أبوبكر عبد الله
كاتب وباحث سياسي
بالقدر الذي مثَّل فيه اعتراف الكيان الإسرائيلي بجمهورية “أرض الصومال” غير المعترف بها دوليًا تهديدًا للتوازنات الإقليمية في البحر الأحمر وشرق إفريقيا، فقد مثَّل بالنسبة للصومال تحولًا جيوسياسيًا مفصليًا في مسار الأزمات التي تواجهها، خصوصًا أنه جاء بعد أن تمكنت من تنظيم أول انتخابات محلية بالاقتراع المباشر في العاصمة مقديشو بعد سنوات من نظام “المحاصصة القبلية” أعقبت عقودًا من الحرب الأهلية.
تنظيم التجربة الانتخابية الجديدة في الصومال مثَّل خطوة تاريخية كسرت لأول مرة نظام المحاصصة التقليدي للعشائر لصالح الأحزاب السياسية التي تمكنت من تقديم نفسها ببرامج انتخابية تنافسية، غير أن الاعتراف الإسرائيلي بـ (Somaliland)، وهو الإقليم الصومالي الشمالي المنفصل عن الدولة الصومالية منذ عام 1991، أحدث زلزالًا سياسيًا كبيرًا، بما عكسه من نيات لعرقلة مسار بناء الدولة الصومالية الجديدة ودفعها إلى حروب داخلية، لتغدو دولة مفككة غير مستقرة وغير قادرة على بناء دولة موحدة.
كانت سلطات مقديشو تتوقع أن يؤدي نجاحها في تنظيم أول تجربة انتخابية مباشرة، إلى توجيه رسالة للمجتمع الدولي بأن الصومال الجديد يمضي في طريق التعافي وبناء دولة مستقرة وديمقراطية تستحق الدعم الدولي لقيام الدولة الموحدة والمستقرة القادرة على تحييد المشاريع الانفصالية، وقادرة على تقديم دور في معادلة الأمن الإقليمي، لاسيما وهي تستعد لتسلم رئاسة مجلس الأمن الدولي في يناير 2026.
لكن المفاجأة كانت بإعلان الكيان الإسرائيلي يوم 26 ديسمبر الجاري، اعترافه رسميًا بـ “أرض الصومال” دولة مستقلة ذات سيادة، في إطار اتفاق رسمي سمي بـ “إعلان القدس المشترك”، قالت حكومة الكيان: إنه استند إلى روح “اتفاقيات إبراهام” الساعية إلى توسيع دائرة التطبيع برعاية أميركية، مُعلنة بدء علاقات دبلوماسية كاملة مع “أرض الصومال” تشمل تعيين سفراء وفتح سفارات، واتفاقيات للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي.
بتخطيط مخابراتي عالي المستوى، استثمرت حكومة الكيان التغيرات السياسية الداخلية في “أرض الصومال” التي شهدت قبل أيام قليلة انتخابات أسفرت عن تغيير في هرم السلطة بفوز مرشح المعارضة زعيم حزب “وطني” عبد الرحمن محمد عبد الله “عيرو” بالانتخابات، الذي شرع في تنفيذ برنامجه لكسر ثلاثة عقود من العزلة الدولية بمفاوضات سرية مع إسرائيل الطامحة للحصول على موطئ قدم استراتيجي في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
وخلافًا لاتفاقيات التطبيع الموقعة سابقًا التي كانت تجري برعاية أميركية مباشرة، وقع هذا الاتفاق من جانب الكيان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته جدعون ساعر، ومن الجانب الآخر رئيس “صوماليا لاند” غير المعترف به دوليا عبد الرحمن محمد عبد الله “عيرو” من دون أي حضور أميركي، سوى في إشارة رئيس حكومة الاحتلال الذي وصف الاتفاق بأنه منسجم مع روح “اتفاقيات إبراهام” التي يرعاها الرئيس الأميركي ترامب شخصيًا.
لم يكن مفاجئا أن إسرائيل قدمت نفسها في هذه الاتفاقية دولة تدعم “تقرير المصير” و”السلام الإقليمي”، لكنها في الواقع حملت أهدافًا خفية بالسعي لإحداث تغيير في الجغرافيا السياسية للتحالفات في منطقة القرن الإفريقي، والتوجه نحو توسيع النفوذ الإقليمي عن طريق توقيع شراكات استراتيجية في منطقة قريبة من خليج عدن وباب المندب، ترسخ أقدامها في هذه المنطقة الاستراتيجية.
