مآلات الاعتراف المحتملة:

من المتوقع أن ينشأ من هذا الاعتراف أحد السيناريوهات الآتية:

السيناريو الأول: الاعتراف الكامل من المجتمع الدولي، وهذا مستبعد في الوقت الراهن بسبب مخاطره العالية على مستقبل القارة السمراء بشكل عام، وأول المتضررين من هذا السيناريو هي الجارة إثيوبيا التي تعاني بدورها من أقاليم متمردة على الحكومة المركزية، مثل إقليم التيغراي والإمهرا.

السيناريو الثاني: الاعتراف الجزئي؛ إذ تلتحق بعض الدول بإسرائيل، وقد صرح عرو أكثر من مرة أن هناك بعض الدول الجاهزة للاعتراف بصوماليلاند، إلا أنه أحجم عن ذكر تلك الدول، وتشير بعض المصادر إلى أن كل من الهند، إثيوبيا، المغرب، والإمارات قد تلتحق بركب المعترفين، لاسيما أن الأخيرتين لم توقعا على بيان منظمة المؤتمر الإسلامي الذي أدان خطوة الاعتراف، ولم تُصدرا أي بيان يوضح موقفها من وحدة وسيادة الأراضي الصومالية كما فعلت باقي الدول العربية والإسلامية، بل إن الإمارات قد اعترفت بجواز صوماليلاند وضمته إلى قائمة الجوازات المعتمدة لديها لتلقي التأشيرات، وهذا السيناريو هو الأقرب والأكثر واقعية.

السيناريو الثالث: لا يعدو أن يكون هذا الاعتراف إلا حالة ابتزاز سياسي إسرائيلي للحكومة الصومالية؛ من أجل الضغط عليها لوقف التوسع التركي في الصومال، لاسيما أن وزير الخارجية الإسرائيلي قد وجه تهديدات سابقة للحكومة الصومالية، وحذرها من مغبة السماح للأتراك بإقامة أنشطة فضائية على أراضيها، وكذلك لدفع الحكومة الفيدرالية للانضمام إلى (اتفاقات إبراهام)، كما فعلت المغرب خوفًا من الاعتراف الإسرائيلي بالصحراء الغربية.

السيناريو الرابع: أن تمارس الدول العربية والإسلامية ضغوطًا كبيرة كافية على إسرائيل للتراجع عن هذا الاعتراف، مثلما حدث مع إثيوبيا عندما وقعت تفاهمًا مع صوماليلاند يمنحها وصولًا للبحر مطلع عام ٢٠٢٤، لكن الأخيرة تراجعت عن هذه الخطوة نتيجة للضغوط الفاعلة التي مارستها الدول الإسلامية، لاسيما تركيا، على ذات السياق فإن مصر والسعودية تملكان أوراقًا رابحة للضغط على الكيان الصهيوني للتراجع عن خطوته، فبإمكان مصر التلويح بورقة رفع الحصار عن عزة والسماح بدخول الإمدادات والسلاح إليها، وهذه وحدها كافية لإيقاف الكيان الصهيوني.

السيناريو الخامس: قبول صوماليلاند التفاوض مع الحكومة الصومالية كما دعت إليه دول كثيرة، وهذا لن يحدث إلا إذا تعرض عرو لضغوط جادة تجبره على الجلوس على طاولة الحوار، من تلك الضغوط دعم ولاية شمال شرق الصومال الفيدرالية التي انفصلت بدورها عن صوماليلاند وتمثل وحدها ٤٥٪ من مساحة صوماليلاند، وكذلك مساندة ثورة سكان محافظة أودل التي تقع غرب صوماليلاند، التي يرفض سكانها الانفصال عن الصومال، ويطالبون باعتمادهم ولاية فيدرالية. إذا اشتغلت الحكومة الصومالية والدول الداعمة لها على هذا الوتر فمن المؤكد أن عرو سيقبل الجلوس على طاولة المفاوضات.

توصيات:

١- الوقوف بجدية أمام الاعتراف بصوماليلاند وتعزيز دور الحكومة الفيدرالية وتقوية مركزها ودعمها بما يلزم.

٢- تشكيل تحالف عربي وإسلامي لإنقاذ وحدة الصومال وكل الدول الإسلامية المهددة بالتفتيت والتقسيم.

٣- تعبئة الشعوب ورفع وعيها بما يحاك ضدها.

٤- إيجاد حلول دائمة ومستعجلة للمظالم التي يعاني منها سكان المناطق المستهدفة بالتفتيت والتقسيم.

٥- دعم القبائل والمناطق المتمسكة بالوحدة ورفدها بما يلزم.

الخاتمة:

الاعتراف بصوماليلاند يترتب عليه تداعيات كبيرة وعميقة على العالم العربي والإسلامي والقارة الإفريقية، كما أن امتلاك إسرائيل قاعدة عسكرية في قلب العالم الإسلامي يعد تهديدًا مباشرا لجميع دول المنطقة، لاسيما اليمن، إيران، باكستان (القوة النووية الإسلامية الوحيدة)، مصر والسعودية؛ إذ إن بربرة لا تبعد عن السواحل اليمنية سوى 3٠٠كم، وعن الكعبة المشرفة سوى ١٣٠٠كم؛ مما يعرض الأمن القومي الإسلامي للخطر الحقيقي.

 

كاتب