عبدالله مصلح
كاتب وباحث سياسي
رئيس تحرير صحيفة اليقين
تتناول هذه الورقة العلاقة المتنامية بين ما يسمى بالمجلس الانتقالي الجنوبي والكيان الإسرائيلي برعاية إماراتية.
يسعى المجلس الانتقالي الجنوبي للحصول على دعم واعتراف أمريكي وغربي بانفصال جنوب الوطن، لاسيما بعد استكمال سيطرته على جميع المحافظات الجنوبية، وعلى رغم ذلك ما زال عاجزًا عن إعلان الانفصال، ويقدم نفسه أداة موثوقة للإسرائيلي والأمريكي، ويبدي استعداده للتخلي عن الثوابت الدينية والوطنية في سبيل إرواء تعطشه للسلطة حتى ولو كانت مجرد سلطة وهمية منزوعة السيادة والثروة.
بدأت هذه العلاقة المشبوهة من تصريحات وتلميحات إعلامية، ثم تواصلات ولقاءات فعلية، تمخضت عن تواجد استخباراتي إسرائيلي في جزيرة سقطرى اليمنية، برعاية مباشرة من الإمارات العربية المتحدة.
فمنذ تأسيسه في العام 2017 يسعى المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي إلى الحصول على دعم واعتراف دولي لمشروع انفصال جنوب الوطن، وقد وجد ضالته في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي وفرت له الدعم المالي والخبرات التقنية في المجالين الأمني والعسكري، وإنشاء تشكيلات مسلحة (الأحزمة الأمنية)، وقد تمكن المجلس الانتقالي نتيجة هذا الدعم السخي من طرد كافة العناصر المنتمية للمحافظات الشمالية في مختلف الوحدات الإدارية المدنية والعسكرية، ونجح في السيطرة على جميع المحافظات الجنوبية بعد فرض سيطرته مؤخرًا على محافظتي حضرموت والمهرة، لكنه لم ينجح بعد في الحصول على اعتراف دولي، ولذلك يعتقد المجلس أن إقامة علاقة تطبيع مع الكيان الصهيوني هو أقصر الطرق للوصول إلى دوائر صنع القرار الأمريكي، ومن ثَمَّ الحصول على اعتراف دولي بانفصال جنوب اليمن.
وعلى رغم التصريحات المعلنة والمتكررة من قبل قيادات بارزة في المجلس الانتقالي بشأن العلاقة مع إسرائيل، إلا أن الأخيرة لم تفصح عن اهتمامها بتلك التصريحات الاستجدائية إلا بعد اندلاع معركة طوفان الأقصى، وإعلان القوات اليمنية خوض غمار الحرب إسنادًا للمقاومة الفلسطينية في غزة؛ إذ اكتشفت إسرائيل أنها في أمس الحاجة إلى عملاء ومرتزقة وأدوات تعمل لصالحها في الداخل اليمني، ومن هنا برزت الإشادات الإسرائيلية بالتصريحات الصادرة عن قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي.
تحليل الأهداف والدوافع
في التحليل العام تستند العلاقة بين المجلس الانتقالي وإسرائيل إلى أدلة واضحة، كان توثيقها عن طريق تصريحات قيادات المجلس وتقارير إعلامية واستخباراتية موثوقة؛ إذ أبدى قادة المجلس الانتقالي مواقف علنية تشير بوضوح إلى استعدادهم للتطبيع مع إسرائيل، وربطوا ذلك بتحقيق هدفهم السياسي وهو الانفصال.
فمثلا، نقلت صحيفة “معاريف” العبرية عن عيدروس الزبيدي (رئيس المجلس الانتقالي) تأكيده أن “استقلال الجنوب يمهد التطبيع مع إسرائيل”، وأن قيام دولة جنوبية مستقلة سيفتح الباب أمام علاقات رسمية مع إسرائيل [1].
هذا التصريح يمثل عرضًا سياسيًا واضحًا: الاعتراف مقابل الدعم للانفصال، كما بارك الزبيدي اتفاقيات التطبيع الأخيرة المعروفة باتفاقات إبراهام، واصفًا إياها بأنها “مبدأ سلام في المنطقة” [2].
كذلك صرح أنور التميمي (المتحدث باسم الانتقالي) بأن مبدأ التواصل والتطبيع مع إسرائيل “غير مرفوض” بالنسبة للمجلس الانتقالي، مشيرًا إلى أن أي تحركات في هذا الاتجاه ترتبط بكون المجلس جزءًا من محيط الجزيرة العربية والخليج وما يشهده من تحركات سياسية وأمنية [3].
وهذا إقرار رسمي يؤكد هرولة الموقف تجاه التطبيع.
وإلى جانب التصريحات المعلنة، تشير تقارير دولية إلى وجود اتصالات فعلية وتعهدات متبادلة، ولقاءات سرية، منها ما كشفته صحيفة “التايمز” البريطانية عن عقد لقاءات بين وفد من المجلس الانتقالي ومسؤولين إسرائيليين؛ إذ جادل الوفد بأن لديهم قضية مشتركة ضد السلطة في صنعاء [4]، فيما أفادت تقارير إعلامية إسرائيلية بأن المجلس الانتقالي تعهد بـ “الاعتراف والتطبيع الكامل” مع إسرائيل مقابل دعمها لمشروع الانفصال [5].
