عبد الله علي صبري
كاتب وباحث سياسي
- ♦ فيما استشعرت عدد من الدول العربية خطورة إعلان إسرائيل الاعتراف بأرض الصومال دولة مستقلة، كان الموقف اليمني الأكثر وضوحًا في الإعلان عن خطوة عملية استباقية، حين أكد السيد عبد الملك الحوثي أن أي تواجد عسكري إسرائيلي في أرض الصومال يعني تهديدًا مباشرًا لأمن اليمن والصومال، وسيكون الرد عليه بالقوة العسكرية.
يجسد هذا الموقف الترابط بين أمن اليمن والأمن الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، إضافة إلى الأمن القومي العربي في الجبهة الجنوبية، وعلى رغم أن الدول العربية ذات الصلة التزمت الصمت تجاه الموقف اليمني، إلا أنها لم تعارض أو تعلق سلبًا عليه، ما يشي بأن أي مواجهة يمنية إسرائيلية محتملة قد تكون مدعومة من بعض الدول العربية، وقد تنضم إريتريا إلى الموقف نفسه، في حال أن إثيوبيا وقفت إلى جانب إسرائيل.
ويفرض السؤال نفسه: لماذا عَدَّت صنعاء أي تواجد عسكري لإسرائيل في أرض الصومال تهديدًا لأمن اليمن القومي؟
لا يخفى على المتابع أن اليمن بمشاركتها في إسناد غزة على نحو مؤثر وفاعل، جعل إسرائيل في موقف حرج من ناحية القدرة على التعامل مع العمليات اليمنية وخطورة التغافل عنها، حتى مع إيقاف الحرب على غزة، وكان واضحًا أن صنعاء هي الأخرى لم تغفل عن هذا التوجه الإسرائيلي، فكان الموقف المعلن أن صنعاء تراقب مستوى تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار على غزة، لكن مع الاستعداد للعودة إلى الحرب في حال فشل الاتفاق.
وعلى الأرض كانت الاحتشادات الشعبية اليومية تؤكد الجهوزية اليمنية لأي تصعيد عسكري محتمل من جانب إسرائيل أو من أي طرف قد يتطوع لتنفيذ الأجندة الإسرائيلية.
من جهة أخرى كانت الخطوة الإسرائيلية متزامنة مع تطورات مفاجئة في حضرموت والمهرة، التي لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات، وكانت مؤشرات كثيرة قد رصدت علاقات علنية بين إسرائيل و”الانتقالي الجنوبي”، الذي يسعى إلى إقامة دولة انفصالية، ويتطلع إلى الاعتراف الإسرائيلي بها، كما حدث مع أرض الصومال.
وهنا تكون صنعاء قد اتخذت موقفًا استباقيًا من أية تطورات محتملة في المحافظات الجنوبية، تحمل بصمة الانفصال المدعوم من إسرائيل، ومادامت صنعاء قد أعلنت هذا الموقف تجاه أي مخاطر في الضفة المقابلة لـباب المندب، فكيف إذا تجرأت إسرائيل وفكرت مجرد التفكير في الوصول إلى الأراضي اليمنية نفسها؟
على أن الموقف اليمني لا يمكن قراءته في هذا الإطار المحدود على أهميته البالغة؛ ذلك أن القرن الإفريقي ومختلف المستجدات المرتبطة بأمن البحر الأحمر مع الموقع الجيوسياسي لباب المندب، كلها عوامل تفرض على اليمن أن يكون فاعلًا مؤثرًا في توازنات القوة بين مختلف القوى والفاعلين المؤثرين، وعلى رأسها الفاعل الإسرائيلي الذي أفصح عن مشروعه التوسعي تحت مسمى ” الشرق الأوسط الجديد”، وباشر خطوته الكبرى في سوريا، وما يزال يعمل على تكرس “الاستباحة الشاملة” في لبنان وفلسطين وغيرهما.
وتشكل الملاحة من وإلى موانئ فلسطين المحتلة أحد أركان الاستراتيجية الإسرائيلية في البحر الأحمر، ومنذ استقلال جنوب اليمن في 1967، وما بعد حرب أكتوبر 1973، اتجهت إسرائيل إلى تأمين الملاحة في جنوب البحر الأحمر وردع أية قوة يمكنها أن تعرض أمن إسرائيل للخطر، وفي سبيل ذلك اعتمدت إسرائيل بشكل كبير على الدعم الأمريكي، وفي الوقت الذي أمكن لأمريكا إيقاف التقدم العسكري للقوات المصرية في حرب أكتوبر 1973، فقد ظهرت معضلة إغلاق باب المندب في وجه الملاحة الإسرائيلية، حين أوعزت القاهرة أن اليمن شريك في هذه المهمة، ولا بد من التفاهم مع صنعاء أيضًا، وهذا ما رفضته إسرائيل وقتها.
آنذاك تصدى الأمريكي للمهمة بنفسه، وأرسل بارجات أمريكية لحماية السفن الإسرائيلية أثناء عبورها من باب المندب؛ الأمر الذي أنهي الحصار على نحو عملي ودون مفاوضات.
لكن بعد نصف قرن عجز الأمريكي نفسه عن تأمين الملاحة المتجهة إلى موانئ فلسطين المحتلة، وشهدت معركة طوفان الأقصى تطورًا كبيًرا ونوعيًا بدخول القوات اليمنية المعركة البحرية على النحو الذي أدى إلى تراجع حاملات الطائرات الأمريكية، ورضوخ واشنطن لوقف إطلاق النار مع صنعاء بوساطة عمانية، وقد دلت هذه التطورات على أن اليمن بات الفاعل الأهم في البحر الأحمر، وأن ضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، واستقرار منطقة القرن الإفريقي مرهون بدور صنعاء ومن يتحالف معها.
ومن هنا نفهم لماذا تسعى إسرائيل إلى التواجد العسكري المباشر في أرض الصومال، التي تشكل موقعًا استراتيجيًا مهمًا على باب المندب وخليج عدن والبوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ونفهم خطورة أي تحرك إسرائيلي في هذه المنطقة الحساسة للأمن القومي اليمني، ونفهم كذلك أهمية موقف صنعاء من الخطوة الإسرائيلية الأخيرة، التي تعني في الجانب العملي أن صنعاء تراقب أي تحرك عسكري/أمني مباشر لإسرائيل نحو أرض الصومال.
على أن خطورة التهديد الإسرائيلي لا يقتصر على تأمين الملاحة في البحر الأحمر، بل على الضد من ذلك، فإسرائيل بهذه الخطوة تعتزم الانتقال إلى مرحلة متقدمة من تهديد الملاحة في أحد أهمم ممرات الحركة التجارية في العالم، ما يهدد كل الدول المستفيدة من حركة الملاحة من جنوب البحر الأحمر وإلى شماله، حيث قناة السويس التي تشكل المرادف الموضوعي والمرتبط باب المندب من حيث الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية.
أضف إلى ذلك أن تموضع قوات عسكرية لإسرائيل في أرض الصومال، يمنحها قاعدة متقدمة وقريبة لاستهداف اليمن، ويساعدها في محاولة القضاء على التهديد الجديد والجدي الذي تشكله صنعاء، لاسيما أن الموقف الرسمي والشعبي لليمن ينطلق من ثقافة دينية وأخلاقية ترى في إسرائيل تهديدا وجوديًا، وأن الصراع العربي الصهيوني مسألة حتمية ومفتوحة لا سبيل لوقفه إلا بتحرير كل شبر من فلسطين المحتلة.