وقد سعت هرجيسا إلى أن تقوم إسرائيل بدورٍ ما في مواجهة المواقف الدولية العتيدة التي فرضت عليها عزلة دولية أكثر من ثلاثة عقود استنادا إلى دفاعها عن مبدأ وحدة أراضي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما في ذلك الاتحاد الإفريقي الذي طالما واجه الطموحات الانفصالية لهرجيسا بدفاعه عن مبدأ “حرمة الحدود الموروثة عن الاستعمار”، ودعمه القوي لوحدة الصومال، ناهيك عن الدعم العربي والإسلامي للحكومة الصومالية المركزية الذي حال دون اعتراف أي دولة بـ “أرض الصومال”.
جذور التقارب… شراكة استراتيجية في بيئة جيوسياسية متقلبة:
منذ إعلان “أرض الصومال” من جانب واحد الانفصال عن جمهورية الصومال عام 1991 فشلت كل محاولاتها في الحصول على اعتراف دولي، ما دعا حكومتها الجديدة المنتخبة حديثًا إلى تبني برنامج سياسي رأى في الشراكة الاستراتيجية مع إسرائيل طريقًا لتحقيق هذا الهدف.
استطاعت هرجيسا في وقت سابق الحصول على وعود من إثيوبيا بالاعتراف بها دولة مستقلة مقابل منح إثيوبيا منفذًا بحريًا في سواحلها المطلة على خليج عدن، إلا أن هذه الخطوة لم تلبِّ طموحاتها بالحصول على اعتراف دولي أوسع يتيح لها الخروج من نفق العزلة.
ويمكن القول: إن 30 عامًا من العزلة الدبلوماسية الدولية بما رافقها من اختناقات اقتصادية وحاجات ملحة لاستثمارات دولية وقروض ومساعدات مباشرة، أنتجت انعطافة استراتيجية لدى حكومة هرجيسا التي قررت الذهاب نحو إسرائيل سعيا للحصول على اعتراف دولي يفتح لها أبواب البنك وصندوق النقد الدوليين، ويتيح لها تعاونًا اقتصاديًا مفتوحًا مع دول العالم، يخفف عنها ثقل الأعباء الاقتصادية، ويلبي تطلعات الأجيال الجديدة في دولة مستقلة ترتبط بعلاقات ودية مع دول العالم.
هذا الأمر، بالإضافة إلى التغيرات الإقليمية التي شهدها الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين، شجع هرجيسا على تأسيس شراكة استراتيجية مع الكيان الإسرائيلي، مستغلة مساعي إسرائيل المحمومة للتواجد العسكري والمخابراتي على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهو السبب ذاته الذي دعاها لتقديم نفسها شريكًا أمنيًا موثوقًا يمكنه الإسهام في حماية الملاحة الدولية.
رأت هرجيسا أيضا أن “اتفاقيات إبراهام” التي تقودها الإدارة الأميركية فرصة مثالية للخروج من العزلة الدولية الطويلة، بعد أن أثبتت تجارب سابقة أن التطبيع مع إسرائيل هو أقصر الطرق وأضمنها للحصول على دعم إدارة ترامب التي تبدي مرونة تجاه أي قضايا تخدم مصالحها الاستراتيجية، كما حصل في سيناريو الصحراء الغربية التي رُبط الاعتراف بها أرضًا مغربية باتفاقيات تطبيع كبرى مع الكيان الإسرائيلي.
والقفز نحو إسرائيل فرضته التحولات الجيوستراتيجية في المنطقة التي وجدت فيها حكومة “أرض الصومال” فرصة مواتية للحصول على اعتراف من جانب إسرائيل الباحثة عن موطئ قدم في منطقة القرن الإفريقي التي ظلت مغلقة امامها لعقود طويلة.
هذه التحولات أتاحت للسلطة في هرجيسا بقيادتها المنتخبة حديثًا اعتماد سياسة “المقايضة الاستراتيجية” بتقديم موقعها الجغرافي المطل على باب المندب قاعدة أمنية واستخباراتية لإسرائيل مقابل الحصول على اعتراف إسرائيلي أميركي يفتح لها طريق الاعتراف العالمي، وينهي عزلتها الدولية.
بدأ ماراثون المقايضة نهاية العام 2024 بتقديم إسرائيل عرضًا سريًا لهرجيسا لإنشاء قاعدة عسكرية على أراضيها مقابل منحها اعترافًا رسميًا؛ ما دعاها للموافقة على الطلب الإسرائيلي شريطة أن تعترف إسرائيل بها دولة مستقلة ضمن اتفاقية مشتركة مع إدارة مشاريع استثمارية فيها.