في الاتجاه ذاته، يرى الجانب الإسرائيلي في المجلس الانتقالي شريكًا محتملًا لمواجهة صنعاء وأنصار الله، وتأمين الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، مما يمثل تقاطعًا استراتيجيًا للمصالح الأمنية [6].
على أن طموحات المجلس الانتقالي لا تقتصر على الدعم والاعتراف الأمريكي والغربي، بل يسعى كذلك إلى الحصول على خبرات إسرائيلية في المجالات الأمنية والعسكرية، وإدارة المناطق الساحلية والجزر.
فوق ذلك يتحرك الانتقالي بدوافع إرضاء الممول والداعم الإماراتي؛ إذ تُعد أبو ظبي الراعي الرسمي لهذه العلاقة، المندرجة تحت مستقبل “اتفاقيات إبراهام”.
أبرز التداعيات على الأمن القومي اليمني
– تقويض السيادة الوطنية، وربط مصير جزء من اليمن بأجندة إقليمية ودولية تتعارض مع الموقف الوطني.
– تهديد السيطرة الوطنية على الممرات المائية، ووجود نفوذ إسرائيلي محتمل في مناطق سيطرة الفصائل الموالية للإمارات (كالجزر والموانئ)، لاسيما بعد اعتراف الكيان الإسرائيلي بشمال الصومال أو ما تسمى “جمهورية أرض الصومال” دولة مستقلة؛ بهدف تعزيز نفوذها في جنوب البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وبناء قاعدة عمليات ضد اليمن؛ إذ تطل أرض الصومال مباشرة على خليج عدن.
– استغلال الكيان الإسرائيلي ورقة الانفصال لتقويض الموقف اليمني الموحد والرافض للتطبيع، وضرب العمق الاستراتيجي للقضية الفلسطينية.
توصيات عملية
1- على المستوى الإعلامي والسياسي:
– تنفيذ حملة إعلامية موجهة تركز على فكرة التخلي من قبل الانتقالي عن أقدس القضايا “فلسطين” وبيع السيادة الوطنية مقابل تحقيق مكاسب شخصية.
– توعية أبناء المحافظات الجنوبية بخطر العلاقة مع إسرائيل على هوية اليمن الإسلامية والعروبية وتاريخ أبناء المحافظات الجنوبية النضالي والوطني، وخطر تحويل محافظاتهم إلى ساحة للصراع بالوكالة.
– مخاطبة اليمنيين جنوبًا وشمالًا بأن استجلاب النفوذ الصهيوني يهدد اليمن بأكمله، ويستدعي توحيد الصفوف لمواجهة هذا الخطر اليهودي.
– التواصل مع مختلف القوى اليمنية الرافضة لمشروع الانفصال وللعلاقة مع إسرائيل، وتنسيق الجهود الداخلية لمجابهة الأجندات الخارجية.
– التأكيد من مختلف الأطراف اليمنية أن الحل العادل للقضية الجنوبية لا يمر عن طريق تمرير الأجندات الخارجية، وإنما عن طريق حوار يمني يمني يضمن حقوق الجميع.
2– على المستوى الأمني والعسكري:
– تكثيف العمل الاستخباراتي حول طبيعة وحجم الوجود الإسرائيلي في المناطق والموانئ والجزر اليمنية.
– رصد أي تحركات عسكرية أجنبية مشبوهة، لاسيما في المياه اليمنية.
-إرسال رسائل ردع واضحة بأن أي وجود عسكري أو استخباراتي إسرائيلي أو أجنبي في الأراضي اليمنية سيكون التعامل معه بوصفه عدوانًا مباشرًا على السيادة الوطنية وهدفًا مشروعًا للقوات اليمنية.
– تعزيز السيطرة على المياه اليمنية لاسيما مضيق باب المندب، وإظهار القدرة على حماية السيادة والمصالح الوطنية.
___________________
[1] صحيفة معاريف العبرية: عرض الزبيدي الانفصال مقابل التطبيع مع إسرائيل.
https://arabi21.com/story/1709276
[2] تصريح الزبيدي حول مباركة التطبيع: (https://www.instagram.com/reel/DSK6XVoDEPB
[3] تصريح أنور التميمي: الانتقالي: التواصل مع إسرائيل مبدأ غير مرفوض بالنسبة لنا.
https://yemenshabab.net/sections/NEWS/Political
[4] صحيفة التايمز البريطانية: لقاء بين وفد من المجلس الانتقالي الجنوبي ومسؤولين إسرائيليين: https://www.france24.com/ar
[5] إعلام إسرائيلي: “الانتقالي الجنوبي” في اليمن يتعهد لـ”إسرائيل” بالاعتراف مقابل الاستقلال: https://www.almayadeen.net/news/politics
[6] كارنيغي للسلام الدولي: إسرائيل والمجلس الانتقالي في جنوب اليمن، واقع العلاقة وآفاقها: (https://carnegieendowment.org/sada/84014