تداعيات عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي على النظام الدولي والقضية الفلسطينية

فواز أحمد النقاش

باحث دكتوراه في العلوم السياسية

 

ورقة تحليلية 7 يناير 2025

  • تُشكل عملية اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو واقتياده إلى نيويورك- في سابقة خطيرة وغير مسبوقة في العلاقات الدولية- نقطة تحول استراتيجية تكشف عن الوجه الأكثر تطرفًا في فرض الهيمنة الأحادية، وإن هذا الفعل، الذي يمثل انتهاكًا صارخًا للسيادة الوطنية ومبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، يتجاوز كونه مجرد تغيير لنظام سياسي؛ ليصبح إعلانًا عن موت النظام الدولي القائم على الشرعية، وولادة نظام جديد تحكمه قوة الأمر الواقع ومنطق الغلبة ([1]).

إن الفرضية الاستراتيجية التي ينطلق منها هذا التحليل هي أن هذا العدوان العسكري المباشر، الذي تلا سنوات من الضغط الاقتصادي، يهدف إلى تصفية الحسابات الجيوسياسية مع أي صوت مناهض للهيمنة الأمريكية، وتقويض شبكة التضامن العالمية مع القضايا العادلة، وفي مقدمها القضية الفلسطينية، عن طريق إرسال رسالة ردع مفادها ألَّا حصانة لأي دولة تخرج عن المدار الأمريكي.

أولًا: اختطاف رئيس دولة: ذروة الغطرسة الأمريكية ونقض الشرعية الدولية:

إن تنفيذ عملية عسكرية خاطفة داخل عاصمة دولة ذات سيادة لاعتقال رئيسها الشرعي، يمثل الذروة المطلقة لسياسة الغطرسة التي تتجاهل بشكل كامل مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، لقد جرى تبرير هذا العمل بـ “تهم جنائية”، مثل تهريب المخدرات، وهو ما يكشف عن توظيف القانون أداة للهيمنة؛ إذ يُحوّل الخصم السياسي إلى مجرم دولي لتبرير التدخل العسكري المباشر([2]).

البعد الاستراتيجي دلالة عملية الاختطاف النقد الاستراتيجي والأخلاقي
السيادة الوطنية تجاوز الحدود الدولية والقيام بعمل عسكري داخل أراضي دولة أخرى إلغاء فعلي لمفهوم الدولة القومية في مواجهة القوة العظمى، وتكريس مبدأ ” القوة تصنع الحق”
القانون الدولي انتهاك صريح للمادة  (2) الفقرة  (4)من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر التهديد بالقوة أو استخدامها تدمير مصداقية النظام القانوني الدولي وتحويله إلى أداة انتقائية في يد القوة المهيمنة
الأهداف المعلنة تبرير العمل بـ”تهم جنائية ” المخدرات بدلًا من الأهداف الجيوسياسية المعلنة سرقة النفط الالتفاف الاستراتيجي وتوظيف “حرب القانون” لإخفاء الأهداف الحقيقية للهيمنة على الموارد والتحكم في القرار السياسي

 

إن هذا العمل يمثل عودة صريحة إلى دبلوماسية الزوارق الحربية” في القرن الحادي والعشرين؛ إذ يُستبدل التفاوض والآليات الدبلوماسية بـالقوة الغاشمة، مما يهدد الاستقرار العالمي ويدفع القوى الأخرى (روسيا، الصين، إيران) إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية والردعية.

ثانيًا: التداعيات الجيوسياسية: انقسام عالمي وتعميق لـحرب المحاور:

كانت ردود الفعل الدولية على عملية الاختطاف انقسامًا حادًا يكشف عن تبلور المحاور الجيوسياسية الجديدة، فبينما سارعت دول مثل: اليمن، والصين وروسيا وإيران إلى إدانة العملية ووصفها بـ “العدوان” و”القرصنة الدولية”، معتبرة إياها تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي ومصالحها، قدمت كيانات ودول أخرى مثل: الكيان الإسرائيل وأوكرانيا الدعم للعملية، مما يؤكد أن الأزمة الفنزويلية تحولت إلى ساحة اختبار لمدى استعداد القوى الكبرى لـتحدي الهيمنة الأمريكية.