تاليًا تمكَّن جهاز الموساد، خلال شهور قليلة من ترجمة المشروع الإسرائيلي بمشروع اتفاق يشمل إنشاء مراكز مراقبة مخابراتية بحرية وقواعد عسكرية تمكنها من تنفيذ أنشطة مراقبة وعمليات عسكرية، انطلاقًا من هذه المنطقة التي طالما مثلت الجدار الحامي لأمن دول البحر الأحمر.
سبق التوقيع على الاتفاق الذي أعده جهاز الموساد الإسرائيلي زيارة سرية قام بها رئيس “أرض الصومال” غير المعترف به دوليًا إلى إسرائيل في أكتوبر الماضي، التقى خلالها بمسؤولين في جهاز الموساد ووزارة الخارجية، ويُعتقد أنها وضعت الأسس الأمنية والسياسية لخطوة الاعتراف على قاعدة تبادل المصالح السياسية والأمنية.
زاد من حماسة هرجيسا لهذا الاتفاق أنه تضمن حوافز اقتصادية لـ “أرض الصومال” التي تعاني من مشكلات اقتصادية ومالية، في برامج شملت وفقا لإعلان نتنياهو مجالات الزراعة والصحة والتكنولوجيا والاقتصاد.
البنود السرية… موطئ قدم على باب المندب وإعادة تشكيل خارطة النفوذ:
يصعب فصل المشروع الإسرائيلي الجديد في “أرض الصومال” عن أي مخططات إسرائيلية تجاه حكومة صنعاء التي سارعت إلى إسناد غزة بعمليات عسكرية في العمق الإسرائيلي فاجأت القيادات العسكرية والأمنية هناك، ما دفع حكومة الكيان إلى التفكير بجدية في إنشاء قاعدة متقدمة في القرن الإفريقي لرصد وصد أي تهديدات مستقبلية محتملة.
كانت أرض الصومال غير المعترف بها دوليًا من وجهة النظر الإسرائيلية الوجهة الأمثل لتنفيذ المشروع؛ نظرا لما تتميز به من مزايا جغرافية مهمة بسيطرتها على شريط ساحلي يمتد لنحو 850 كيلومترا، على خليج عدن، ما منحها ميزة التحكم الفعلي بالمداخل المؤدية إلى مضيق باب المندب.
وما بين سطور الاتفاقية الموقعة تتكشف الأهداف الخفية التي أرادت حكومة الكيان تحقيقها، وفي الصدارة الحصول على موطئ قدم في المنطقة المشاطئة لخليج عدن وباب المندب يمكن بواسطته مواجهة التهديدات والحصول على ميزات أمنية لمراقبة أي أنشطة من حكومة صنعاء المساندة لغزة ومحور المقاومة، ولتقديم دور مستقبلي في تأمين خطوط الملاحة الدولية.
وقد فتح التحالف الجديد لحكومة الكيان طريقًا معبدًا لإنشاء مراكز مراقبة مخابراتية وقواعد عسكرية بحرية وجوية، واستحداث موقع أمامي متقدم لرصد تحركات صنعاء في إطلاق الصواريخ والمسيّرات نحو إسرائيل، وتحويلها تاليًا إلى منصة إطلاق للردع والمراقبة، ولتنفيذ عمليات خاصة استخباراتية أو عسكرية مباشرة ضد أهداف معينة داخل الأراضي اليمنية، مع إتاحة موقع تمركز دائم لقواتها البحرية في جنوب البحر الأحمر يعزز قدراتها في حماية مصالحها، ويلبي للمجتمع الدولي مطالبه في تأمين خطوط الملاحة بمضيق باب المندب.
أكثر من ذلك إحداث تغيير في معادلة توازنات النفوذ الإقليمي الذي تمثله تركيا ومصر، اللتان وقعتا مع الحكومة الصومالية الفيدرالية اتفاقيات شملت التعاون الاقتصادي والعسكري والدفاعي.
من غير الممكن إغفال الأهداف الأكثر خطورة التي تتبناها حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة في العلن بالبحث عن مواطن بديلة للفلسطينيين في قطاع غزة، في إطار خطة التهجير الطوعي، ونقل سكان غزة إلى “أرض الصومال” التي قبلت على ما يبدو هذه الترتيبات مقابل الحصول على اعتراف إسرائيلي يقود إلى اعتراف أميركي ينهي عقودًا من العزلة الدولية.
