تحالف الحرب على اليمن وفشل نظرية الهيمنة الإقليمية

 د. علي أحمد الرحبي 

كاتب وباحث في الاجتماع السياسي

 

تستعرض هذه المقالة تحليلا معمقًا للأهداف المعلنة والخفية لحرب التحالف الذي قادته السعودية والإمارات على اليمن خلال المدة الممتدة من مارس 2015 حتى 2025، وذلك بالاستناد إلى نظرية الهيمنة الإقليمية إطارًا تحليليًا؛ لتفسير دوافع القوى الإقليمية وتضارب مصالحها في المجال الحيوي اليمني.

خلطت السعودية بين أهدافها المعلنة (استعادة الشرعية) مع أهداف خفية شملت الجوانب الأمنية (بناء منطقة عازلة، اختبار الأنظمة الدفاعية)، والاقتصادية/الجيوسياسية (السيطرة على الموانئ والممرات لتعويض موقعها الهش في الخليج). في الأخير تبخرت كل هذه الأهداف، واقتصرت على البحث عن “تسوية سياسية أمنية” تضمن وقف الهجمات اليمنية على العمق السعودي.

فيما تبنت الإمارات استراتيجية أكثر براغماتية، وركزت على المصالح بعيدة المدى، هدفها الرئيس لم يكن دعم ما يسمى بالشرعية، بل بناء نفوذ عسكري واقتصادي دائم في الساحل الجنوبي والجزر اليمنية (سقطرى، ميون)؛ لتعزيز مكانتها قوة بحرية وتجارية إقليمية، وقد سعت في سبيل ذلك إلى تحجيم النفوذ السعودي المباشر عن طريق دعم فصائل موالية لها في المحافظات الجنوبية.

وأدت الأهداف الخفية للإمارات- لا سيما سعيها لفرض النفوذ المنفصل في الجنوب- إلى تضارب مباشر مع الهدف المعلن للتحالف (استعادة الشرعية)؛ مما نتج عنه صراعات داخلية بين فصائل التحالف نفسه، وعقّد المشهد وأعاق تحقيق الحسم العسكري.

إلى جانب ذلك شهدت الحرب تحولًا جذريًا في موازين القوى؛ إذ فشل التفوق الجوي والتقني لدول التحالف في تحقيق الحسم، في مقابل تصاعد الردع اليمني حيث طورت القوات اليمنية قدرات عسكرية (صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة) مكنتها من اختراق العمق الاستراتيجي السعودي والإماراتي بشكل متكرر، وفرض تكاليف باهظة على التحالف.

هذا الانتقال من “الرد المحدود” إلى “الردع الشامل” أدى إلى انهيار نظرية الأمن السعودي القائمة على الدرع الصاروخي الأمريكي المتطور، وكشف عن فجوة تقنية في منظومات الدفاع التقليدية في التعامل مع الهجمات غير المتماثلة منخفضة التكلفة.

في البحر أيضا أدى استمرار الحرب إلى زيادة قدرة الفاعل اليمني على تطوير القدرات وتنفيذ عمليات مضادة للسفن في البحر الأحمر، وهو ما يقوض احتكار الدول للقوة في المجال البحري، ويهدد حرية الملاحة الدولية، ويعرِّض الردع البحري السعودي للتآكل.

وفي التداعيات الاقتصادية أدت الحرب إلى استنزاف هائل للمالية السعودية والإماراتية. وتشير التقديرات إلى أن التكاليف تجاوزت 800 مليار دولار، هذا بالنسبة للسعودية فقط، أما الإمارات فقد تكبدت خسائر تصل إلى 150 مليار دولار.

عند انطلاق العملية، سادت فرضية الحسم السريع، لكن المدى الطويل للحرب كشف عن الفشل الاستراتيجي الذي يُعرّف أنه الفشل في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الموضوعة خلال مدة زمنية محددة، وما ينتج عنه من نتائج عكسية غير متوقعة للقوى المهاجمة. وفي التفصيل يمكن القول: إن الأهداف المعلنة قد فشلت مقابل النجاح الجزئي في تحقيق الأهداف الخفية.

  • ● الفشل الكامل: فشل التحالف في تحقيق الهدف المعلن الأبرز، وهو إعادة الحكومة “الشرعية” الموحدة أو القضاء على نفوذ الجيش اليمني وأنصار الله.
  • ● النجاح الجزئي: حققت بعض الأطراف نجاحًا جزئيًا في أهدافها الخفية، لاسيما الإمارات في بناء نفوذها على الموانئ والجزر، والقوى الدولية في اختبار أنظمتها الدفاعية وجمع معلومات استخباراتية في بيئة قتال حقيقية.

وفي التداعيات النهائية أدت عاصفة الحزم إلى إعادة تشكيل موازين القوى، بصعود فاعلين جدد؛ إذ غدت صنعاء قوة إقليمية مؤثرة ذات قدرة ردع ذاتية، فيما تآكلت الشرعية الإقليمية والدولية وتراجع الدعم الدولي لتحالف لحرب مع مرور الوقت، إضافة إلى زيادة الضغوط على التحالف بسبب الأوضاع الإنسانية المتدهورة في اليمن.

وبدلًا من تحقيق حسم عسكري سريع، أسفر العدوان عن نتائج عكسية عميقة:

أولها: نهاية عصر التفوق الأحادي، وانهيار نظرية الأمن السعودي؛ مما أعاد تعريف مفهوم القوة في المنطقة.

ثانيها: صعود اليمن فاعلًا إقليميًا وازنًا، عزز ذلك التطورات الأخيرة التي رافقت طوفان الأقصى منذ 2023، وتحول مضيق باب المندب إلى نقطة تحكم استراتيجية تستخدمها القوات اليمنية أداة ضغط سياسي فعالة، مما أعاد لليمن قيمة جيواستراتيجية كبيرة.

وعليه، فإن مستقبل اليمن والمنطقة لا يمكن أن يُبنى على افتراضات ما قبل عام 2014. بدلًا من ذلك، فإن الاستنتاج النهائي يفرض ضرورة التوجه نحو تسوية سياسية إقليمية شاملة، تضع في حسبانها المعادلات الأمنية الجديدة التي فرضها اليمن، وتتخلى عن فكرة الهيمنة لصالح بناء توازنات قوى جديدة ومستدامة في واحدة من أهم نقاط الاختناق في التجارة العالمية.

وبالإضافة إلى ضرورة الاعتراف بسيادة الجمهورية اليمنية ووقف التدخلات الخارجية، يتعين

على السعودية والإمارات العمل على تسوية تنهي الصراعات الداخلية بين الفصائل المدعومة منهما في الجنوب، والابتعاد عن الأهداف الخفية التي تتعارض مع وحدة اليمن، والمساعدة في إعادة تمكين عملية إعادة بناء الدولة المركزية.

وفي الجانب الاقتصادي على التحالف رفع جميع القيود المفروضة على الموانئ والمطارات والمنافذ الحدودية؛ لضمان تدفق التجارة والمساعدات الإنسانية، وسيكون على التحالف توفير الموارد المالية لإعادة إعمار اليمن، التي تقدر بأكثر من 200 مليار دولار، بما في ذلك إنشاء صندوق دولي لهذا الغرض مع التزام السعودية والإمارات بتحمل الحصة الأكبر من التكاليف المباشرة وغير المباشرة.

 

 

كاتب