المحور الجيوسياسي الموقف من عملية الاختطاف الانعكاس الاستراتيجي
المحور المناهض للهيمنة:

( اليمن، روسيا، الصين، إيران، كوبا)

إدانة قاطعة، والمطالبة بالإفراج الفوري عن مادورو، واعتبارها سابقة خطيرة تعميق الشراكات الاستراتيجية بين هذه الدول، وتسريع وتيرة البحث عن بدائل للنظام المالي والدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة
المحور الداعم للهيمنة (إسرائيل، أوكرانيا) دعم العملية، واعتبارها خطوة ضرورية لـ”إعادة الديمقراطية” ومكافحة “الإرهاب” تأكيد الاصطفاف ضمن المنظومة الغربية، واستعداد هذه الدول لـقبول التجاوزات القانونية مقابل ضمان الدعم السياسي والأمني
حركة عدم الانحياز موقف متذبذب، لكن الأغلبية تدين الانتهاك الصارخ للسيادة إضعاف الحركة وتشتيت صفوفها؛ إذ تجد الدول نفسها أمام خيار صعب بين التمسك بالمبادئ أو الخضوع لضغوط القوة العظمى

إن هذا الحدث يمثل تأكيدًا على نهاية مرحلة “القطبية الأحادية” وبداية مرحلة “الفوضى المنظمة” أو “القطبية المتعددة العدائية”؛ إذ يجري اختبار الخطوط الحمراء للقوى الكبرى بشكل مباشر وعنيف.

ثالثًا: التداعيات على القضية الفلسطينية: تدمير مرجعية العدالة:

إن الأثر الأعمق لعملية اختطاف مادورو يكمن في تدمير المرجعية القانونية والأخلاقية التي تعتمد عليها القضايا العادلة، وفي مقدمها القضية الفلسطينية، ففلسطين التي تعتمد بشكل أساسي على المقاومة المشروعة للاحتلال وعلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة أدوات شرعية لمواجهة الاحتلال، تجد نفسها أمام واقع جديد:

  • 1- تقويض الثقة في القانون الدولي: عندما يُختطف رئيس دولة ذات سيادة ويُحاكم في نيويورك، يصبح الاعتماد على القانون الدولي مجرد وهم في مواجهة القوة العسكرية، هذا يرسخ قناعة لدى الفلسطينيين أن منطق القوة هو الحاكم، وليس منطق الحق، مما يضعف أي مسعى دبلوماسي أو قانوني مستقبلي([3]).
  • 2- إسكات الأصوات الداعمة: فنزويلا، التي كانت صوتًا رمزيًا قويًا للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية، جرى تحييدها بشكل كامل، هذا يرسل رسالة ردع إلى أي دولة أخرى تفكر في تبني مواقف مناهضة للهيمنة، مما يؤدي إلى عزلة أكبر للقضية الفلسطينية وتهميشها في الأجندة العالمية.
  • 3- تأكيد ازدواجية المعايير: إن استخدام القوة العسكرية المباشرة ضد فنزويلا بذريعة “الجريمة”، بينما يجري غض الطرف عن انتهاكات واضحة للقانون الدولي في سياقات أخرى، مثل العدوان على غزة من قبل الكيان الإسرائيلي، يكرس ازدواجية المعايير بشكل لا يمكن إنكاره، هذا يخدم بشكل مباشر القوى التي تسعى إلى تفكيك الإجماع الدولي حول قضايا الاحتلال والعدالة.

رابعًا: ضرورة المواجهة واستعادة التوازن:

تكشف عملية اختطاف الرئيس مادورو عن الوجه القبيح للولايات المتحدة، الذي يسعى إلى إعادة صياغة النظام العالمي وفق مصالحه الأحادية، متجاهلًا الشرعية الدولية ومبادئ العدالة، إن هذا الفعل ليس مجرد أزمة فنزويلية، بل هو أزمة نظام دولي بأكمله.

لذلك، فإن مواجهة هذه الهيمنة الطاغية، والدفاع عن سيادة الدول واستعادة الثقة في القانون الدولي ليست مجرد خيارات سياسية، بل هي ضرورة استراتيجية وأخلاقية لضمان مستقبل أكثر توازنًا وإنصافًا، إن القضية الفلسطينية- بوصفها قضية عدالة عالمية- لا يمكن أن تستعيد زخمها إلا في ظل نظام دولي يحترم السيادة ويُعلي من شأن القانون على منطق القوة، وإن ما حدث في كاراكاس هو جرس إنذار للعالم بأسره بأن الصمت اليوم يعني القبول بالخضوع غدًا.

———————————————————————————————

([1]) United Nations. Charter of the United Nations. New York: United Nations, 1945.

([2]) Bellamy, Alex J.Responsibility to Protect: The Global Effort to End Mass Atrocities. Cambridge: Polity Press, 2009.

([3]) Kaldor, Mary.New and Old Wars: Organized Violence in a Global Era. 4th ed. Stanford: Stanford University Press, 2019.

كاتب