وقد كشفت وسائل إعلام إسرائيلية بصورة علنية أن الاتفاق الموقع يتضمن بنودًا سرية أو تفاهمات تتعلق باستعداد أرض الصومال لاستقبال أعداد من الفلسطينيين من قطاع غزة جزءًا من خطة “التهجير الطوعي” التي كانت موضع نقاش واسع داخل الأوساط اليمينية الإسرائيلية في الآونة الأخيرة.
مستقبل الصفقة الأمنية.. مساس مرفوض بالتوازنات الإقليمية:
الكثير من التقديرات تؤكد أن اعتراف إسرائيل بـ “أرض الصومال” أخفى صفقة أمنية، تتضمن خططًا لإنشاء قاعدة عسكرية كبيرة للبحرية الإسرائيلية في منطقة القرن الإفريقي؛ تستهدف تعزيز الوجود الاستراتيجي الإسرائيلي في المنطقة، بما يشكله ذلك من اختراق أمنى كبير للمنطقة الآمنة التي ظلت عصية عن الحضور الإسرائيلي العسكري مدى العقود الماضية.
طبقا لذلك تعاطت دول المنطقة مع اعتراف إسرائيل بأرض الصومال بأنه حدث يتجاوز طموحات “اتفاقية إبراهام” الهادفة لتوسيع دائرة التطبيع في المنطقة، إلى المساس بمعادلة التوازنات الأمنية القائمة في الشرق الأوسط وشرق إفريقيا.
وعلى رغم أن خطط إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية في “أرض الصومال” ما زالت في مرحلة التحضيرات السرية، إلا أنها كشفت مساعي إسرائيل المحمومة إلى تأمين موقع استراتيجي أمامي في منطقة القرن الإفريقي، قد يعيد تشكيل التوازنات الأمنية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي بصورة عامة.
ذلك أن اعتراف إسرائيل بـ “أرض الصومال” استهدف أكثر من مجرد الحصول على مكاسب سياسية ضمن “اتفاقية إبراهام” تخرجها من نطاق العزلة الدولية التي خلفتها حربها الوحشية في قطاع غزة إلى الحصول على موقع تمركز استراتيجي دائم، يتيح لدولة الكيان توسيع نفوذها العسكري قبالة الممر المائي الحيوي للملاحة الدولية جنوبي البحر الأحمر.
مع ذلك فإن الخطوة الإسرائيلية التي عُمدت باتفاقية شاملة، أطلقت شرارة زلزال كبير في المشهد الجيوسياسي للمنطقة، في ظل تداعيات واسعة محتملة ستؤثر بلا شك في استقرار الصومال ومحاولاته بناء الدولة الحديثة، كما ستؤثر في مستقبل التحالفات الإقليمية والدولية في هذه المنطقة التي تعد موضع اهتمام للدول الكبرى التي تتسابق على النفوذ في منطقة القرن الإفريقي.
والمرجح أن الخطوة الإسرائيلية في حال مرورها بضوء أخضر أميركي، ستقود إلى مفاقمة التوتر بين مقديشو وإقليم أرض الصومال، وستؤثر في مركز الصومال الذي يخوض حربًا واسعة مع التنظيمات الإرهابية، ويصد على الدوام محاولات التنظيم المتطرف السيطرة على العاصمة مقديشو وإقامة إمارة إسلامية على غرار القاعدة وداعش.
أكثر من ذلك فإن إنشاء إسرائيل قواعد مخابراتية وعسكرية في هذه المنطقة الحساسة سيؤدي إلى تعقيد التوترات في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، لاسيما مع معارضة كل من مصر وتركيا وجيبوتي واليمن والمملكة العربية السعودية والكويت وغيرها لهذه التحركات.
ومضي الكيان الإسرائيلي بهذه الخطوة في ظل المواقف المناهضة لدول المنطقة ستقود إلى تأثيرات ستنعكس على علاقات إسرائيل مع الدول العربية والإفريقية الداعمة لوحدة الصومال، بما في ذلك الدول المطبعة مع الكيان الإسرائيلي.
مع ذلك فإن الخطوة الإسرائيلية لن تخل من مخاطر؛ إذ إن التحالف الجديد بين إسرائيل وأرض الصومال قد يدفع منطقة القرن الإفريقي لموجة استقطابات حادة وعسكرة غير مسبوقة، عن طريق تكتلين، الأول: ستمثله إسرائيل وأرض الصومال وإثيوبيا، والثاني: ستمثله مصر والصومال وتركيا وجيبوتي ما سيضع المنطقة فوق صفيح ساخن لسنوات وربما لعقود.